«الناس الصرحاء الذين لا يراؤون وهم على درجة حسنة من التربية الحضارية، تكون ردود الفعل عندهم عفوية، وسرعان ما يبدو عليهم الفرح أو الحزن، السرور أو الغم، الاهتمام أو اللامبالاة».. ذلك ما أورده الروائي والسجين الفار الفرنسي المتمرد على لسان بطل روايته الشهيرة «الفراشة». وفي قوله يختزل رؤيته للعالم والإنسان بصورة متفردة.
ويتجلى ذلك أيضا في قوله «.. أكون في الطرف مع الرجال من زمرتي الذين ارتكبوا أخطاء فاحشة، غير أن مرارة الألم خلقت فيهم صفات لا يرقى إليها كل إنسان: كالرأفة وحسن الطوية والتضحية والنبل والإقدام. وأقول بكل إخلاص: إنني أفضل أن أكون مجرما على أن أكون سجانا».
ولد هنري شاريير في 16 نوفمبر 1906 وتوفي في 29 يوليو 1973 في ضاحية أرديش الفرنسية. وحينما بلغ الثامنة عشر تطوع في البحرية الفرنسية وخدم فيها لمدة عامين، لينضم بعدها إلى العالم السفلي في باريس.
وقد اتهم بجريمة قتل أحد القوادين وأدين على الرغم من براءته، ولفقت التهمة بشاهد زور وأصدر الحكم عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة في 26 أكتوبر 1931. وبعد سجنه في كايين لفترة مؤقتة تم نقله إلى سجن مستعمرة غويانا الفرنسية.
وفي عام 1970 أشعل شاريير النار في العالم، حينما نشر روايته «الفراشة» التي تحكي تجربته الحياتية على مدى 13 عاما، ابتداء من 1932 وحتى 1945. وصور في روايته البؤس والمعاملة اللا إنسانية للنظام الفرنسي بشأن المحكوم عليهم. وقد حقق كتابه فور نشره نجاحا واسعا وبيعت ملايين النسخ وتربع على قائمة الكتب الأكثر مبيعا في مختلف الأزمنة.
اتجه شاريير إلى الكتابة مثل أي أمر آخر من دون أن يتبادر إلى ذهنه احتمال فشله في هذا الإطار. كان يكتب يوميا ما يقارب 5000 كلمة، وسرد أحداثا تعود إلى ما قبل 30 عاما بوضوح وحيوية. ووصف كتابه بأنه من الأعمال الكلاسيكية على صعيد الأدب المحكي بمعنى أنه كان يكتب كمن يروي لأحدهم قصته. وقد نشر تتمة سيرته في رواية «بانكو» التي حققت نجاحا واسعا أيضا.
ويصف في كتابه محاولات هروبه التسع، منذ وصوله السجن وحتى نيل حريته في فنزويلا بعد مضي ثلاثة عشر عاما، ويصف بدقة الآلام والعذابات التي عانى منها وصحبه في الأسر، مما يترك القارئ منقطع الأنفاس .. مبهورا أمام الشجاعة التي يملكها هذا الإنسان.
ومحاولة هروبه الأولى مع صديقيه ماتوريت وكلوزيو، كانت من مستشفى سجن الميناء. ومن خلال مؤامرتهم تمكنوا من الفرار إلى الأدغال والوصول إلى جزيرة المجذومين حيث تم الترحيب بهم وتقديم المساعدة من خلال حصولهم على قارب متين ومؤونة لمتابعة رحلتهم.
وبعد إبحارهم الحافل بالمخاطر وصلوا إلى جزيرة ترينيداد وهي مستعمرة انجليزية، ولاقوا فيها التقدير والحفاوة ليغادروا مجددا برفقة ثلاثة مساجين. وللأسف يتم القبض عليهم من قبل سلطات شواطئ كولومبيا ليودعوا في السجن بعد سلبهم مقتنيات رحلتهم.
وفي حين يستسلم الخمسة للواقع، يصر بابيون بطل الرواية على الهرب مجددا بمفرده وبمساعدة أحد المحكومين الكولومبيين. يحظى بابيون بحريته ويقيم في كنف قبيلة كوجيرا الهندية التي تعتبره فردا منها. إلا أنه سرعان ما يحن للعودة إلى فرنسا لعائلته وتصفية حسابه مع المدعي العام الذي لفق له التهمة ويغادر قبل مضي عام.
وبسبب الوشاية يتم القبض عليه وهو مختبئ في دير للراهبات. وبعد أربع محاولات هرب فاشلة يعود إلى مستعمرة غويانا ليقضي عقوبة السجن الانفرادي لمدة عامين مع كل من صديقيه ماتوريت وكلوزيه. وهنا يواجهوا عذابا يفوق الوصف، حيث يحتجز كل منهم في رقعة سوداء مع الصمت الإجباري وطعام فقير يودي بالسجين إلى موت محقق قبل مضي العام. لذا دعي هذا السجن باسم «آكل الرجال» وكان عارا كبيرا على السلطة الفرنسية.
وبمساعدة الأصدقاء في غويانا كان كل منهم يحصل سرا على قطعة من جوز الهند يوميا مع عدد من السجائر على مدى 18 شهرا مما ساهم في الحفاظ على حيوية أعضاء جسدهم. وتمكن بابيون من الاحتفاظ بسلامة عقله من خلال ابتكار عالم وهمي مواز لعالمه وكان يمضي فيه ساعات طويلة كل يوم.
ومع انتهاء الحكم عادوا إلى الجزيرة والأصدقاء، ليعاود بابيون دراسة خطط فراره على الرغم من استحالة الهرب من تلك الجزر إما بسبب صعوبة جغرافيتها أو التزامه بعهد قطعه لمراقب الجزيرة مقابل حسن معاملته.
وأخيرا وبعد محاولات فاشلة بسبب الوشاية أيضا، يعود إلى السجن الانفرادي لتكون مدة العقوبة 8 سنوات، وإن ساعدت ظروف تخفيف صرامة النظام في احتماله للسجن. وبعد مضي 18 شهرا يحصل على فرصته الذهبية حينما يرمي بنفسه في البحر الحافل بأسماك القرش لإنقاذ ابنة المراقب التي وقعت في اليم. هذه البطولة ساهمت في إعفائه من عقوبة السجن الفردي ليعود مرة أخرى إلى الجزيرة.
ولدى انتقاله إلى جزيرة الشيطان مدعيا الجنون، يفكر مجددا في الهرب الأشبه بالمستحيل بسبب هيجان البحر العنيف الذي تصفع أمواجه صخورها المرتفعة. وهناك كان يمضي أيامه في الجلوس على مقعد دروفوس الصخري الذي حكم عليه بالنفي إلى تلك الجزيرة بسبب إدانته بالخيانة قبل تبرئته بمساعدة إميل زولا.
ومع مضي الأيام بدأ بدراسة حركة الأمواج مع المد والجزر، وبمساعدة صديقه الصيني شانغ وإقناعه للإيطالي سيلفان بالفرار معه، يرمي الاثنان نفسيهما في البحر مع ارتداد الموجة السابعة وهما متشبثان بطوف صنعاه من كيسين مليئين بجوز الهند. وهكذا حملتهما الأمواج إلى عرض البحر وبعد مضي 40 ساعة وصلا إلى الأرض الكبرى وبالتحديد جزيرة كورو حيث يتواجد معسكران، أحدهما للزنوج والآخر للصينيين.
يفارق سيلفان الحياة قبل بلوغهما اليابسة، لتسرعه في النزول إلى شاطئ الرمال المتحركة راميا بالتحذيرات المسبقة بضرورة انتظار المد. وبمساعدة كويك كويك شقيق شانغ يصل بابيون بصحبته وصحبة فار آخر إلى فنزويلا. وبعد قضائهم ما يقارب العامين في السجن المفتوح، يطلق سراحهم ويحصل بابيون أخيرا على حريته ويصبح مواطنا نزيها وحرا كما كان يحلم دائما وأبدا.

