ولد الروائي الجنوب إفريقي جون ماكسوايل كويتزي في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا سنة 1940 لأب محامٍ وأم مدرسة وهو ينحدر من جذور هولندية. تلقى علومه الأولى في كيب تاون ونال الدكتوراه في الأدب من جامعة تكساس في أوستن. عمل في شبابه في برمجة الكمبيوتر في بريطانيا في الفترة من 1962 إلى 1965.
كما عمل في التدريس في أميركا في الفترة من 1968 إلى 1971 . ثم في جامعة كيب تاون منذ سنة 1972 وحتى سنة 2000. كما عمل أستاذاً زائراً في عدة جامعات أميركية منذ سنة 1984 وحتى سنة 2003 وهي السنة التي نال فيها جائزة نوبل في الأدب.
تزوج من فيليبا جوبر ( 1939 - 1991 ) ورزقا بولدين نيكولاس 1966 ، وجزيلا 1968 . ويعيش حالياً في استراليا مع دورثي درايفر بعد أن هاجر إليها سنة 2003 ونال جنسيتها سنة 2006 . معادٍ للعنصرية وميال إلى العزلة ومن هنا جاءت معظم أعماله معقدة وغامضة راسماً فيها صورة كئيبة للحياة والموت.
وله عدة دراسات لغوية ونقدية فضلاَ عن أعماله الروائية وأهمها بلاد الغسق/ 1974 ، في قلب الوطن/ 1977 ، في انتظار البرابرة/ 1980 ، حياة وأوقات مايكل ك/ 1983 ، الخصم/ 1986 ، سيد بيترزبرج/ 1994 ، الخزي/ 1999، اليزابيث كوستيلو/ 2003 ، الرجل البطيء/ 2005 .
وفي رواية الشهرة لكويتزي ـ في انتظار البرابرة ـ المنشورة سنة 1980 والحائزة على جائزة بوكر والتي منحت له ثانيةً عن رواية ـ الخزي ـ يتحدث كويتزي عن القاضي والموظف المسؤول في خدمة الإمبراطورية والذي يمضي أيامه في تلك الحدود الكسولة منذ عدة سنوات ينتظر تقاعده، ولم يكن يطلب أكثر من حياة هادئة في أوقات هادئة.
ولكن موظفي المكتب الثالث وهو القسم الأكثر أهمية من الحرس المدني وحراس الدولة والمتخصصين في دفع الفتن الغامضة وأنصار الحقيقة وأطباء الاستجوابات وفي مقدمة هؤلاء الكولونيل جول المنقول إلى المبنى الذي كان في الماضي مخفراً أمامياً وتحول إلى حصن حدودي ثم إلى مستوطنة زراعية فمدينة تضم ثلاثة آلاف روح ويكمن فيها ضجيج حياة.
الكولونيل جول الذي بات يصول ويجول ويقتحم أراضي البرابرة يبحث عنهم في الصحاري والجبال ويأسرهم باعتبارهم الخطر الأكبر على الإمبراطورية ... القاضي وهو الراوي أيضاً فقد تحدث مع الكولونيل جول قائلاً: ما العمل إذا كان السجين يقول الحقيقة ولا أحد يصّدقه؟ أليس هذا وضعاً مرعباً؟!
تخيل أنك تستعد للاستسلام وتستسلم، وليس لديك المزيد ثم تنكسر. ومع ذلك يُضغط حتى تستسلم أكثر. ما مسؤولية المحقق هنا؟ وكيف تعلم أن السجين قد أخبرك الحقيقة؟ فيرد الكولونيل قائلاً: لم يفتني أن للمحقق وجهين ويتكلم بلسانين أحدهما قاسٍ والآخر مغرٍ ، فهناك نبرة معينة، نبرة خاصة تدخل صوت مَنْ يقول الحقيقة ! الممارسة والتجربة علمتنا أن نميز الحقيقة!...
فيرد القاضي: نبرة الحقيقة !.. هل تستطيع أن تلتقط تلك النبرة في الحديث اليومي ؟! .. وهل بإمكانك أن تسمع فيما إذا كنت أقول الحقيقة ؟!.. ولكن الكولونيل الذي يغيظه مثل هذا الحديث ينهي الحوار بإشارة منه.
... وتستمر الحملات، وكلما أُرسلت حملة تزايدت أعداد الأسرى وتصاعد القلق بين البرابرة وباتت طرق التجارة الآمنة تتعرض للهجوم والسلب ويزداد العنف والصدامات وتكثر الإشاعات المرعبة ثم تولدت نوبة من هستيريا البرابرة.
لم يخفِ القاضي تذمره كلما تزايد عدد سجناء الكولونيل وشملت صيادي سكان النهر البدائيين فقال غاضباً: ألم تخبروه أن هؤلاء السجناء عديمو النفع ؟!.. ألم تقولوا له ما الفرق بين صيادين بشباك وبين رحّل بأقواس وأحصنة؟.. ألم تخبروه أنهم لا يتكلمون اللغة نفسها؟.. فكيف لهم أن يعرفوا مغامرات البرابرة ضد الإمبراطورية؟!..
اكتشف القاضي في إحدى جولاته فتاة بربرية غريبة تتسول لا تكاد ترى طريقها، عطف عليها وأمر بجلبها إلى شقته وهناك اكتشف أنهم قتلوا أباها أمامها وضربوها حتى كسروا ساقها وأعموا عينيها وباتت تستند إلى عكازين، قرّبها وآواها وتحدث عن ذلك قائلاً: خلصتها من عار التسول وعينتها في مطبخ الثكنة خادمة تغسل الأطباق، ومن المطبخ إلى سرير القاضي في ست عشرة خطوة سهلة.
هكذا كان الجنود يتحدثون عن خادمات المطبخ، فكلما كانت المدينة صغيرة كلما كثر الحديث والثرثرة. وسرعان ما كانت التفاصيل تنتشر في السوق. وكلما كبر الإنسان وجدوا ممارساته غريبة، مثل تشنجات حيوان محتضر. لا أستطيع أن أؤدي دور الرجل الحديدي أو دور الرجل الطاهر، فالضحكات والنكات والنظرات العارفة كانت جزءا من الثمن المجبر على دفعه.
... وفي الانحدار نحو الأسفل كنت غاضباً من نفسي كوني أريدها ولا أريدها. وكانت هي غافلة عن تقلبات مزاجي، فبعد وجبة المساء وجلي القلايات والصحون وتنظيف الأرض وترطيب الموقد تغادر رفيقاتها وتتلمس طريقها إلى شقتي، تخلع ثيابها وتستلقي تنتظر نواياي الملغزة.
قرر القاضي إعادتها إلى قومها البرابرة فجهز حملة وانتقى ثلاثة رجال وساروا باتجاه الجبال بمحاذاة البحيرات مخترقين الصحراء في رحلة شاقة ومتعبة دامت ثلاثة أسابيع وحين التقى البرابرة هناك عند الجبال خيرها بين الرجوع معه أو مواصلة السير معهم إلى قومها فاختارت الرحيل. القاضي حدّث نفسه: زائرة من أصقاع غريبة هي في طريقها إلى وطنها بعد زيارة أقل من سعيدة هذا كل ما هنالك.
حين عاد القاضي ورجاله منهكين وجد رجال المكتب الثالث ينتظرونه ويجردونه من منصبه وشرفه ويودعونه السجن بتهمة تحذيره البرابرة من الحملة القادمة. رفضوا حتى أن يمنحوه موتاً بطولياً فأطلقوا سراحه هائما في المدينة يستجدي الطعام. وبعد أن بات مشرداً حدثّ نفسه: كم كنت أتحول على مر الأيام إلى بهيمة؟!..
كم ساعدتهم على تقزيم عالمي. يبدو أنه ليس هناك من طريقة للموت مسموح بها لي سوى أن أموت ككلب في زاوية مهملة!.. وشيئاً فشيئاً انتشر خبر أن القاضي العجوز قد تحمل محنته وخرج منها سالماً: ولم يعد الناس يصمتون أو يديرون ظهورهم عندما أقترب واكتشفت أنني لست دون أصدقاء فقد يسخر الناس من الأحمق العاشق لكنهم في النهاية يعذرونه.
.. كان الناس لا يزالون ينادونه بحضرة القاضي، وهو يشعر بالرضا لأنه أزاح القناع عن بربرية الإمبراطورية. الإمبراطورية التي باتت حملاتها ترجع مهزومة من أرض البرابرة الذين اقترب خطرهم على الرغم من أن أحداً لم يشاهدهم بعد أن باتوا قريبين من المدينة واقتطعوا قسماً من السد وأغرقوا الحقول، وبدأت أسر بأكملها تختفي في بهيم الليل، يرشون الحراس كي يفتحوا لهم البوابة.
أخبر الجنود العائدين مهزومين، أخبروا القاضي قائلين: تجمدنا في الجبال، تضورنا جوعاً في الصحراء. قادونا إلى الصحراء وتبعناهم بغباء ثم اختفوا، استدرجونا إلى الأعماق ولم نستطع الامساك بهم، التقطوا الذين تاهوا، وحرروا جيادنا في الليل ولكنهم لم يواجهوننا!..
وحين التقى القاضي بالكولونيل جول تجرأ وقال له: أنت هو العدو. لقد أشعلت الحرب. وأنت مَنْ أعطاهم الشهداء الذين يحتاجون! حدّث القاضي نفسه: لن نكون قد تعلمنا أي درس حتى آخر رجل منا. ففي دواخلنا جميعاً وعميقاً هناك عناد.
وليس هناك مَنْ يستطيع قبول أن الجيش الإمبراطوري قد أباده رجال بأقواس وسهام وبنادق صدئة قديمة، يعيشون في خيم، لا يغتسلون، ولا يستطيعون القراءة والكتابة !.. أمّا أنا فأردت أن أعيش خارج التاريخ الذي فرضته الإمبراطورية على أتباعها.. رجل عاش ولم يكن بربرياً في قلبه!

