على امتداد 210 صفحات تتوالى قصص هذه المجموعة، التي تلفت نظر القراء إلى جانب قد لا يكون معروفاً لدى الكثير من القراء من جوانب عطاء رائد ترجمة الأدب العربي دنيس جونسون ديفز، وهو جانب النتاج الإبداعي لديه، الذي يتميز بالوفرة والغزارة، وإن لم يكن مشهوراً مثل ترجماته التي تجاوزت الثلاثين كتاباً حتى الآن.
فيما يعكف دنيس جونسون ديفز على الانتهاء من مجموعة قصصه الثانية، ويستعد لدفعها إلى الناشر، يتوقف الكثيرون عند مجموعته الأولى هذه التي لا يمكن إلا أن تكون عملاً مدهشاً وغير مألوف من منظور القارئ الغربي.
ويستمد الشعور بالدهشة حيال قصص المجموعة الخمس عشرة، في أحد جوانبه، من أنها في معظمها تستلهم أجواء مناطق شتى من العالم العربي. يتراوح نطاق هذه القصص من فقدان براءة الطفولة إلى الخيانة مروراً بالطمع وميدان المعركة بين الجنسين وليس انتهاء ببسالة الشيخوخة.
وتدور الأحداث في مشاهد شديدة التباين من أودية الصحراء في شبه الجزيرة العربية إلى قرية سودانية صغيرة ومن ثم شوارع القاهرة المزدحمة، انتقالاً إلى أجواء بيروت الكابوسية خلال مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية.
وعبر الانتقال من قصة إلى أخرى، يبرز للقارئ على نحو لا مجال للشك فيه مدى المعرفة الحميمة بالعالم العربي التي تملك المؤلف ناصيتها، حيث يبدو من خلال النسيج الفريد لقصصه دفق موهبته في إبداع القصة القصيرة ونثره الذي تجرد من كل العناصر التي تقترب بأي شكل من الثقل أو الترهل أو التزيد أو التزين، بينما يتألق النثر الذي كتبت به هذه القصص متوهجاً بالحيوية والقوة.
لا عجب إذن أن يبدي الروائي والناقد البارز فرانسيس كينج في مقال له في مجلة «ليتراري ريفيو» المتخصصة تقديره الكبير لقصص دنيس جونسون ديفز والموهبة التي تعكسها. ومن شأن نظرة عاجلة على قصص المجموعة أن توضح لنا مدى عمق موهبة الكاتب وتملكه لناصية القصة القصيرة كقالب إبداعي شديد الحيوية والتأثير والقدرة على التواصل ومد الجسور مع القارئ.
في قصة «موسم الصيد المفتوح في بيروت» التي منحت المجموعة عنوانها سندرك سريعاً جوهر هذا التعبير المرتبط بثقافة مجتمعات الصيد «الموسم المفتوح»، أي ذلك الوقت من العام الذي يسمح فيه بالصيد من دون قيود ولا ضوابط.
هذا هو، على وجه الدقة، ما سنجد أنفسنا حياله في هذه القصة حيث نلتقي بتيري ورال، مخرج فيلم وثائقي عن الحرب الأهلية اللبنانية، والذي يعقد ما يمكن أن نسميه بصفقة فاوست، والتي يدفع بمقتضاها مبلغاً بالدولارات الأميركية لفتاة تطلق على نفسها اسم جوي، مقابل إتاحة الفرصة أمامه لتصوير مجموعة متتابعة من اللقطات لأحد الأشخاص وهو يلقى حتفه برصاص قناصة، هي هذه الفتاة نفسها، جوي، لا غيرها.
الصفقة تبرم من خلال وسيط يدعى نبيل، وبدم بارد وبلا انفعال ومن دون أي اكتراث بهوية الشخص الذي سيجري قتله وتصويره، ويحرص تيري ورال على اشتراط تفاصيل فنية في مجموعة اللقطات التي ستتاح له وأن تكون من بينها لقطات ما قبل القتل وما بعده على حد تعبيره.
لسوف تتابع، كأنما من خلال عدسة ورال أو من خلال منظار جوي، الضحية العجوز الذي يخرج من بناية مقابلة، ويمضي ملتصقاً بالحائط، كأنما يتوقع الموت المجاني الذي سيكون مصيره، ويسير منحنياً ربما تحت ثقل كيس يحمله أو بفعل حذائه البالي، وهو يبدو من المرصد الذي سينصب الموت عليه منه مجرد جسم يمضي مثقلاً بما يحمله، مجرداً من الملامح والهوية، والطلقة الأولى التي تطلقها عليه جوي تصيب حمله الثقيل فتلقيه أرضاً،
ولكنه ينهض ويشرع في العدو نحو الأمان المتمثل في باب مفتوح غير بعيد عنه، ولكن الطلقة الثانية تصيبه في أعلى كتفه، فيشخب الدم عبر أصابعه، ويبدو التعبير المرتسم على وجهه مزيجاً من الدهشة والألم، على الرغم من أن يده الثانية تمتد إلى حمله الثقيل، وبعد أن يقرر التخلي عنه يبدأ في الزحف على أربع على امتداد الرصيف، في محاولة مذعورة لقطع الأمتار القليلة التي تفصله عن الأمان.
وعندما يصل إلى الباب الذي سيقيه الموت نطلق، بتعليمات من وراء الرصاصة التي ستنثر دماغه نثاراً دموياً على الجدار الأبيض المقابل له، فيما جثته تنهار على الرصيف، بينما تواصل الكاميرا أزيزها كأنما تلتهم صمت الموت الذي هيمن على المشهد.
تنهيدة الارتياح الصادرة عن المخرج الذي ظفر بسلسلة اللقطات التي اشتراها لن تكون هي الستار الذي يسدل على نهاية القصة، فبينما يستعد للرحيل تصافح رقبته الطلقة التي أطلقتها جوي عليه من بندقية القنص نفسها، فارتمى على ظهره محدقاً فيها بنظرة مفعمة بعدم التصديق، وهو ينتظر الطلقة التالية.
تتوالى قصص المجموعة، على هذا النحو حافلة بعناصر المفاجأة وبالقدرة على استقطاب القارئ وبالقدرة على الإدهاش، لكنها جميعها تعكس موهبة القاص وقدرته على تقديم أعمال حافلة بالأحداث والمواقف عبر نثر رشيق مجرد من عناصر التزيد أو التزين. ربما لهذا، على وجه الدقة، ينتظر القراء من الآن مجموعته المقبلة، التي تأخرت طويلاً بفعل انشغال دنيس جونسون ديفز بترجماته للأدب العربي التي تقدر حتى الآن بثلاثين مجلداً.
كات
«استيقظ على الإحساس بثقل القطة على ساقيه المضمومتين إلى جسمه. كانت رأسه مثقلة بنوم الشيخوخة، وكما كان يفعل كل يوم، حدَّث نفسه بأنه لابد من إطعام القطة. نهض، وتلمس بقدميه خفيه. انزلقت كات، التي كانت تعرف أن رفيقها سيحتجب بعض الوقت في الحمّام قبل أن يطل لجلب الإفطار، خارجة من نافذة غرفة النوم نصف المفتوحة، ونزلت الدرج المُفضي إلى الشرفة. وهناك التفت حول نفسها، ومضت لتغفو على الحصير بتموجاته المستطيلة المتخذة من سعف النخيل الذي يكسو السقف.
أعد العجوز إفطاريهما، حليباً دافئاً غمست فيه قطع من الخبز لكات، وأكواباً عدة من الشاي الخفيف ورغيفاً من الخبز المحلي المحمص على الشبكة الحديدية فوق الموقد الغازي له، مع جبن أبيض وعسل. وعندما أتت كات على الحليب أطعمها بعض الجبن الأبيض».
*الكتاب: موسم الصيد المفتوح في بيروت
*الناشر: اليربوع للكتب ـ دبي2007
*الصفحات: 210 صفحات من القطع المتوسط
Open Season In Beirut and Other Stories
Jerboa Books, Dubai, 2007
P. 012
