قام بتأليف هذا الكتاب مجموعة من الباحثين الفرنسيين تحت إشراف البروفيسور جان فرانسوا تروان، وهو أستاذ علم الجغرافيا في جامعة «تور» وسط فرنسا. وفيه يقول المؤلفون ما معناه: لا أحد يتحدث اليوم عن المغرب الكبير. نقول ذلك على الرغم من أنه يشكل امتدادا جغرافيا وبشريا وثقافيا واحدا من ليبيا إلى موريتانيا مرورا بتونس والجزائر والمغرب الأقضى.
إنه يشكل كتلة بشرية وجغرافية متجانسة تقع جنوب البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي فهو الجار الأقرب إلى أوروبا ولا نستطيع إلا أن نهتم به وبقضاياه ومشاكله. نقول ذلك وبخاصة أنه تقيم على أرضنا جاليات كبيرة هاجرت من بلدانه وأتت إلينا. فالجاليات المغاربية أصبح عددها كبيرا ليس فقط في فرنسا وإنما في كل أنحاء أوروبا أيضا.
ويرى مؤلفو هذا الكتاب الجماعي أنه: لا ريب في أن المغرب الكبير يشكل جزءاً من العالم العربي كله. ولكن هناك خصوصيات تميزه عن المشرق على الرغم من كل شيء. وأولها تواجد أقليات بربرية كبيرة فيه. هذا في حين أنها معدومة في المشرق حيث لا يوجد إلا الأكراد والأرمن.
فعدد البربر كبير في المغرب الأقصى إذ يتراوح بين عشرة واثني عشر مليون نسمة، وهم يسكنون أساسا في منطقة الريف أو جبال الأطلس الشهيرة. ومنطقة الريف هي عرين الثائر الكبير ضد الاستعمار الفرنسي عبد الكريم الخطابي. ولكنهم متواجدون أيضا في مناطق أخرى. والواقع أن المغاربة في معظمهم هم برابرة مستعربون.
وأما عدد البربر في الجزائر فيتراوح بين ستة وسبعة ملايين نسمة. وهم يسكنون منطقة القبائل وجبال الأوراس خصوصا. وأما عددهم في ليبيا فلا يتجاوز الثلاثمائة ألف نسمة، وفي تونس خمسين ألف نسمة حيث يسكنون الجنوب أو أقصى الجنوب.
وأما عددهم في موريتانيا فلا يتعدى العشرة آلاف شخص. وهكذا نلاحظ أنه يوجد في بلاد المغرب العربي الكبير ما لا يقل عن عشرين مليون نسمة من الناطقين بالبربرية. ولكن الكثيرين منهم تعلموا العربية بعد الاستقلال لأنها أصبحت اللغة الرسمية للبلاد، وذلك دون أن ينسوا لغتهم الأصلية.
يضاف إلى ذلك أن البربر مسلمون مثلهم في ذلك مثل مواطنيهم العرب. والإسلام السائد هناك سنّي على المذهب المالكي ما عدا أقليات إباضية صغيرة في جربة التونسية، أو جبل النافوسة الليبي، أو منطقة المزاب الجزائرية. والإباضية هم أتباع عبد الله بن اباض إحدى الفرق المعتدلة للخوارج.
وهناك خصوصية أخرى للمغرب العربي وهي تميزه عن المشرق ألا وهي خلوه من الأقليات المسيحية. فجميع سكانه مسلمون على عكس المشرق حيث توجد أقليات مسيحية كبيرة في مصر، أو سوريا، أو لبنان، أو فلسطين، أو العراق، أو شرقي الأردن. وبالتالي فإذا كان هناك تجانس ديني في المغرب العربي الكبير فإنه لا يوجد تجانس لغوي. وإذا كان هناك تجانس لغوي في المشرق العربي فإنه لا يوجد تجانس ديني.
هناك خصوصية لبلدان المغرب العربي بالقياس إلى بلدان المشرق ألا وهي الحضور الكبير للغة الفرنسية ما عدا ليبيا. فالكثيرون في تونس والجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا يتحدثون الفرنسية ويتكلمونها جيدا. وحده لبنان في المشرق العربي يحتوي على أقليات كبيرة تتكلم الفرنسية أو تتقنها. وهناك أيضا الطبقة البورجوازية والمثقفة في مصر.
بل إن انتشار الفرنسية الآن أكبر من أيام الاستعمار، لماذا لأن عدد المتعلمين الذين درسوا في المدارس زاد أضعافا مضاعفة بالقياس إلى العهد الاستعماري البائد الذي لم يكن يهتم بتعليم السكان ما عدا نخبة قليلة من عائلات المدن وإقطاعيّي الأرياف.
يضاف إلى ذلك تأثير وسائل الإعلام الفرنسية على كل بلدان المغرب العربي ما عدا ليبيا. فأنت تستطيع أن تفتح التلفزيون في الرباط أو تونس أو الجزائر أو نواكشوط على القنوات الفرنسية مثلما تفتحه على القنوات العربية. بل وتوجد قنوات وطنية ناطقة بالفرنسية وتقدم برامج فرنسية.
يضاف إلى ذلك أن انتقال المهاجرين من بلدان المغرب العربي إلى أوروبا وبخاصة فرنسا متواصل وهذا ما يؤدي إلى استخدام الفرنسية وليس فقط العربية. وأحيانا يؤدي إلى استخذام لغة فرنسية-عربية في آن معا، أي نصفها فرنسا ونصفها عربي.
لكن ما هو عدد سكان هذا المغرب العربي الكبير؟ عن هذا السؤال يقدم الكتاب جداول إحصائية دقيقة ويقول: عدد سكان الجزائر يقدر باثنين وثلاثين مليونا ونصف، وأما المغرب فيقدر بثلاثين مليونا ونصف. وهما أكبر بلدين في إفريقيا الشمالية وأكثرهما أهمية.
تجيء بعدئذ تونس حيث يوجد عشرة ملايين نسمة، ثم ليبيا التي تعد حوالي الستة ملايين، ثم موريتانيا ثلاثة ملايين أو أكثر قليلا. وهكذا يصبح المجموع أكثر من اثنين وثمانين مليون نسمة. وهذا عدد ليس بالقليل، ولذلك فإن المغرب العربي أصبح مركز اهتمام القوى الكبرى حيث تتنافس عليه الولايات المتحدة وفرنسا. ولكن بما أن النفوذ الفرنسي قديم وراسخ تاريخيا في الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا، فإن أميركا تحاول أن تضع قدمها هناك بصعوبة.
نقول ذلك على الرغم من أنها حققت نتائج لا يستهان بها في السنوات الأخيرة. وقد عقدت واشنطن اتفاقيات عديدة مع دول المغرب العربي الكبير ما عدا ليبيا التي اقتصر تعاملها معها على شركات النفط بالدرجة الأولى. مهما يكن من أمر فإن فرنسا تخشى مزاحمة أميركا لها هناك.
وأما من حيث متوسط الدخل السنوي للفرد الواحد فنلاحظ أن ليبيا هي الأغنى إذ يصل فيها إلى أكثر من تسعة آلاف دولار، تليها تونس، حوالي السبعة آلاف دولار، تليها الجزائر حوالي الستة آلاف دولار، يليها المغرب حوالي الأربعة آلاف دولار، وأفقرها موريتانيا حيث لا يتجاوز متوسط الدخل السنوي للفرد الواحد الألف وتسعمائة دولار.
ونظرا للقرب الجغرافي بين بلدان المغرب العربي وأوروبا فقد حصلت مؤخرا عدة محاولات للجمع بين الطرفين. والواقع أن المسافة التي تفصل شواطئ المغرب عن اسبانيا لا تتجاوز الأربعة عشر كيلومترا. فأنت تستطيع من تلال طنجة أن ترى جبل طارق والشواطئ الاسبانية.
والمسافة بالطائرة بين باريس وعواصم المغرب كتونس والجزائر والرباط لا تتعدى الساعتين، ومن مدريد وروما أقل بكثير، وبالتالي فهناك مصلحة في التقارب بين أوروبا والمغرب الكبير. وقد عقدت عدة مؤتمرات في مراكش وسواها لتحقيق هذا الغرض.
يضاف إلى ذلك أن العلاقات الاقتصادية قوية جدا بين فرنسا وبلدان المغرب الثلاثة: الجزائر، تونس، المغرب. والرحلات الجوية بين الطرفين يومية وعديدة. وأما ليبيا فعلاقاتها الكثيفة ليست مع فرنسا وإنما مع إيطاليا، أي المستعمر السابق. فهي تقدم لليبيا ربع مستورداتها وتأخذ منها أربعين بالمائة من صادراتها.
ولكن على الرغم من كل ذلك فإن بلدان المغرب العربي تشعر بخيبة الأمل من فرنسا والاتحاد الأوروبي عموما. فهذه الدول الغنية لم تف بوعودها تجاه بلدان المغرب الباحثة عن التنمية والتطور. وقد شعرت بالألم لأن الاتحاد الأوروبي اهتم بتنمية دول أوروبا الشرقية والوسطى التي تحررت من الشيوعية أكثر مما اهتم بتنميتها. فقد وظف من الرساميل في الأولى ثلاثين مرة أكثر من الثانية.
*الكتاب:المغرب العربي الكبير
*الناشر: ارمان كولان ـ باريس 2006
*الصفحات: 384 صفحة من القطع الكبير
Le Grand Maghreb
Armand Colin- Paris2006
P.384

