مؤلف هذا الكتاب هو د.أحمد عبد اللطيف شيحة، حاصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من كلية الهندسة جامعة القاهرة، ونال درجة الدكتوراه من جامعة كندي وسترن الأميركية في إدارة الأعمال «الخصخصة» وهو عضو جمعية رجال الأعمال المصريين، ورئيس مجلس الأعمال المصري الروسي، ومؤسس وعضو مجلس إدارة جمعية الصداقة المصرية الكويتية.
وعن اختيار هذا الاسم (بين العصرين) يقول المؤلف، كان اختيار هذا العنوان لأكثر من سبب أهمها أنني وجدت أن هذين العصرين يعدان من أهم العصور التي تميزت بأحداث جمة تعد من أهم الأحداث في تاريخ مصر المعاصر، ولذلك تناولت في هذا الكتاب عصري عبد الناصر والسادات فقط، وفي نفس الوقت أحسست بأنني أحمل وعياً يمكنني من رصد وتحليل هذين العصرين من منظور منطقي وواقعي ومحايد.
أما عن عدم الخوض فيما شاهدت وعايشت خلال مرحلة حكم الرئيس مبارك فإنها لم تعترضني أي حساسية للتأمل في هذه المرحلة المهمة في تاريخ مصر المعاصر والتي شهدت الكثير من المتغيرات المهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فهناك الكثير والكثير مما يمكن رصده وتحليله حيث إن تجربتي كرجل أعمال جعلتني قريباً من دوائر صنع القرار، كما شاركت في مناقشة ودراسة معظم المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الوطن من خلال عضويتي بلجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالحزب الوطني الديمقراطي، ولكني فضلت أن تحفل هذه المرحلة بمؤلف خاص.
وعن العصر الأول يحادثنا المؤلف قائلاً: إن تلك الحقيقة السياسية والتي تمثلت في عمر الثورة بدءا من عام 1952 وحتى وفاة الرئيس عبد الناصر سنة 1970، تعد من أهم الفقرات السياسية في تاريخ مصر الحديث لأنها تمثل تغييراً جذرياً في نمط الحياة وفي أسلوب الحكم التي اعتادته لعشرات العقود وبما احتوت عليه من ايجابيات وسلبيات.
ولكن قبل الخوض في سرد هذه الحقبة، أشهد أن نظام الثورة لم يسبب لأسرتي أي شيء مباشر فلم يؤمم لها صرحاً ولا أصابها جانب من أذي، بل إن رب الأسرة المرحوم عبد اللطيف شيحة كان قد تقلد مناصب رفيعة منذ قيام الثورة وحتى نهاية حياته العملية فقد استدعي بعد قيام الثورة مباشرة من كلية التجارة والتي كان يعمل فيها أستاذاً مساعداً للمحاسبة ليكون مستشاراً مالياً لهيئة التحرير التي أنشئت فور قيام الثورة، وكان من أشد المؤيدين لتلك الثورة.
ومن سمات ذلك العصر أيضاً أن كان الحاكم مفتوناً بنفسه وهمه الأول واهتمامه أن يصبح زعيماً إقليمياً نبدأ بمشروعه الذي داعب فكره وهو دعم القومية العربية بتحقيق الوحدة بين الدول العربية لخلق كيان عربي قوي حتى اتفقت مصر مع سوريا على أن تكونا نواة لإقامة تلك الوحدة العربية واصطلحا على قيام وحدة فيما بينهما .
فقامت الجمهورية العربية المتحدة حيث تنازل الرئيس شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية آنذاك عن الحكم إلى عبد الناصر الذي أصبح رئيساً للجمهورية العربية المتحدة، وكان الهدف الاستراتيجي لتلك الوحدة هو محاصرة إسرائيل بنظام الكماشة شمالاً وجنوباً. ولكن لم تدم الوحدة بين القطرين، فحدث الانفصال نتيجة عدم الدراية الكاملة للقيادة السياسية لفكر السوريين وعدم استيعاب ما يحبون وما يكرهون.
ويشير المؤلف إلى التقارب الشديد بين الرئيس عبد الناصر والاتحاد السوفييتي بغرض تمويل وبناء السد العالي بعد رفض البنك الدولي تمويل المشروع خلال الخمسينات، وهو من العوامل الرئيسية التي أدت إلى ميل الحاكم إلى اعتناق سياسة الحكم الشمولي وتعديل نظام الدولة السياسي والاقتصادي إلى نظام اشتراكي مغلق دون دراسة.
ولكن الأمانة تستدعي أن أذكر هنا للرئيس عبد الناصر أنه اعتمد اعتماداً كلياً على الاتحاد السوفييتي في بناء قاعدة صناعية كبيرة، مولت صناعات ثقيلة كالحديد والصلب وصناعات هندسية كتجميع السيارات وصناعات غذائية، دعمت الاقتصاد المصري لسنوات وساهمت مساهمة فاعلة في دعم التنمية في مصر وتحقيق أهداف الخطط الخمسية إلى حد كبير حتى كان لها الأثر الفاعل أيضاً في دعم حرب أكتوبر 1973.
ويشير المؤلف إلى كارثة 1967، فكان خلال الستينات قد تم تعيين قيادة هزيلة للقوات المسلحة أدت إلى انهيار تماسكها حيث انصرف الاهتمام إلى أمور بعيدة كل البعد عن واجب القوات المسلحة المقدس، فقد كان القائد العام للقوات المسلحة في ذلك الوقت المشير عبد الحكيم عامر منشغلاً بأمور لا تمت للعسكرية بصلة، فكان المشير يقضي وقتاً طويلاً في إدارة شؤون الرياضة .
وكان منشغلاً بكرة القدم، وهيمن على هيئة النقل العام، ورأس لجان تصفية الإقطاع التي ألحقت الأذى بكثير من الشخصيات البارزة وتم التنكيل بعائلات لها تاريخ ناصع، كما أشيع عن ارتباط المشير عامر ببعض الفنانات المشهورات في ذلك الوقت حيث تأكد للجميع زواجه من الممثلة المعروفة برلنتي عبد الحميد.
أما الرئيس عبد الناصر فلم يكن مستعداً للحرب بكل المقاييس ولكنه انزلق إلى خضم المعركة بناء على مراوغة إسرائيلية على الحدود فيما بينهما، حتى كان قرار الرئيس عبد الناصر بتهيئة القوات المسلحة المصرية الفورية للدخول في حرب مع إسرائيل لحماية سوريا دون أي ترتيب أو إعداد عسكري مسبق.
وتجلت السطحية السياسية والعسكرية للطبقة الحاكمة والتي أدت إلى كارثة 1967، وتحطيم الجيش المصري بلا ذنب عندما أصدرت الأوامر للقوات بالانسحاب الفوري من كل أراضي سيناء دون أي غطاء أو حماية جوية ، وكان نتيجة لذلك القرار أن استشهد المزيد من القوات المسلحة أثناء الانسحاب حتى شاع وقتها أن كل بيت في مصر اكتوى بنار الهزيمة.
وفي نهاية الحديث عن هذه الحقبة يؤكد المؤلف بأنه حرص على تنوع مصادره للحصول على شهادات متباينة من قيادات كان لها دور فاعل في تحريك الأمور خلال حكم عبد الناصر، ليترك بعد ذلك للقارئ أن يحكم بنفسه على تلك الحقبة المهمة.
وينتقل المؤلف إلى عصر السادات قائلاً: عندما تولى الرئيس السادات الحكم، وجد أنه ورث إرثاً ثقيلاً للغاية فقد كان الاقتصاد المصري عاجزاً عن الوفاء بأي تعهدات مالية تجاه المؤسسات الدولية أو عن تدبير احتياجات الشعب المصري، وكان الاقتصاد المصري في ذلك الوقت يعتمد اعتماداً كلياً على المعونات الغذائية الأميركية من دجاج وزيت وقمح، وصار الشعب المصري مهدداً بالمجاعة في حالة إذا ما توقفت الولايات المتحدة الأميركية عن إمداده بذلك الدعم.
أما عن الخدمات فكان الوضع محزناً إلى حد كبير حيث شبكات الصرف الصحي المتهالكة، إضافة إلى تهالك شبكات المياه التي لم يكن حظها أفضل من شبكات الصرف الصحي حيث كانت المياه لا تصل إلى الأدوار التي تعلو عن الدور الأول في معظم المباني، كما تدني مستوى الاتصالات السلكية واللاسلكية إلى أدنى مستوى وكان من الصعوبة إجراء مكالمة هاتفية داخلية خلال معظم الأوقات اليومية خصوصاً الصباحية منها.
ويأتي الحدث الذي سمي في حينه «بثورة التصحيح» وكان ذلك في 15 مايو 1971 حيث تعهد السادات بتصحيح كثير من الأوضاع، ولقد وصف السادات تلك الأحداث قائلاً: إن مراكز القوى أرادت أن تصعد الصراع بحجة أننا لابد أن نسير على خطى عبد الناصر ولا نحيد عنها، ولم يكن هذا ممكناً حيث اننا شخصين مختلفي الفكر والتوجه.
ولكن يحسب للسادات موقفاً حيث عرض عليه سامي شرف وزير شؤون رئاسة الجمهورية آنذاك وكاتم أسرار عبد الناصر في العهد السابق، بعض التقارير للإطلاع عليها وكانت عبارة عن تفريغ لتسجيلات محادثات هاتفية بين أشخاص موضوعين تحت المراقبة، عندئذ عنفه السادات ورفض الإطلاع على تلك التقارير وأمر بإلغاء كافة المراقبات الهاتفية على الفور وألا يتم ذلك إلا بأمر القضاء.
وعن تعهدات السادات المتتالية يذكر المؤلف: كان السادات قد تعهد بشن الحرب على إسرائيل مراراً ووعد باسترداد أرض مصر السليبة، ولم يوفق بالوفاء بتلك التعهدات لأسباب خارجة عن إرادته حيث لم يصل إليه السلاح الذي يمكنه من تحقيق ذلك الهدف من الاتحاد السوفييتي في المواعيد المتفق عليها.
ولكن قام الرئيس السادات بتشكيل حكومة برئاسته وكان أبرز مهامها إعداد الدولة للحرب في أوائل عام 1973 وعين الدكتور عبد القادر حاتم نائباً لرئيس الوزراء والذي كان يرأس المجلس في غياب الرئيس السادات وتولى التخطيط لحملة الخداع الإعلامي للعدو الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر 1973.
وفي يوم مبارك وهو العاشر من شهر رمضان المعظم ، دارت عجلة الحرب بينما كان أقوى سلاح في الميدان هو صيحة «الله أكبر» وقد زلزلت تلك الصيحة أرجاء جيش الدفاع الإسرائيلي وأدخلت الرعب في قلوب جنوده.
ويصل المؤلف في نهاية كتابه إلى كارثة المنصة قائلاً: استعدت القوات المسلحة لاستعراض قواتها المختلفة في يوم الاحتفال بذكرى قيام حرب أكتوبر 1973 حيث تم الاستعداد لذلك الحدث الكبير، وكما سمعنا من أحاديث السيدة قرينة الرئيس السادات أن مسؤولين بالقوات المسلحة المصرية قد أشاروا على رئيس بضرورة ارتداء السترة الواقية ضد اختراق الرصاص، ولكنه رفض، وقال: «كيف أرتدي تلك السترة وأنا بين أولادي».
أيمن رفعت
*الكتاب:بين العصرين
*الناشر:دار المعارف ـ القاهرة 2007
*الصفحات:384 صفحة من القطع المتوسط
