لقد كان من تداعيات الحرب الأميركية على العراق ظهور ألوان الطيف العراقي بشكل لم يكن جلياً من قبل، وتم وضع الفسيفساء العراقية سياسياً ودينياً وعرقياً تحت المجهر. في هذا الكتاب يعود الدكتور صلاح سليم هروري ـ الأستاذ بجامعة دهوك، والباحث المتخصص في التاريخ الكردي، وصاحب الأعمال الهامة في هذا المجال .

مثل: إمارة بوتان في عهد الأمير بدرخان، و في كردستان كانت بداية الزراعة، وانتفاضة ساسان- بالذاكرة إلى تاريخ الكرد والأسر الكردية العريقة التي كان لها السبق في الدفاع عن القضية الكردية، ومنها الأسرة البدرخانية التي شغلت مكانة مهمة في التاريخ الكردي، وتركت بصمات واضحة على الحركة الكردية بنضالها السياسي والفكري، واحتل بعضهم المكانة الأولى بالصفوف.

وقد تمتعت تلك الأسرة بمكانة كبيرة في كردستان، حيث لم يكن البدرخانيون أمراء يدافعون عن أراضيهم فحسب بل مثقفين وطنيين مؤمنين بعدالة مطالبهم في شكل يوازي كفاح الشعوب الأخرى. تعود تسمية الأسرة البدرخانية إلى اسم الأمير بدرخان بن عبدال خان الذي حكم إمارة بوتان في المدة 1821- 1847م.

حيث وصلت حدودها إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً. وقد اجتاحتها القوات العثمانية في يوليو 1847م، واستسلم الأمير وتم نقله إلى اسطنبول ومنها إلى جزيرة كريت بالبحر المتوسط، وفي عام 1866 سمحت له السلطات العثمانية بالعودة إلى دمشق حيث توفي بها عام 1869.

لقد كان للحرب الروسية العثمانية (1877- 1878) أثر كبيراً على الأسرة البدرخانية التي انغمس معظم أفرادها في الحرب تحت ضغط الدولة العثمانية بدواعي الجهاد، مع سوء الأحوال الاقتصادية للشعب مما دفع الأكراد إلى التمرد على السلطة العثمانية عام 1878 والاستيلاء على مدينة الجزيرة.

إلا أن القوات العثمانية استطاعت السيطرة على الوضع وهزيمة التمرد وأسر قادته عام 1889. وفي عام 1908 قاد حزب الاتحاد والترقي انقلاباً سياسياً في تركيا، وأقر مبدأ المساواة بين الأقليات، وسارع الكرد إلى تأسيس تنظيمات ذات هوية خاصة بهم.

كما حاول السلطان عبدالحميد الثاني استمالة بعض أفراد الحركة الكردية ومنهم أمين بدرخان بتعيينه مفتشاً للعدل في المدن التركية (اسطنبول ـ أنقرة ـ سالونيك ـ اسبارطة)، إلا أنه استمر في نضاله من أجل استقلال كردستان. وفي هذه الأثناء قام البدرخانيون بإصدار مطبوعات مثل: جريدة «أوميد» باللغتين العربية والتركية في مصر عام 1900، وجريدة «دروشاك»، وجريدة «كردستان».

وقد هاجمت تلك المطبوعات سياسة السلطان وحكومته مما أدى إلى تحديد إقامة عبدالرزاق بدرخان وشاميل بدرخان في طرابلس بليبيا حتى عام 1910. وقد استمر الكرد في استغلال مناخ الانفتاح والتسامح في بدايات حكومة الاتحاد والترقي، وتم تأسيس جمعية «التعاون والتقدم» الكردية في اسطنبول عام 1908، والتي كان مؤسسوها من كبار الأسر الكردية (البدرخانيين- الشمنديين- البابانيين)، وجمعية «نشر المعارف الكردية» عام 1809 والتي تبعها إنشاء المدرسة الكردية في اسطنبول.

ومع هزيمة تركيا في حرب البلقان مع بلغاريا واليونان والجبل الأسود عام 1913، وأمام إيطاليا عام 1911- 1912، استلم حزب الحرية والائتلاف الحكم عام 1913، وقد أيده قادة وزعماء الكرد وأسسوا جمعية «الأمل»، ومنهم واصف وصالح بدرخان. وبعودة الاتحاديين إلى الحكم ثانية بدأت قيادة الأكراد بالتحول نحو روسيا للحصول منها على اعتراف ومساعدة في تكوين إمارة كردية.

وسافر يوسف وكنعان بدرخان إلى تبليس- جورجيا لمعرفة الموقف الروسي. وعام 1913 قامت انتفاضة «بدليس» وحاولت السلطات التركية عسكرياً وديبلوماسياً فضها ولكنها فشلت في ذلك، وقد كان للدور الروسي أثر كبير في استمرارها، ومع قيام الحرب العالمية الأولى وإعلان الحرب على روسيا، استخدمت تركيا قوتها الضاربة في فض الانتفاضة ولجأ زعماؤها إلى الاحتماء في القنصلية الروسية في «بدليس»، إلا أنه تم القبض عليهم وتم إعدامهم فوراً.

وقاد عبدالرزاق بدرخان الحركة الكردية مطالباً بحكم ذاتي لمنطقة «بوتان»، وبدعم وحماية من روسيا بدأ التحرك، حتى ضد رغبة بعض القيادات الكردية، وعقد مباحثات تمهيدية مع الجانب الروسي، إلا أن قيام الحرب العالمية الأولى وملابساتها قد عرقل مشروع الثورة ضد الحكم التركي.

وقد رصدته المخابرات التركية وانتظرت حتى نهاية الحرب وتم القبض عليه في مدينة «رواندوز» وتسليمه إلى قائد الفيلق السادس التركي بالعراق، ونفذ فيه حكم الإعدام سراً بالموصل دون محاكمة. ثم يتحول بعد ذلك المؤلف إلى مرحلة ما بعد الحرب حيث أضحت اسطنبول مكاناً لنشاط النخبة السياسية الكردية، وساهموا في تأسيس وتنشيط الأحزاب والجمعيات وإصدار المطبوعات.

وقد ذهبت الوثائق البريطانية إلى درجة تأسيس دولة كردية في ولاية «ديار بكر» تحت حكم أحد أعضاء الأسرة البدرخانية، وتحديدا أمين بدرخان الذي كان له، ومعه أبناؤه ثريا وجلادات وكاميران، دور كبير في الحركة الكردية، كما كان خليل بدرخان من أقطاب تلك الحركة في «ملاطة» و»تفليس».

كما قدم يوسف بدرخان عام 1918 خطة للحكومة البريطانية لإقامة دولة كردية تمتد من كردستان إيران حتى ديار بكر. ويستعرض الكتاب دور البدرخانيين السياسي والثقافي خلال الفترة (1927- 1943) حيث شارك العديد منهم في تأسيس جمعية «خويبون» عام 1927، والتي يعتبرها البعض من أهم التنظيمات السياسية التي طرحت مفهوم القومية الكردية خلال فترة نشاطها الممتد حتى عام 1946، وقد سعت تلك الجمعية إلى إنشاء كيان كردي مستقل في جبال «آرارات» (آكري).

وقد نجحت تلك الجمعية في تأسيس تنظيم واحد يضم عدداً من الجمعيات التي كانت على وشك الاختفاء، كما تمكنت من إيصال الصوت الكردي إلى الولايات المتحدة وأوروبا عن طريق ثريا بدرخان الذي وصل إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1928 حتى عام 1930، وأصدر كتاباً حول القضية الكردية في تركيا، كما واصل جولاته في العواصم الأوروبية والآسيوية لشرح القضية الكردية.

كما ساهم جلادات وكاميران بدرخان بالعمل الثقافي لخدمة المطالب الكردية فقاما بإعداد الأبجدية الكردية، وإصدار مجلة «هاوار» عام 1932، ونشر العديد من الكتب السياسية والأدبية مثل: رسالة إلى رئيس جمهورية تركيا، وحول المسألة الكردية، الأمثال الكردية، ونسر كردستان، ودروس في الشريعة، وثلوج النور. كما استطاع البدرخانيون جمع السياسيين والمثقفين الكرد الذين لجأوا إلى سوريا عقب انتهاء انتفاضة «آرارات» في مجلة «هاوار» والتي أصبحت لسان حالهم في سوريا.

وفي الجزء الأخير من الكتاب يرصد المؤلف نشاطهم السياسي والثقافي في الفترة (1943- 1950)، حيث تركت أحداث وتطورات الحرب العالمية الثانية آثارها على الكرد مما دفعهم لتصعيد نشاطهم للمطالبة بحقوقهم القومية. وبادر الوطنيون الكرد إلى التقرب من القوى الدولية للحصول على مساندتها في ذلك.

حيث اقترب بعضهم من بريطانيا التي دعمت هذا التوجه لخدمة مصالحها السياسية، مما ساعد الكرد للاندفاع نحو إقامة علاقات معها. ومنهم جلادات بدرخان في دمشق وذلك بالاستفادة من دعمهم في نشر الثقافة والوعي بين الأكراد، فأصدر مجلة «ناهي» بالإضافة إلى مجلة «هاوار» وكلتاهما أكثرت من الحديث حول القوات البريطانية ونشاطها ضد قوات المحور.

وأصدر كاميران بدرخان جريدة «روزانو»، وجريدة «ستير» في بيروت بدعم مالي وفني من فرنسا، وبالتالي فقد كانت أخبار فرنسا وتاريخها وجيشها من العناوين الثابتة في هاتين الجريدتين. كما حاول جلادات الترشح لعضوية البرلمان السوري عام 1947 كممثل عن كرد الجزيرة، ولكن تم القبض عليه وأودع رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته في دمشق عام 1951.

كما أسس كاميران وعقب استقراره في باريس رئيساً لقسم اللغات الشرقية بجامعة السوربون، مركز الدراسات الكردية. وبشكل عام فإن الخلافات الكردية ـ الكردية، والموقف الدولي من القضية الكردية، وعدم نجاحهم في إقامة شراكة إستراتيجية مع قوى دولية محددة، من الأسباب الرئيسةً في محدودية الحركة الكردية فعلاً ونتيجةً، كما ان توزعهم جغرافياً على عدة دول وعدة قارات كان له دور كبير في عدم وضوح الطرح الكردي بشكل كافٍ.

محمد جمعة

*الكتاب:الأسرة البدرخانية : نشاطها السياسي والثقافي (1900 ـ 1950)

*الناشر:الدار العربية للموسوعات بيروت 2007

*الصفحات:240 صفحة من القطع الكبير