مؤلفة هذا الكتاب هي الصحفية ديانا ديرك المختصة بأدب الرحلات. وقد سبق أن نشرت عدة كتب عن عمان، وسوريا، وتونس، الخ. وهي تقدم الآن صورة عامة عن تركيا المعاصرة من أجل التعريف بها. ومعلوم أن هذا البلد يشغل وسائل الإعلام حاليا لأسباب مختلفة.
في البداية تقدم لنا المؤلفة بعض المعلومات العملية والإحصائيات وتقول: إن مساحة الجمهورية التركية تبلغ أكثر من سبعمائة وثمانين ألف كيلومتر مربع، وهذا يعني أنها أكبر من مساحة بلد كفرنسا بمرة ونصف. وأما عدد سكانها فيحاذي السبعين مليون نسمة.
وأما مدخولها الإجمالي فلا يتجاوز المائتي مليار دولار سنويا إلا قليلا. هذا في حين أن مدخول بلد أوروبي صغير كهولندا يبلغ ضعف ذلك وبعدد سكان أقل بكثير (16 مليوناً فقط). وربما لهذا السبب يترددون في قبول انضمام تركيا إلى أوروبا لأنها أفقر منهم اقتصاديا بكثير ولأن سكانها العديدين سوف يأكلون خبز الأوروبيين كما يقول اليمين هنا.
ولكن هناك أسباب أخرى بالطبع كالدين وسواه. ثم تردف المؤلفة قائلة: أما متوسط الدخل السنوي للفرد فلا يتجاوز الثلاثة آلاف دولار إلا قليلا، وهو رقم مرتفع نسبيا بالقياس إلى بعض البلدان المجاورة، ولكنه ضعيف بالقياس إلى الدول الأوروبية حيث يبلغ متوسط دخل الفرد أربعة وعشرين ألف دولار سنويا أو أكثر.
وعلى هذا النحو يتجلى الفارق في مستوى المعيشة بين الدول الأوروبية المتقدمة وبقية دول العالم الثالث. وأما من ناحية الدين فالأغلبية العظمى من السكان مسلمون وذلك بنسبة 8,99 بالمائة. ولكن داخل الإسلام يوجد انشقاق مذهبي بين الأغلبية السنية 80 بالمائة والأقلية العلوية 8 ,19 بالمائة. وهناك حوالي 2 ,0 بالمائة من المسيحيين.
وأما المدن الرئيسية للبلاد فهي التالية: أنقرة العاصمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي الأربعة ملايين نسمة. ثم اسطنبول العاصمة التاريخية التي يتجاوز عدد سكانها التسعة ملايين نسمة، وهي أهم مدن البلاد وأكبرها وأشهرها. تليها ازمير التي يحاذي عدد سكانها الثلاثة ملايين، ثم بورصة (أكثر من مليون ونصف)، ثم أضنة (حوالي المليون ونصف)، الخ.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وأما من الناحية السياسية فإن تركيا هي جمهورية برلمانية ديمقراطية. والرئيس فيها ينتخب من قبل البرلمان لمدة سبع سنوات، ولكنهم يريدون تغيير ذلك الآن لكي ينتخب من قبل الشعب مباشرة. ولكن دوره يبقى رمزيا ولا يمارس إلا سلطة معنوية أو أخلاقية.
أما السلطة الفعلية فهي في يد رئيس الوزراء طيب رجب اردوغان الذي يحكم البلاد منذ 2003. فحزبه، أي حزب العدالة والتنمية، هو الذي انتصر في الانتخابات آنذاك بنسبة 4,34 بالمائة وأما حزب الشعب الجمهوري المعارض فلم ينل إلا 4,19 بالمائة من الأصوات.
وهناك أحزاب أخرى بطبيعة الحال. وهذه هي أول مرة يحكم فيها الإسلاميون تركيا لفترة طويلة نسبيا، ففي السابق لم يدم حكم نجم الدين اربكان أكثر من سنة. وقد تطور الإسلاميون الأتراك كثيرا وأصبحوا معتدلين بالقياس إلى ما كانوا عليه سابقا في عهد اربكان حيث كانوا أصوليين متشددين ويحلمون بإعادة الإمبراطورية العثمانية إلى سابق عهدها أو تطبيق الشريعة.
أما الآن فإنهم لا يطبقون إلا القوانين المدنية القريبة إلى القوانين الأوروبية الحديثة. والواقع أنهم تطوروا تحت ضغط الاتحاد الأوروبي الذي لا يقبل إلا ببلد يطبق مبادئ حقوق الإنسان والمواطن والتشريعات الحديثة السائدة في أوروبا، وهي تشريعات لا تفرق بين الرجل والمرأة، ولا بين المتدين وغير المتدين،، وترفض المعايير الطائفية والعنصرية أيا تكن وتعتبرها من مخلفات الماضي والعصور الوسطى.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وأما من الناحية العرقية فإن تركيا بلد متعدد الأعراق. بالطبع فإن العرق التركي هو الغالب، ولكن هناك أكراد بنسبة 15 بالمائة من عدد السكان الإجمالي، أي حوالي العشرة ملايين نسمة وربما أكثر.
وهناك العرب في إقليم «هاتاي» الذي هو في الواقع إقليم اسكندرون الذي تواطأت فرنسا مع تركيا عليه وسلخوه عن سوريا كما هو معلوم. ولذلك فإن اللغات الأساسية في تركيا هي التالية بحسب الأهمية: التركية، فالكردية، فالعربية. ووحدها التركية هي اللغة الرسمية للبلاد، ولكن تم الاعتراف بمشروعية اللغة الكردية بعد نضال طويل عام 1991. والعربية يتكلمها فقط سكان المناطق المحاذية لسوريا.
والواقع أن تركيا تعاني من عدة صراعات داخلية سرية أو علنية. وأهم صراع هو انقسام البلاد إلى تيارين عريضين، الأول إسلامي أصولي أو معتدل، والثاني علماني متطرف أو معتدل أيضا. فمنذ أن كان مصطفى كمال اتاتورك قد أسس الجمهورية التركية عام 1924 وألغى الخلافة والسلطنة العثمانية فإن البلاد أخذت تعاني من هذا الانقسام.
ومعلوم أنه قال ما يلي: توجد حضارة واحدة في العالم الآن هي الحضارة الأوروبية. وأما شعوب الشرق فتغط في نوم عميق وتعاني من التخلف والبؤس على كافة الأصعدة والمستويات. وبالتالي فلكي تنهض تركيا ينبغي أن تدير ظهرها للعالم الشرقي الإسلامي وتتجه بأبصارها نحو أوروبا وتحاول تقليدها أو اللحاق بها.
ولهذا السبب ألغى الحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية حتى تلك اللحظة واستبدلها بالحروف اللاتينية التي تكتب بها الآن لكي يوهمنا بأن تركيا أصبحت حضارية. ولكنه بذلك قطع تركيا عن جذورها وتاريخها. فالجيل الجديد لم يعد يعرف أن يقرأ تراثه التركي المكتوب بالأحرف العربية. والواقع أنه كان يريد أن يقطعه عنه لأنه في رأيه تراث إسلامي متخلف.
ثم ظهر التيار الإسلامي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كرد فعل على ذلك. وأسس حزب الرفاه أولا فحزب العدالة والتنمية لاحقا واستطاع أن يربح الانتخابات ويحكم البلاد. وحاول هذا التيار أن ينتقم من علمانية اتاتورك ولكن الجيش كان له بالمرصاد. فالجيش التركي يعتبر نفسه بمثابة الحامي الأمين لتراث القائد العظيم مصطفى كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة.
ثم تتحدث المؤلفة عن اسطنبول وعظمة التراث التركي التاريخي وتقول: إن اسطنبول هي مدينة ساحرة ومن أجمل مدن العالم. فهي تقع على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا، وهي مهد الثقافات والحضارات المتلاحقة بدءاً من حضارة البيزنطيين وانتهاء بحضارة العثمانيين. وفيها من الآثار والمتاحف والمساجد والكنائس ما يخلب العقل. وإطلالتها على مضيق البوسفور مذهلة بالفعل.
وقد كانت تدعى باسم بيزنطة بالنسبة للإغريق، واسم القسطنطينية بالنسبة للرومان، واسم اسطنبول بالنسبة للعثمانيين. إنها مدينة المدائن، المدينة التي تسحر منذ قرون عديدة الشرق والغرب لأنها تشكل صلة الوصل بينهما. وبالتالي فهي تتمتع بموقع جغرافي استثنائي قل نظيره. وفيها بعض من أجمل مساجد العالم بالإضافة إلى كاتدرائية رائعة.
وأما أنقرة، العاصمة الرسمية للبلاد والمدينة الثانية من حيث الأهمية، فتقع في قلب منطقة الأناضول. وقد أرادها مصطفى كمال اتاتورك لكي تكون مدينة الحداثة في آسيا باعتبار أن اسطنبول تقع في أوروبا في قسم كبير منها على الأقل.
وبالتالي فأنقرة ككل المدن العربية أو الإسلامية مقسومة إلى قسمين المدينة القديمة الموجودة منذ أقدم العصور، والمدينة الحديثة التي أسسها اتاتورك ووسعها على الطريقة الأوروبية. وهي تحتوي على متحف الحضارات الأناضولية بالإضافة إلى القلعة وضريح أتاتورك لأنه مقبور فيها.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: وعموما فإن تركيا بلد ضخم جغرافيا وتاريخيا وله أهمية لا تنكر على المستوى المحلي والعالمي. فهي البلد الإسلامي الوحيد الذي ينتمي إلى حلف الأطلسي ويمتلك جيشا قويا جدا ويمارس اللعبة الديمقراطية والتناوب على السلطة.
*الكتاب: تركيا
*الناشر:توماس كوك - نيويورك 2007
*الصفحات:192 صفحة من القطع الكبير
Turkey
Thomas Cook - n.y 2007
.p 19 2
