ساهم كريستوفر كلافام، المشرف على إنجاز هذا الكتاب في العديد من المؤلفات الخاصة بالقارة الإفريقية السوداء ومن بينها «إفريقيا والمنظومة الدولية: سياسة المحافظة على الدولة» و«الفدرالية الاثنية: التجربة الاثيوبية» و«حروب عصابات إفريقية» و«السياسة في العالم الثالث» و«ليبيريا وسيراليون»، الخ.
الفكرة الرئيسية التي يتم تطويرها في هذا الكتاب تتمثل في القول أن «الدول الإفريقية الكبرى»، المقصود بذلك الكبرى من حيث المساحة والسكان ليست هي «الأفضل». وليس لها حظوظ أكبر في تحقيق درجة أعلى وأكمل على صعيد التنمية.
الدول الإفريقية ذات المساحة الكبيرة، وبالتالي «الدول الكبرى الإفريقية المعنية» تضم كلا من انغولا والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية واثيوبيا ونيجيريا وجمهورية جنوب إفريقيا. هذه الدول تحظى كلها بدراسة تفصيلية دقيقة في الكتاب يقوم بها أحد الأخصائيين «المعترف بهم».
وتبيّن الدراسات المقدّمة أن الدول الخمس الأولى المذكورة سابقا تعاني كلها، على هذه الدرجة أو تلك، من نقاط ضعف حقيقية تعيق مسيرتها التنموية وحيث يبدو بوضوح أن هناك قواسم مشتركة بينها، فيما يخص الأسباب التي تدفعها نحو «الأسفل» بينما يتناقض الوضع الذي تعرفه الدولة السادسة، أي جمهورية جنوب إفريقيا، مع الشروحات المقدمة حيال الدول الأولى.
النتيجة الأساسية التي يتم الخروج بها تتمثل في القول إن الأسباب الحقيقية لإعاقة التنمية لا تكمن أبدا في المعطيات التي تتميز به البلدان المعنية وإنما بالأحرى في واقع «سوء التسيير» الذي تعاني منه بسبب طبيعة الأنظمة القائمة فيها وضعف بناها المجتمعية بشكل عام.
وتحلل بعض الفصول الأخرى من الكتاب دور العوامل الخارجية في إعاقة التنمية في البلدان الإفريقية، أو على الأقل عدم المساعدة فعليا في هذه التنمية. ويتم في هذا السياق تقديم العديد من الإحصائيات والشروحات التي تبيّن فداحة عملية السلب متعدد الأشكال، للقارة الإفريقية السوداء، من قبل القوى الاستعمارية أولا، ولكن أيضا من قبل السلطات الإفريقية نفسها.
ثم إن «الفساد» عام تقريبا في مختلف بلدان القارة إلى جانب الجريمة المنظّمة وجميع أشكال التجارات غير المشروعة. ويضاف إلى هذا كله المسألة العويصة المتمثلة في مشكلة الحدود «المصطنعة» في أغلب الأحيان، والتي كانت وراء قيام العديد من النزاعات. هذه النزاعات بلغ عددها، كما تتم الإشارة العشرات.
ويقيم المساهمون في هذا الكتاب العديد من المقارنات بين واقع الدولة في أوروبا- أي الدولة لدى القوى الاستعمارية السابقة- وبين واقعها في القارة الإفريقية. ففي الحالة الأولى الأوروبية، تتسم الدولة بالقوة حيث تقوم غالبا على أساس الانتماءات القومية، هذا فضلا عن أن وراءها عدة قرون من التاريخ.
أما الدول الإفريقية فهي في أغلبيتها الساحقة دول «ضعيفة واصطناعية»، إذ كانت القوى الاستعمارية قد حرصت على أن تترك وراءها سلطات «متعاونة» معها، حفاظا على مصالحها بالطبع. والسمة الأساسية للدول الإفريقية، كما يتم تقديمها، هي أنها لا تمتلك أوضاعا داخلية منسجمة ومتلاحمة تسمح لها ببناء خطط تنموية على المدى الطويل.
إن مسألة الدولة الضعيفة هذه هي سمة مشتركة لأغلبية الدول الإفريقية الكبيرة والصغيرة. ذلك أن الدول الإفريقية لم يتم ترسيمها وتعيين حدودها بالاعتماد على إرادة التعبير عن «هوية» مجموعة الأشخاص التي يقطنونها، مثلما هو الحال في القارة الأوروبية مثلا.
وإنما جرى رسم الحدود أولا في إفريقيا ثم «أقيمت» الدول بداخلها بغض النظر عن تجانس أو تنافر المجموعات السكانية التي ستمثلها تلك الدول. وعدد «الهويات» التي يتم التعبير عنها، وأيضا دون أن يؤخذ بالاعتبار واقع التوتر والصدامات التي قد تلي لاحقا. ومثل رواندة كان بليغا في هذا الخصوص إذ أدّت الصدامات الاتنية في صيف عام 1994 إلى سقوط حوالي مليون قتيل من قبيلتي التوتسي والهوتو.
وإذا كان هناك من يؤكد في التحليلات المقدّمة أن بعض «الهويات» في بلدان إفريقية مثل اثيوبيا وليبيريا قد بدت ملامحها منذ نهايات القرن التاسع عشر. فإنه يتم التأكيد بنفس الوقت أن تلك «الهويات»، رغم بعدها التاريخي، لم تلعب في الواقع دور عامل استقرار عندما قامت الدول «الخاضعة» لها.
وقد أعيد سبب ذلك إلى أن الصيغة التي تمّ رسم حدودها بها لم تراعِ في الواقع التعبيرات الحقيقية لتلك الهوية وإنما خضعت في قيامها لـ «التقسيم الاستعماري» ولم يكن «الاستقلال» الذي حصلت عليه الدول الإفريقية بعد زوال الاستعمار فعليا. ذلك أن هذه الدول لم تمتلك «صمام الأمان» الذي يمثله وجود حدود تعكس واقع الشعوب وتطلعاتها.
السؤال الكبير الذي يمكن طرحه من خلال التحليلات التي يقدمها المساهمون في هذا الكتاب، والذين يرسمون عامة صورة قاتمة لمستقبل هذه القارة التي لا تعاني من نقص التنمية فحسب، وإنما تعاني من أخطار مهددة ليس أقلها انتشار مرض نقل المناعة المكتسب «الايدز» الذي سيكون، حسب الإحصائيات المقدّمة، السبب الأول في الوفيات بالقارة.
هذا فضلا عن أنه يهدد عشرات الملايين من أبنائها الذين يحملون «فيروس» المرض القاتل مع غياب أية ثقافة «وقائية» وغياب أية إمكانيات علاجية تتناسب مع حجم انتشار المرض، هو، أي السؤال، هل يمكن للدول الإفريقية أن تحافظ على بقائها؟. الإجابات المقدّمة تتراوح بين السلب والإيجاب.
المتفائلون يرون أن حوالي أربعة عقود من وجود الدول «المستقلة» وستة قرون قبلها من الحقب الاستعمارية التي مارستها هذه القوة الأوروبية أو تلك في القارة، اكتسبت دولا إفريقية كثيرة، بل أغلبية الدول كما يرى البعض، نوعا من «الهوية» المشتركة والوعي «المشترك» على قاعدة «اقتسام نفس التجربة الحياتية من مجموع السكان المعنيين بها.
هذا ما ينطبق إلى هذه الدرجة أو تلك على دولة «مصطنعة» إلى حد كبير مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية. ويتم التأكيد أن الكونغوليين قد اكتسبوا على الأقل نوعا من «الحس المشترك» بالانتماء إلى هوية كونغولية ومما ترتب عليه درجة من «الالتزام» بالمحافظة على «الكيان السياسي الموحد» الذي يعيشون بداخله.
إن هذا الكتاب يشكل في عمقه «وثيقة اتهام» ضد مختلف أشكال العنف ومساوئ الإدارة التي تعاني منها القارة الإفريقية السوداء. ولا يتم الاكتفاء بتردد العديد من الأفكار الجاهزة والنظريات المطروحة المتكررة حول «انسداد» الأوضاع في إفريقيا وإنما يتم التأكيد على وجود عدد من «المحظورات» التي منعت حتى الآن الدخول في نقاشات جديّة من أجل الوصول إلى حلول «بديلة» عن تلك التي أثبتت عقمها فيما يخص فترة ما بعد الاستعمار في إفريقيا.
ويتم تشبيه الخطاب المتكرر حيال إفريقيا والتأكيد على غياب أية حلول في الأفق بما كان سائدا في بلدان الكتلة الاشتراكية بأوروبا الشرقية والوسطى حتى مطلع عقد الثمانينات الماضي وحيث كان أي محلل «يخاطر» بالقول إن «الاتحاد السوفييتي سوف يزول قريبا» إنما يتم اتهامه بدون تردد بـ «الجنون» أو على الأقل بـ «الهذيان».
هنا يتم طرح السؤال التالي: هل هناك ما يسمح في إفريقيا بقيام نظام سياسي إفريقي جديد؟ ما يلفت المساهمون في هذا الكتاب الانتباه إليه هو أنه لا يمكن تطبيق نفس المعايير في أوروبا وفي العديد من مناطق العالم الأخرى على القارة الإفريقية ذات الخصوصيات المترتبة على مسيرتها التاريخية.
ثم إن الدول القائمة، رغم هشاشة بناها، تمثل على الأقل قاعدة من أجل الانطلاق بـ «مشروع سياسي» إفريقي. كما يتم التأكيد على دور «الانتماء الاتني» من أجل فهم الهويات السياسية. هذا مع الإشارة إلى أن وجود هوية اثنية مشتركة لا يشكل وحده الشرط الكافي لقيام دولة تتمتع بالفعالية.
المثال الذي يتم تقديمه هو الصومال التي تتمتع بدرجة عالية من الانسجام الاثني، لكنها عادت باستمرار من غياب الدولة المركزية القومية. الهوية الاثنية يمكنها إذن أن تكون عاملا مساعدا في الوصول إلى «مواقف مشتركة» حيال مسائل السلطة السياسية وقيادتها.
لذلك يتم التأكيد أولا على إقامة دول قوية، إذ أن «غياب أو ضعف الدول القابلة للحياة والفاعلة كان وراء نشوب حالات من العنف الكبير في بلدان إفريقية مثل ليبيريا ورواندا والصومال» التي شهدت موجات مخيفة من الحروب الأهلية المدمّرة. كذلك تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الحركات السياسية والإفريقية المعارضة قد اعتمدت كثيرا، مثل الدول إلى درجة كبيرة، على مفهوم الانتماء القبلي والاثني.
في المحصلة، يؤكد المساهمون في هذا الكتاب على أن الدول الإفريقية كلها، الكبيرة منها والصغيرة، تتشابه في بناها الاجتماعية الأساسية وبما تركه لها الإرث الاستعماري، وبما تعاني منه من حالات الفساد وغياب وجود مجتمعات مدنية مؤثرة وبما تعاني منه أيضا من سلب ثرواتها سابقا وحاليا.
كذلك يتم التركيز كثيرا على مدى هشاشة حدود الدول الإفريقية وأنها قبل كل شيء حدود «مصطنعة» وتشكل بالتالي عاملا مستمرا في نشوب النزاعات. التشخيص واضح لكن الأفكار المقدمة لـ «العلاج» تحتاج إلى من يطبقها، وهنا يكمن لب المشكلة «المزمنة» التي تعاني منها القارة الإفريقية السوداء.
*الكتاب:دول إفريقية كبرى
*الناشر:جامعة ويتس - جنوب إفريقيا2006
*الصفحات : 308 صفحات من القطع المتوسط
Big african states
Wits University Press South Africa 2007
p.308

