تضم مجموعة «أفكر فيك» للكاتبة والروائية والأكاديمية المصرية أهداف سويف تسع قصص مختلفة الطول، غير أنها يجمعها فيما بينها النثر المتوهج بالحيوية الذي تنطلق عبره أحداثها وشخصياتها ومنعطفات حياة هذه الشخصيات. وتدور هذه القصص في مجموعها في فلك صدام الحضارات والحب الذي تتوجه مشاعر الإحباط وخيبة الأمل.

وربما كان أول ما يتوقف القارئ عنده ثلاث قصص يجمعها فيما بينها وجود بطلة واحدة لها، حيث تتابع هذه القصص الثلاث التي يعتقد الكثير من النقاد إنها الأفضل في المجموعة كلها هذه البطلة ابتداء من طفولتها في القاهرة، وصولاً إلى تلك الفترة الصعبة في مراهقتها في عام 1964 في لندن.

حيث تبدو لنا الابنة اللا منتمية التي لا تعرف كيف تتعايش مع والديها اللذين ينتميان إلى عالم المثقفين، وهي تصطدم بزميلاتها في الدراسة اللواتي يزعجنها أشد الإزعاج بحديثهن عن الإبل وعن تعدد الزوجات باعتبار أن هذا هو كل ما يرتبط عالمها به في أذهانهن.

بعد سنوات من ذلك، نحن على موعد مع البطلة نفسها، ولكن في القاهرة هذه المرة، حيث تواجه الذكريات الحزينة لزواجها الذي مات في مهده. وهناك قصتان أخريان ترتبطان، بشكل أو بآخر، بهذه القصص الثلاث السابقة، تدور أحداثهما في انجلترا، وترتبطان ببطلة مختلفة تدعى آسيا، وهي امرأة من مكان غير محدد على وجه الدقة في الشرق الأوسط، تواصل حياتها أيضاً بعد زواج فاشل وبعد فقدها لجنينها.

ولابد للقارئ أن يتوقف عند التفاصيل الدقيقة لمناخ الحياة، وخاصة في تلك القصص التي تدور أحداثها في القاهرة بصفة خاصة ومصر بصفة عامة، ولكنها تبدو للقارئ أقصر مما ينبغي وأكثر إغراقاً في الطابع الغنائي. وعلى الرغم من تماسك القصص وما تعكسه من اقتدار، إلا أن القارئ لا يمكن إلا أن يلاحظ أن بعضها ينتمي، بوضوح، إلى مرحلة مبكرة من المسيرة الإبداعية للكاتبة.

مع ذلك فإن هذا القارئ نفسه سيتوقف طويلاً أمام اللمحات الإبداعية للكاتبة، وهي تتناول المواقف الدقيقة التي تعيشها النسوة المهاجرات اللواتي يعشن في البلاد التي هاجرن إليها والمشكلات التي يواجهنها وهن يحاولن الحفاظ على الحب في علاقات طويلة المدى.

في القصة التي منحت المجموعة عنوانها، سنلتقي بامرأة حامل يرتفع ضغط دمها على نحو خطير، الأمر الذي يفرض نقلها إلى المستشفى. وفي العنبر الذي تجد نفسها فيه تهدد ملابسها الغربية بالخطر النسوة الأكثر احتشاماً وتحفظاً، وتجتذب التلميحات والتعرضات الجنسية من أحد الأطباء.

وهي تستمد العزاء والشعور بالارتياح من ذكريات صديقة مريضة بالسرطان تتحدى مرضها بلف رأسها في عمامة من الحرير الأخضر، بينما هي تصور لنفسها أنها ترقد في فراش «مسرحي» يليق بكليوباترا على حد تعبيرها.

ويلفت نظرنا أن النسوة في هذه القصص يتقن إلى أن يكن أقوى من القوى الثقافية التي تتكتل ضدهن، وكلهن يجدن أن ثقتهن تتبدد وأن الرجال الذين يربطهم الحب بهن يختفون من حياتهن.

على الرغم من ذلك فإن إيماءات صغيرة تكفي للتعبير عن إشكالات تمرد عارمة من جانبهن، ولنأخذ مثالاً تلك الفتاة المراهقة في قصة «1964»، فهي تتوقف عن الذهاب إلى المدرسة التي تتعرض لموجات لا تنتهي من السخرية والاستفزاز فيها من جانب زميلاتها.

وتتعدد الجوانب التي تجتذب القراء في هذه القصص التسع التي تضمها هذه المجموعة، والتي تتصدرها الموضوعات القوية ومسارح الأحداث المتباعدة.ويساور المرء في غمار استغراقه في قراءة هذه المجموعة شعور قوي بأنه على الرغم من الاهتمامات الواضحة للكاتبة بالحياة السياسية والعامة.

إلا أنها تظل، في نهاية المطاف، وبمعنى من المعاني، تقيم في الكون السردي الذي تبدعه، حتى وإن لم يكن من السهل تجاوز المخاطر الحقيقية النابعة من الموقف المتغلغل للكاتبة في اهتمامها بأعمالها الإبداعية من ناحية وكتاباتها السياسية من ناحية أخرى.

ولو أن المرء تأمل هذا الجانب بقليل من التدقيق، لأدرك أن التوتر بين الواقعي والمتخيل، بين حقيقة مشاعر الكاتبة والخيال الذي نبعت منه شخصياتها، يمكن بسهولة أن يكون مدمراً، ما لم يخلص، على نحو ما خلصت أهداف سويف نفسها، إلى أن صعوبة البقاء مخلوقة هجينة ثقافياً هي على الدوام مسألة ابتكار، مسألة استمداد للحياة بدرجات متفاوتة من الصرامة.

وإذا أدرك المرء، مثلما فعلت أهداف سويف، أن البقاء بين ثقافتين من دون أن يتحقق له القبول الكامل في أي منهما، في نهاية المطاف، هو أمر بالغ الصعوبة، فإن الحل قد يكون في الابتسام، في هز الكتف، والإصرار على انجاز العمل الذي بدأه المرء ولم يتم بعد.

وقد كان من الطبيعي أن تحظى هذه المجموعة لأهداف سويف باهتمام العديد من النقاد الذين بادروا إلى الإعراب عن هذا الاهتمام عبر ما كتبوه في العديد من الصحف اللندنية بصفة خاصة.

وقد كان من الطبيعي أن تتصدر صحيفة «الغارديان»، التي نشرت مقالات أهداف سويف عن القضية الفلسطينية، الصحف التي اهتمت بمجموعتها هذه، حيث ذهبت إلى القول عنها إنها: غير مألوفة إلى حد كبير ومؤثرة في النفس بصورة ثرية. والمؤلفة تنسج دائرة ثلاثية حولنا بلمسة كأنما صدرت عن ساحرة ولدت متمتعة بكل قدرات الساحرات».

وتلمس مطبوعة «لندن ريفيو أوف بوكس» المتخصصة جوهر الصلة بين اهتمامات المؤلفة العامة ورصيدها الإبداعي، فتقول: «أهداف سويف محللة سياسية ومعقبة على الأحداث من أفضل الأنواع».

وتقول صحيفة «التايمز» اللندنية أيضاً في معرض التعقيب على هذه المجموعة إنها تضم: «كتابة مفعمة بالحياة وبالمرونة ووصفاً متوهجاً بالحيوية، وحواراً متسماً بالحدة». وتقول الناقدة هرميوني لي في مقال مطول لها في صحيفة «أوبزرفر» عن أهداف سويف إنها: «موهبة أصيلة وحافلة بالعطاء».

وتصفها صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية كذلك بأنها: «كاتبة ماهرة ومقنعة». وتظل هذه المجموعة بمثابة دعوة متجددة لدخول عالم أهداف سويف الإبداعي وتأمله عن قرب، ربما لأنه يمتد على وجه الدقة في تلك الأرض الصعبة بين الثقافتين العربية والانجلوسكسونية، وهي إحدى الساحات الرئيسية التي تشهد سجالات تبدأ ثم لا تنتهي حول صدام الحضارات.

ذكريات

«أتذكر وقتاً يغمره ضياء شمس هانئ مرقش بالنور والظل. تنفتح نوافذ فرنسية على حديقة مزهرة. من بوابة الحديقة إلى النوافذ المفتوحة يمتد ممشى مرصوف، ممهد، وعند قمته تنتصب عجلة ثلاثية ذات لون أزرق فاتح جاهزة لانزلاق يخطف الأنفاس ويثير الدوار حتى أسفل الممشى. وكل ما عليك القيام به هو الوصول بها إلى بداية المنحدر ورفع قدميك عن الأرض وهوو.. تنطلق بعيدا. وعليك التوقف بذكاء وإلا انتهى بك المطاف داخل غرفة المعيشة.

تضم غرفة المعيشة مقاعد وثيرة، ناصلة اللون، وسجاجيد ملونة والكثير من الكتب. الجدران مكسوة بالكتب. بعضها يضم صوراً، وبعضها يسمح لك بالتقاطها وإلقاء نظرة عليها، وبعضها يتعين عليك ألا تمسه. ويتعين التعامل معها جميعا بكثير من الاحترام وعدم تمزيقها أو طيها أو الشخبطة فيها أو وضعها على الأسطح مفتوحة أو التطلع إليها أثناء الأكل تحسباً لتساقط الطعام عليها.. وسط الكتب يجلس الكبار.

الكبار رائعون، فهم يشربون الشاي ويدخنون ويضحكون ويتجاذبون أطراف الحديث طوال الوقت. النسوة جميلات، لهن شفاه حمراء وأظافر مطلية باللون الأحمر. الرجال طوال ووسيمون، ويقومون جميعاً بأداء أمور بارعة، فهم يؤلفون الكتب ويبدعون الموسيقى ويرسمون اللوحات، ولوحاتهم تتألق على جدران الشقة».

*الكتاب:أفكر فيك

*الناشر:أنكورـ لندن 2007

*الصفحات: 192 صفحة من القطع المتوسط

I think of you

Anchor- London 2007

P.192