مؤلفة هذا الكتاب هي «كارين بريمون» الأستاذة الجامعية في العلوم السياسية أو الباحثة في الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية في جامعة مونتريال ـ كندا، والتي ألفت عديدا من الكتب المعروفة: «التلفزيون الذي يكرّس ويهدّم مرشحاً انتخابياً»، «دور وسائل الإعلام والرأي العام»، «تمويل الحملات الانتخابية»، «الانتخابات الرئاسية ودور الولايات المتحدة الأميركية في العالم»، «تأثير وسائل الإعلام على التصويت الأميركي».
في الوقت الذي أصبح فيه الجمهور يرى الحرب على شاشة التلفزيون مباشرة، وفي حين أن هذه الوسيلة الإعلامية أصبحت تملك حضورا دائما يوميا في حياة الجميع، فإن عديدا من المراقبين والباحثين يستنكرون السلطة التي يمارسها التلفزيون على الرأي العام.
ويصل البعض إلى القول ان التلفزيون هو الذي يُملي الأولويات السياسية على الحاكمين ويقوم بتوجيه آراء الجمهور وأحكامه طبقا للاعتبارات التي تريدها المؤسسات التلفزية بالذات. هل هذا يعني أن التلفزيون يقود العالم؟ إنه السؤال الذي تجيب عنه الكاتبة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية تحديداً.
لقد أدركت الإدارات الأميركية المختلفة قبل غيرها مدى قوة التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام، وبوجه خاص التلفزيون على مشاعر الناس وعلى آرائهم، وتحوله من «سلطة رابعة» إلى «عضو سادس دائم في مجلس الأمن» حسب تصريح «مادلين أولبرايت» أثناء قيامها بمنصب سفيرة الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة،
ولهذا لجأ المسؤولون إلى العمل على وضع اليد على التلفزيون وفرض رقابة ذاتية على الصحافيين حسب متطلبات السياسة الخارجية الأميركية. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قامت علاقة من المجاملة والتعاون بين الحكومات الأميركية المتعاقبة والمؤسسات الإعلامية
وسواء «كان الصحافيون نقديين أم متعاونين مع الحكومة، فلقد عرفوا تكييف خطابهم الإعلامي حسب التكنولوجيات الجديدة، وحسب الادارة الأميركية القائمة وحسب الظروف القومية الأميركية والدولية العالمية. ومن جهة ثانية فإن الحكومة الأميركية قد عرفت هي أيضا تكييف استراتيجياتها السياسية بغية الحصول على دعم الإعلام لها وبالتالي على دعم الرأي العام الأميركي».
لقد كان محور السياسة الخارجية الأميركية قائما حسبما تشير الكاتبة على القول بوجود عدو وتهديد للولايات المتحدة الأميركية، ولذا كان الإعلام يساند عبر تغطياته الموجهة التدخّلات العسكرية الأميركية في العالم، وكان الرأي العام الأميركي يدعم بدوره هذه التدخلات.
ومع زوال العدو والتهديد بسبب نهاية الحرب الباردة، «فإننا منذ فترة قريبة، أي مع أحداث 11 سبتمبر 2001، أمام عودة للسياسة الخارجية الأميركية المتمحورة على وجود عدو» وتهديد خارجي.
والأمر لا يتعلق بالإرهاب وحده، وإنما يشمل أيضا «البلدان العدوة التي تملك السلاح النووي»، و«البلدان التي تحوز على أسلحة الدمار الشامل»، و«النزاع بين إسرائيل والبلدان العربية»، و«بروز الصين كقوة دولية»، و«الهجرة» إلى الولايات المتحدة الأميركية.
إلا أن وضعية جديدة قد برزت مع ظهور «سي ان ان» وقيام حرب الخليج الأولى بوجه خاص، الوضعية التي أنتجت خللا واضحا في تأثير السياسيين الأميركيين على وسائل الإعلام، وفي قدرتهم على السيطرة الكلية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
مذ ذاك تم الحديث عن «مفعول سي ان ان» أي قدرة التلفزيون على التأثير على السياسة الخارجية الأميركية عبر بث الصور الحساسة والمريعة على الجمهور الأميركي. وكأمثلة على ذلك، التحقيقات الصحافية المتلفزة حول المجاعة في اثيوبيا، والتي أجبرت الحكومات الغربية على إرسال مساعدات إنسانية لهذه البلاد.
والصور المتلفزة لجثث الجنود الأميركيين المجرورة في شوارع «موقاديشيو»، والتي أجبرت الرئيس كلينتون على سحب القوات الأميركية من الصومال. والفضيحة التي بُثت صورها فيما بتعلق بسجن «ابوغريب» حيث شهد العالم معاملة الجنود الأميركيين اللاإنسانية بل والبربرية للأسرى العراقيين، الأمر الذي أدى إلى إكراه الإدارة الأميركية على فتح ملف للتحقيق في هذه ألفضيحة ومعاقبة مسؤوليها.
إلا أن مقولة مفعول «سي ان ان» أي امتلاك التلفزيون سلطة القرار أو سلطة التأثير على السياسة الخارجية الأميركية باستمرار يقود إلى نتائج ليست قائمة على الأرض. ذلك أن عددا من الاختصاصيين وكثيرا من الدراسات تشير إلى محدودية هذه السلطة.
ومن وجهة نظر الكاتبة فإن الأمر لا يتعلق في أن التلفزيون ليس أكثر من صدى لسياسة النخب المسيطرة الأميركية وتلاعبها بالرأي العام. كما أنه لا يتعلق بقيام التلفزيون بدور لاعب أساسي حاسم في هذه السياسة وفي صنع الرأي العام أيضا. فإذا كان صحيحا أن التلفزيون من شأنه أن يخربط أوراق اللعبة السياسية الخارجية، وأن ينقد قرارات الحكومة في التدخلات العسكرية،
أو أن يطرح على جدول اهتمامات البيت الأبيض أولويات إستراتيجية لا يريدها. وإذا كان صحيحا القول بوجود «ديبلوماسية تلفزيونية» كما تم ذلك من قبل الصحافي «والتر كرونكت» في محطة «سي بي اس» بقيامه بدور الوسيط في الزيارة التي قام بها أنور السادات لإسرائيل عام 1977.
إذا كان هذا كله لا يحتاج إلى نقاش، فإن التلفزيون لا يمكنه أن يلعب الأدوار تلك إلا بارتباطها بمسائل متعددة على رأسها: وجود «فراغ سياسي» أي التردد الذي يرافق قرار التدخل الخارجي، أو عدم التمتع بهذا القرار ب«شرعية دولية»،
أو «تصدع توافق النخب» وبروز معارضة في المؤسسات التمثيلية للشعب الأميركي، أو «الارتفاع في عدد القتلى »من الجنود الأميركيين في ساحة المعركة، أو «تضاؤل حظوظ الانتصار» أو تشكل قلة احتجاجية متعاظمة في الرأي العام، أو «استعداد الأطراف المتصارعة» لوضع حد للنزاع فيما بينها دبلوماسيا.
علاوة على ذلك هناك عوامل أخرى تحد من سلطة انتشار تأثير التلفزيون. فخارج الأزمات الحادة الدولية، فإن عدم التفات المواطن ووسائل الإعلام الأميركية إلى الشؤون الخارجية إنما يعود إلى طبيعة النظام التعليمي والثقافة السياسية السائدة التي لا تسمح للأميركيين بامتلاك معرفة كافية عن الشعوب الأخرى، والتي تتوجه نحو ما هو «وقائعي» و«براغماتي» و«إخباري».
وإذا كان صحيحا أنه لا بد من التمييز بين سلطة التلفزيون كمؤسسة «إعلامية-تجارية» وبين الصحافيين ك«مهنبين-مسلكيين»، فإن بحث السلطة الأولى عن الأرباح، واستهداف زيادة عود النظارة لديها، واستجلاب الإعلانات التجارية، وتقليل نفقات تغطية الأخبار الدولية،
إنما جرّ إلى ظواهر متعددة: اعتبار الأخبار سلطة ذات مردود، أو استبدالها بالأنباء، أو سيادة برامج مشاهد التسلية والترفيه، وإغلاق العديد من مكاتب المراسلين الصحافيين في الخارج، وانتشار «ثقافة التسريب»، أي قيام الحكومة بتنظيم إعطاء الأخبار والمعلومات التي تراها إلى الصحافيين من أجل نشرها وبما يدعم سياستها، دون أن يقوم الصحافيون أنفسهم بالتدقيق فيها أو تمحيصها عليها.
وإذا كانت هذه الثقافة قد بدأت منذ عهد «ريغان» فإن انتشارها أسفر عن فقدان الصحافيين لمصداقيتهم في أعين الرأي العام. تكفي الإشارة إلى أن 55 بالمئة من الأميركيين لا يعطون الثقة لعمل الصحافيين لماذا؟ «لأن الجمهور الأميركي مقتنع أن وسائل الإعلام هي بوجه عام مسيسة ومتحزبة» لصالح النخب الاقتصادية-السياسية-الاتصالية المسيطرة.
وتخلص الكاتبة إلى القول ان التضخيم بسلطة التلفزيون إنما أنتج أسطورة حول هذه السلطة، الأسطورة التي دفع باتجاهها الانحسار التدريجي لتأثير الصحافة والمذياع منذ أواخر الستينات، وتحول التلفزيون إلى مصدر رئيسي للأخبار بالنسبة لأوسع الجمهور الأميركي، ونقل صور المعارك العسكرية وبعض الفضائح التي تجري داخلها إلى الرأي العام.
لذلك لا بد من القول ان «التلفزيون يراقب ويؤول العالم أكثر من أن يقوده»، وأن تحقيق دور فاعل يتطلب تغليب صحة الأخبار وشفافية مصادرها على المشهد التلفزي والتسريب الرسمي، والانفتاح الحقيقي للحكومة الأميركية على أشكال التعبير عن الإرادة الجماعية والرأي العام، والحد من سلطة الشركات المسيطرة على الوسائل الإعلامية، وصيانة حرية ومصداقية الصحافيين.
*الكتاب:هل يقود التلفزيون العالم؟
*الناشر: مطبوعات جامعة كيبيك - كندا 2006
*الصفحات: 232 صفحة من القطع المتوسط
La télévision mène-t-elle le monde
Presses Universitaires du Québec Canada 2006
p.232
