مؤلف هذا الكتاب هو الآن رئيس جمهورية فرنسا، نيكولا ساركوزي. ولكن عندما نشره قبل بضعة أشهر كان لا يزال مرشحا لرئاسة الجمهورية أو يتهيأ لهذا الترشيح. وقد كتبه لكي يصفّي حساباته مع نفسه ومع الآخرين. وبالتالي فهو يكشف عن أعماق شخصيته وأفكاره السياسية. لقد ألّفه بعد أن مرّ ساركوزي بأزمة شخصية أو عائلية عنيفة جدا. هي أزمته مع زوجته التي يحبها بشكل جنوني يتجاوز الخيال.
ومعلوم أنها كانت متزوجة من شخصية تلفزيونية مرموقة في فرنسا هي «جاك مارتان». وقد عقد هذا الأخير قرانه عليها في البلدية التي كان يترأسها ساركوزي في أرقى أحياء العاصمة الفرنسية. وما إن وقع بصر ساركوزي عليها حتى وقع في حبها وتمنى لو أنها له. وراح يقيم علاقة صداقة مع زوجها لكي يستطيع أن يراها.
وطلق زوجته من أجلها. ووصلت الأمور بينه وبين جاك مارتان إلى حد التهديد بالقتل والوعد والوعيد عندما عرف هذا الأخير بالأمر. ثم انتهت القصة بسلام وتزوجها ساركوزي ومرت الأيام والسنوات، وإذا بها تغدر به هي الأخرى عام 2005 وتقع في حب رجل يدعى ريشار اتياس. وحول هذه المسألة يكتب ساركوزي في ختام الفصل الأول من كتابه وتحت عنوان حرف السين فقط أي اسمها «سيسيليا»، أقول يكتب ما يلي: لقد مررت بمحنة عائلية العام الماضي.
ولكني تجاوزتها الآن، وأصبحت أستطيع أن أتحدث عنها باسمي وباسم زوجتي سيسيليا. وهي التي كلفتني بالكتابة عنا معا. إنني الناطق الرسمي باسمها. ولولا الحياء والخجل لكتبت هي عن الموضوع أيضا. ثم يردف ساركوزي قائلا: نعم لقد عشنا محنة عائلية رهيبة. ولكن الكثير من العائلات الفرنسية تشهد مثل هذه المشاكل الزوجية والهموم وأحيانا تنتهي بالطلاق. ولكني حرصت على عائلتي ولم أرد أن أطلق على الرغم من كل ما حصل.
والآن أنا واثق أننا سوف نظل مع بعضنا البعض إلى الأبد. والمشكلة في حالتنا هو أن الشهرة تخلع على هذا النوع من المشاكل هالة ضخمة وتصنع من الحبة قبة. فلو كنت رجلا عاديا لما اهتم أحد بمشكلتي ولما سمع بها أحد ما عدا بعض المقربين.
ولكن بما أني شخصية عامة فقد استغلتها وسائل الإعلام ضدي إلى أقصى حد ممكن. وهذا شيء إجباري لا يمكن تحاشيه. ولكني أطلب منها الآن أن تتركني مرتاحا أنا وزوجتي بعد أن تعذبنا بما فيه الكفاية، وبعد أن عانينا من الإشاعات الشيء الكثير.
ثم يردف ساركوزي قائلا: بعد أكثر من عشرين سنة من تعرفي على سيسيليا لا أزال أرتجف عندما أسمع اسمها. نعم إن كل بدني وكياني يهتز ما إن يلفظ أحدهم اسم هذه المرأة التي أحبها. والآن سوف أغلق هذا الموضوع ولن أتحدث عنه بعد اليوم. وأرجو من الآخرين أن يحترموا حياتي الشخصية ويكفوا عن ملاحقتي بسببها.
ويعترف ساركوزي بأن هذه المشكلة كشفت عن الأعماق الإنسانية التي كانت كامنة داخله دون أن يشعر بها. ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى التحدث عن تجربته السياسية على مدار السنوات السابقة. ويستعرض الخطوط العريضة لبرنامجه السياسي الذي سوف يطرحه على الناخبين عندما تحين الفرصة. وقد طرحه ونجح.
فهو مثلا يطالب العمال المغتربين بأن يعملوا أكثر في حين أنه يعرف أن معظمهم عاطل عن العمل. فكيف يعمل من لا يجد عملا؟ كيف يعمل من ترفضه وكالات العمل والتوظيف والشركات لأن شكله عربي أو أجنبي؟.هذا الجانب الإنساني لا يثير اهتمامه كثيرا في هذا الكتاب فهو موجّه للفرنسيين من موقع كونهم ناخبين قبل كل شيء.إن ساركوزي يحمل في شهادته هذه على الأجانب وكأنهم هم سبب مشاكل فرنسا، وهذه هي لغة تقترب في الواقع من لغة اليمين المتطرف.
بل ويتحدث بكل صراحة ووضوح عن ضرورة طرد أكبر عدد ممكن من الأجانب من فرنسا وبشكل شهري أو حتى يومي إذا اقتضى الأمر ذلك. ثم ينادي باستقبال الهجرة المختارة فقط: أي هجرة النخبة ذات الكفاءات والاختصاصات التي تلزم فرنسا، أو النخبة المالية والمصرفية التي تأتي بأموالها إلى فرنسا. أما ما عدا ذلك فينبغي طردهم. هكذا تبدو جمهوريته لا تضم إلا الأغنياء والمليارديريين على ما يبدو.
ثم يطالب في برنامجه الذي يطرحه في هذه الشهادة بزيادة ساعات العمل ويطرح الشعار الرأسمالي الشهير: اعمل أكثر لكي تربح أكثر. ذاك على أساس أن المهم هو الربح وزيادة الفلوس والرساميل إلى ما لا نهاية، وما عدا ذلك تفاصيل.وبهذا المعنى ينضوي تماما في إطار الفكر الليبرالي ومفهوم المنافسة على الصعيد العام وليس الخاص فقط.
ويتعرض ساركوزي في هذا الكتاب بالنقد الشديد للمهاجرين والفقراء الذين يعيشون على المساعدات الاجتماعية للدولة الفرنسية ويطالب بقطعها. هذا دون أن يحاول فهم سبب هذا الوضع، أي سبب عدم اشتغال هؤلاء الناس وسبب تهميشهم وفقرهم. إنه يحاسبهم على شيء المسؤول الأول عنه هو أساسا المنظومة الاجتماعية السائدة.
ويكتفي فقط بالقول: ينبغي علينا جميعا أن نستيقظ باكرا ونذهب إلى العمل. فالحياة أو النجاح في الحياة هو لأولئك الذين يستيقظون باكرا. وربما كان ذلك صحيحا. ولكن ماذا يفعل العامل المغترب باستيقاظه الباكر إذا كان لا يجد عملا ولا وظيفة؟ ما ذنبه إذا كان قد تقدم للعمل مئات المرات دون أن يقبل به أحد في مجتمع تكتسحه العنصرية وبخاصة بعد 11 سبتمبر والتفجيرات الإرهابية؟ إنه يتمنى ألا يستيقظ أبدا لكيلا يرى أباه وأمه وإخوته أيضا عاطلين عن العمل.
انه يتحدث في هذا الكتاب عن كل المحاور التي تخص السياسة الداخلية كما الخارجية لفرنسا. ويحدد تعريف الوزير الناجح انه هو ذلك الذي يخرج من مكتبه باستمرار لكي يعيش على أرض الواقع ويشاهد مشاكل الناس بأم عينيه.
ويتجلى من كلام ساركوزي على مدار الكتاب أن ما يثير اهتمامه أولا وأساسا هو أن يتمتع الفرنسيون بدرجة عالية من الأمن .وهو يقدم نفسه باستمرار على أساس أنه معني بالمشاكل المحسوسة للناس وأنه براغماتي وربما يمتلك القدرة على حلها.
ولا يتردد نيكولا ساركوزي في إعلان إعداده بنفسه وإمكانياته ويقول بما معناه: عندما تعود بي الذكرى إلى أبعد نقطة في حياتي فإني أتذكر شيئا واحدا وهو أني كنت دائما أحب الانخراط في المعمعة لخدمة المجتمع. ثم يضيف ساركوزي قوله: كنت دائما أريد تحويل الواقع، تغييره، جعل المستحيل ممكنا. كان هدفي الأول والأخير هو أن أجد هامش حركة ما لتغيير الأمور نحو الأفضل في المجتمع الفرنسي.
ويتحدث نيكولا ساركوزي على مدى صفحات عديدة من الكتاب عن علاقة عائلته بالسياسة. يقول: لم تكن السياسة جزءا من التراث العائلي عندنا. فلا أحد من إخوتي أو أقاربي يشتغل بالسياسة، بل إن كل شيء في عائلتي كان يبعدني عن السياسة والاهتمام بها. ولم تكن لي علاقات كبيرة نافذة، ولا ثروة لكي تسندني في بداية انطلاقتي السياسية. باختصار: كان كل شيء ضدي، ومع ذلك فقد نجحت وشققت طريقي.
ولم أكن موظفا كبيرا لكي أستخدم ذلك كأداة للوصول إلى عالم السياسة. بالإضافة إلى هذا فإني أحمل اسما أجنبيا يزعج الفرنسيين وكان حريا به أن يمنعني من التفكير بدخول حلبة السياسة. ولكني مع ذلك انخرطت في العمل السياسي لأني أحب السياسة وأحب خدمة الناس والمصلحة العامة.
وبالتالي فتجربتي الشخصية أثبتت أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى ما يبتغيه إذا كان يحب العمل ويمتلك الإرادة اللازمة لتحقيق طموحه. كتاب يلقي الضوء على مؤلفه الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية الفرنسية.
*الكتاب:شهادة
*الناشر: إكس. أوـ باريس 2006
*الصفحات :288 صفحة من القطع المتوسط
Témoignage
XO- Paris 2006
P.288

