مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والصحافي في جريدة «الفيغارو» الفرنسية المعروفة هيرفي بنتيجات، وهو روائي في الأصل، وقد ألف الكتاب على هيئة رواية على الرغم من أنه مليء بالأحداث الواقعية، الحقيقية. فهو يتحدث فيه عن هرب الجنرال ديغول من فرنسا عندما احتدمت أزمة الثورة الطلابية الشهيرة في مايو 1968.

وكادت هذه الثورة العارمة أن تطيح بالنظام الذي يقف على رأسه زعيم فرنسا الحرة. ويبدو أن الناس كانت قد ملت من حكمه بعد عشر سنوات على الرغم من أنه جلب الرفاهية للشعب الفرنسي ورفع رأسه عاليا بين الأمم. ولكن لكل شيء نهاية حتى ولو كان ملحمة عظيمة كالملحمة الديغولية.

يقول المؤلف بما معناه: في التاسع والعشرين من شهر مايو 1968 لم تكد فرنسا تصدق ما سمعته: لقد اختفى الجنرال ديغول عن الأنظار ولا أحد يعرف أين هو! لقد تخلى عن «الباخرة فرنسا» وهي في أوج الإعصار وذهب إلى غير رجعة. وحتى رئيس الوزراء جورج بومبيدو لا يعرف أين يوجد الرئيس.

وقد حاول الاتصال به بكل الوسائل ولكنه فشل. من المعلوم أن الجنرال ديغول كان قد أعلم صبيحة ذلك اليوم أنه سيلغي جلسة مجلس الوزراء المقررة في الاليزيه كما هو معتاد. ثم اختفى بعدئذ كليا. فماذا حصل بالضبط يا ترى؟ هذا ما يرويه لنا المؤلف بشكل قصصي، خيالي، مليء بالتشويق. يحصل ذلك كما لو أنه يكتب رواية بوليسية، وفيها يكشف لنا المؤلف عن الكثير من الجوانب النفسية والأدبية للجنرال ديغول.

فكل فصل من فصول هذه الرواية يفتتحه المؤلف ببعض الأبيات الشعرية التي كانت عزيزة على قلب ديغول والتي كان يترنّم بها بين الحين والحين. ويبدو أنه كان محبا للشعر والشعراء الذين كان يستشهد بهم أكثر من غيرهم هم: بودلير، أراغون، فيكتور هيغو.

وأحيانا كثيرة كان يستشهد بأبيات للفيلسوف الألماني نيتشه. ثم يردف المؤلف قائلاً: لكن لنعد إلى مايو 1968 وقصة الثورة الطلابية والعملية العارمة التي كادت أن تطيح بالجنرال ديغول. ماذا فعل بعد أن قطع اتصاله بقصر الاليزيه وجميع المسؤولين وعلى رأسهم جورج بومبيدو رئيس الوزراء؟

لقد استقل طائرتين من طائرات الهليكوبتر هو وزوجته وبعض معاونيه واتجه نحو مقر قيادة القوات الفرنسية في مدينة بادن الألمانية. من هنا عنوان الكتاب: الهرب إلى بادن. ومعلوم أن فرنسا كانت لا تزال تحتفظ آنذاك بقوات عسكرية كبيرة في ألمانيا مثل أميركا وروسيا وذلك بعد هزيمة النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان قائد هذه القوات جنرال فرنسي مشهور يدعى جاك ماسّو.

وقد فوجئ هذا الأخير بالزيارة المفاجئة ولم يكد يصدق عينيه عندما رأى الجنرال ديغول ينزل من طائرة الهليكوبتر ويتجه نحو بيته. وبعد أن قدم له التحية العسكرية بصفته رئيسا للجمهورية وقائدا أعلى للقوات المسلحة الفرنسية اتجه معه إلى مكتبه.

وهناك تهالك الجنرال ديغول على أحد المقاعد وقال لجاك ماسّو: فرنسا خربت يا ماسّو! كل شيء انتهى... لقد فلتت الأمور من يدي، ولم أعد أعرف ماذا أفعل. هل أستقيل أم لا؟ ودخل الجنرال ديغول في مونولوغ طويل عريض وكأنه يتحدث إلى نفسه.

فأجابه قائد القوات الفرنسية في ألمانيا: سيدي الجنرال. أنت قائد البلاد ولا تستطيع أن تتخلى عنها وهي في عين العاصفة! ماذا سيقول الناس عنك؟ الجنرال ديغول يهرب في وقت الشدةّ! هل هذا معقول؟ أنت الذي أنقذت فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية وفي ظروف أقسى بكثير مما عليه الآن، هل يمكن أن تنهزم أمام مجموعة من الأولاد والزعران في شوارع الحي اللاتيني ومنطقة السوربون؟ مستحيل.

أنت الجنرال ديغول الذي واجه كل الظروف المرعبة والأحداث المأساوية هل يمكن أن تصبح ضعيفا أمام ثورة طلاب متمردين؟ غير معقول. ثم أردف جاك ماسو قائلا: مكانك في فرنسا يا سيدي الرئيس. وينبغي أن تعود إلى البلاد لكيلا تنهار الأمور كليا. ينبغي أن تعود قبل أن يعرف زعران الحي اللاتيني بأنك هربت والباخرة تغرق. فأنت قائد البلاد في الظروف الصعبة وعلى كاهلك تقع المسؤولية العليا.

ثم يردف المؤلف قائلا: الشيء الغريب العجيب هو أن الجنرال ديغول استمع إلى كلام أحد جنرالاته القاسي دون أن يرف له جفن ودون أن يعترض أو يحتج. ثم فجأة ينهض ويقول له: معك الحق. اذهب وقل لهم ان يحضروا الطائرة للعودة، ثم قل لزوجتي أن تجيئ لكي أتحدث معها. وهذا ما حصل.

وعندئذ قرر الجنرال ديغول أن يواجه الأمور بكل حزم فور عودته إلى باريس، أو بالأحرى إلى قريته الصغيرة كولومبي لودوزيفليز. فهناك، في الهدوء والوحدة والصمت، راح يحضّر الخطاب الشهير الذي سيوجهه إلى الشعب الفرنسي ويضع حدا للأزمة بعد أن استفحلت كل الاستفحال.

وفيه قال ما فحواه: كفى تخريبا وتمردا على سلطة الدولة. كفى تعطيلا للمرافق الحيوية في فرنسا. لن أنسحب من الحياة العامة ولن أقيل رئيس الوزراء. وأنا سأعيد هيبة الدولة إلى سابق عهدها. وسوف أحلّ البرلمان وأدعو إلى انتخابات جديدة مبكرة. ثم ضرب بيده على الطاولة بكل قوة وبدت عليه امارات الحزم والعزم.

وعندئذ هدأت الثورة الطلابية في شوارع باريس وأزيلت الحواجز والمتاريس. وراح ديغول بقدرة قادر يسيطر على الوضع بعد أن كاد زمام الأمور أن يفلت من يده. ثم نزلت مظاهرات ضخمة في الشارع ولكن لصالحه هذه المرة ولتأييده ودعمه وليس ضده كما فعل الطلاب طيلة شهر تقريبا.

لقد نزل الناس بمئات الألوف في شارع الشانزليزيه وسواه وهم يهتفون بحياة الجنرال ديغول. ثم جرت الانتخابات النيابية وربحها أنصاره بنسبة ضخمة لا سابق لها. وهكذا انقلبت الأوضاع من النقيض إلى النقيض.

فبعد أن كان النظام على حافة الانهيار وبعد أن فقد ديغول توازنه في لحظة ما عاد لكي يسيطر على الساحة الفرنسية من جديد. وأثبت مرة أخرى أنه قائد تاريخي لا يشق له غبار. نقول ذلك على الرغم من أنه كان قد أشرف على الثمانين ولم يبق له إلا سنة ونصف السنة أو سنتان لكي يعيش.

ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: ولكن لماذا ذهب في عزّ الأزمة إلى عند قائد القوات الفرنسية في ألمانيا؟ هل لكي يطلب معونته وإنزال الجيش إلى الشارع إذا لزم الأمر؟ يبدو ذلك. لقد أراد أن يتأكد مسبقا أن الجيش سيسانده إذا ما اتخذ هذا القرار الخطير في آخر لحظة.

وعندما رأى حماسة الجنرال جاك ماسّو له عاد وهو واثق من النصر. نقول ذلك على الرغم من أن هذا الجنرال اختلف معه سابقا وبعنف بخصوص الجزائر لأنه كان ضد استقلالها آنذاك كمعظم جنرالات الجيش الفرنسي. وقد اضطر ديغول إلى إقالته لفترة من الزمن آنذاك بعد أن حصلت بينهما ملاسنة كلامية عنيفة في قصر الاليزيه.

ولكن هذا الموضوع كان قد أصبح وراءهما بعد أن انتهت قصة الجزائر واستقلت وأصبحت المشكلة في ذمة الماضي الآن. ويبدو أن جاك ماسو كان يخاف من ديغول في كل مرة يقابله فيها. والواقع أن هيبة قائد فرنسا الحرة كانت تفرض نفسها على كل شخصيات فرنسا كبيرها والصغير. ولكن جاك ماسو تجرأ هذه المرة وخاطبه بقوة من موقع الند للند تقريباً. وكان أن استفاق من غيبوبته وعاد إلى السيطرة على نفسه من جديد.

*الكتاب:الهرب إلى بادن

*الناشر:رامسي ـ باريس 2006

*الصفحات: 282 صفحة من القطع المتوسط

La fuite à Baden

Ramsay- Paris 2006

P . 282