في كتابه عن دار الحافظ بحلب تحت عنوان «النوم» تطرق الباحث السوري وليد عبدالله زريق إلى دراسة النوم في المنظار الباراسيكولوجي، بين علم النفس وعلم الغيب، ليلج ذلك الصرح المظلم الذي زخرت أرجاؤه بغرائب أو عجائب، بعضها ينتمي لعالم الملك وبعضها ينتمي لعالم الملكوت. وليد عبدالله زريق متحصل على دراسات عليا في التربية وعلم النفس، وهو يعمل في دائرة التدريب المستمر الخاصة بالتوجيه النفسي.

واستعرض زريق في القسم الأول من كتابه «مفهوم النوم ومراحله وتفسير حصوله» وعن النوم كوضع يمر به الإنسان يعتبره المؤلف حالة جسدية وعقلية تغيب معها ردود الفعل نحو المؤثرات الخارجية، ولكن درجة غياب تلك الردود تختلف باختلاف هذه المؤثرات ودرجة اهتمام النائم بها وصلتها به.

وتطرق الباحث إلى المراحل التي يمر بها النوم ـ من خلال دراسة تموجات المخ ـ حيث تنطلق المرحلة الأولى من يقظة متراخية مصحوبة باستعداد نفسي للنوم وبنعاس يشكل طليعته، فتسترخي معه عضلات الرقبة وتتمايل، وهي مرحلة انتقالية بين اليقظة والنوم، أما المرحلة الثانية فتبدأ مع هدوء العينين وسكونهما، وهي تشكل بداية النوم الفعلي وتشغل نصف زمن النوم .

والمرحلة الثالثة فتمثل النوم العميق الذي لا تتخلله أحلام ويكون العقل فيها مرتاحاً إذ يغلف اللاوعي كل أفكار ومعلومات العقل. وعن المرحلة الرابعة يذهب الكاتب إلى أن النوم فيها يكون عميقاً حيث تكون الموجات فيها عالية وبطيئة وبنسبة ثابتة وبمعدل موجة واحدة في الثانية.

وفي هذا الصدد أشار المؤلف إلى مدة النوم الصحي والتي يرى أنها تتراوح بين 7 ـ 6 ساعات وأن هذه ضرورية لحصول التعويض في المخ والبناء في الجسد، إلا أن هذه المدة تتأثر مع التقدم بالسن، حيث أن تناقص النوم منذ الولادة وحتى عمر 20 يكون بطيئاً، بعد ذلك يثبت على حد معين ويستمر كذلك حتى عمر50 ـ 40

على حين يعود للتناقص بعد عمر 60 وربما زادت معه نسبة النوم خلال النهار. ومن جهة أخرى أشار الكاتب إلى المدة التي بإمكان الإنسان أن يحتفظ بيقظته خلالها دون نوم، فمن خلال التجارب التي أجريت تبين وجود أشخاص استطاعوا البقاء من دون نوم لمدة 264 ساعة.

ولكن بشكل عام تبين أن الإنسان وبعد انقطاع عن النوم يدوم 4 ـ 3أيام تظهر عليه أعراض مثل الهلوسة، وخداعات بصرية يدخل خلالها في خضم من الاعتقادات الخاطئة تترافق مع صعوبة في التركيز. ونقلنا زريق في القسم الثاني من الكتاب إلى «مآزق النوم وأشكال الاضطراب فيه»، مشيراً فيه إلى المطبات الممكن حصولها خلال النوم سواء على هيئة كوابيس أو فزع ليلي أو على هيئة سرنمة ـ السير خلال النوم ـ أو الأرق.

وقد صنفها المؤلف في ثلاثة أشكال، اضطرابات ترافق صعوبة الدخول في النوم مثل الأرق وبعض حالات الصداع التي لا تزول إلا بالنوم، اضطرابات تخص الاستيقاظ المتعاقب أو المبكر مع عدم القدرة على الاستمرار بالنوم، واضطرابات تقع أثناء النوم كنوبات الصرع الكبير أو نوبات الصرع النفسي الحركي مثل السرنمة، والتي أرجعها المؤلف إلى أسباب عضوية، نفسية، وبيئية.

وفي سياق آخر، تطرق الباحث إلى الوضعية التي يكون فيها العقل أثناء النوم، فوجود العقل مع الجسد في حالة اليقظة ليس كوجوده معه في حالة النوم، ذلك لأن درجة عالية من تراخي الانتباه تحصل بحيث يصبح العقل غير قادر على توجيه الأفكار أو حتى السيطرة عليها، فتسير على هواها.

ولكن رغم ذلك لا يمكن القول بنوم العقل في مثل هذه الحالة، ذلك لأن العقل بالشكل الكلي المطلق لا ينام، بحيث يرى الكاتب بأن العقل عقلان، مادي يتصل بالحواس ويتغذى من خلالها، فهذا ينام لمجرد توقف الحواس عن العمل، والمعنوي الروحي يتصل مع الروح الأولى التي تشع عنها ويجني معرفة من خلالها.

ومن ناحية أخرى، سلط زريق الضوء على أحوال الروح خلال النوم، مؤكداً أن الروح خلال النوم تنطلق إلى خالقها، فإما أن تقبض حيث تكون قد استوفت أجلها، وإما أن ترسل وتعاد محملة بأخبار يشاؤها الله، لقوله تعالى «الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» الآية 42 الزمر.

وحول منعكسات النوم يذهب الباحث إلى أنها تبرز في الحركات البطيئة للعين، تباطؤ نبضات القلب بحيث تغدو أهدأ تردداً وأبعد مسافة، انخفاض ضغط الدم، نقص في عملية إرواء الدم للعضلات المهمة كالكبد والكليتين، ضعف في نشاط الغدد وقلة إفرازها، ولا سيما الغدد الوجهية، جفاف الفم وقلة في رطوبة العين، النشاط النفسي من خلال الأحلام، وارتياح البدن ومعاودة أجهزته لنشاطها، وشفاء الاضطرابات النفسية كالصداع ذي المنشأ النفسي.

القسم الثالث «الأحلام والرؤى ونظريات في تفسير الأحلام»، استعرض فيه المؤلف مفهوم الحلم إذ يعتبره حالة روحية تصل الحالم بعالم الغيب أو بعالم اليقظة من خلال زمن مسحور يعيشه الحالم مع أحداث عادية أو خارقة أو غير مألوفة وربما حملت دلالات تنبؤية.

وعن مدته يقول الباحث ان الدراسات التي أجريت في هذا المجال أكدت ان مدة الحلم تتراوح بين 8 ـ 5 ثوان ونادراً ما تتجاوز ذلك، بعكس ما يعتقده الحالم، فزمن الأحلام أثناء النوم ليس كزمن المشاهدات في الحياة الدنيا، فالأول يتصل بعالم الغيب أو هو منه، بينما الثاني هو زمن من أزمنة العالم المشهود، إذ جاء قوله تعالى «وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون» الآية 47 سورة الحج.

وفي السياق نفسه، استعرض الكاتب خصائص الأحلام، فهي لا تتقيد بقوانين الزمان والمكان المعهودين، ولا تتوافق مع قوانين العقل الناظمة لحياة الإنسان في عالم اليقظة، كما أنها تتميز بخاصية النسيان وتأخذ الطابع السلبي في أغلبها، ويمكن قياسها بوحدة قياس الزمن العادي(الثانية)، وقد تكون أيضاً وسيلة إنذار مبكر وتؤدي دوراً استشراقياً أو تنبؤياً.

وتطرق زريق إلى دلالات الرؤيا الصادقة، واعتبرها من عطاءات الله لمن يشاء من خلقه وتخص ادراكات الروح في عالم الملكوت الذي ربما استجمت فيه خلال الليل، وتكون لمؤمن أو لغير مؤمن بحسب الشأن الإلهي في ذلك، من هنا كانت لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ولخليل الرحمن سيدنا إبراهيم، وليوسف عليه السلام وللسجينين اللذين كانا معه، ولعزيز مصر.

والقسم الرابع جاء بعنوان «التنويم المغناطيسي والتنويم الديني» وذهب من خلاله الكاتب إلى تعريف التنويم المغناطيسي كظاهرة سيكوفزيولوجية تكون من خلال حالة من اللا نوم وتشير لعلاقة واهنة بين العقل والجسد تحصل من خلال إيحاءات رتيبة ومنتظمة تؤدي لتضييق الوعي الظاهر واتساع الطريق أمام الوعي الباطن.

فمن خلال هذه العملية يمكن الولوج إلى خفايا أو سراديب العقل المنوم ونيل ثقته لدرجة أن المنوم لا يؤدي الاستجابة التي يطلبها المنوم، بعد أن تضعف عند المنوم عملية الضبط والربط وصحة أو استقامة التوجه، وهنا يتم الوصول إلى لا شعور المنوم.

وحول استخداماته، سلط المؤلف الضوء عليها في مجال التحليل والعلاج النفسي، وجاء بفوائد كثيرة مثل تخليص المنوم من كثير من الذكريات المؤلمة التي تتراوح أبعادها بين دقائق وسنوات، واستئصال الاعتقادات الخاطئة وتفنيد أخطارها وزرع اعتقادات صحيحة محلها، أو رسم استراتيجية حياتية جديدة تسهم في استقرار حياة الشخص المنوم، ذلك لأن ما ينطبع في الذاكرة يؤثر فيها، وتعددت استخداماته في مجالات أخرى.

وينقلنا الباحث إلى ما يسمى بالتنويم الديني، إذ يعتبره سلماً يرتقيه منوم حسن إسلامه وصدق إيمانه، فيتمكن بواسطته من الاطلاع على غيبيات يأذن الله بها وقد تكون مشمولة ضمن ما تعنيه الآية القرآنية «ذلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا».

وإن تنويماً أو ما يشبه ذلك يمكن أن يحصل في جلسات الخلوة أو في بعض جلسات الذكر الجماعي التي تصل إلى درجة الاستغراق التام في خصائص الذات الإلهية، من جهة ثانية يمكن تكراره في جلسات تحضير الأرواح. والفرق بين النوعين، أن التنويم الديني يجني معارفه من علم الملكوت من خلال سرحان النفس في ذلك العالم، أما التنويم المغناطيسي يحصل بفعل ايحاءات خارجية بقصد الكشف عن المكبوتات.

ناهد رضوان

*الكتاب:النوم : بين علم النفس وعلم الغيب

*الناشر:دار الحافظ ـ حلب 2006

*الصفحات:216 صفحة من القطع المتوسط