درس عز الدين المسكيري الحقوق والعلوم السياسية قبل أن يعمل مديرا في العديد من المؤسسات ما بين 1994 و2000، ثم قام بتأسيس وإدارة تحرير مجلة «المستهلك الجديد». له العديد من المؤلفات منها: «الكوبيون وإفريقيا» والهجرة و«تونس» و«دليل المغرب في باريس وفرنسا» و«المستهلك الجديد»... الخ.
«الاستهلاك الايكولوجي» هو مفهوم جديد يطوّره مؤلف الكتاب الذي يحمل هذا العنوان في مواجهة أنماط الاستهلاك السائدة والتي يوجه لها عدة اتهامات ليس أقلها أنها «تبعدنا في الواقع عن السعادة وعن أنفسنا وعن الآخر». لكن «الاستهلاك الايكولوجي»، على العكس «يسمح لنا بالجمع بين متعة الشراء وحماية البيئة واحترام الأجيال اللاحقة».
اختار المؤلف كتصدير لهذا الكتاب جملتين إحداهما للمهاتما غاندي، وتقول: «هناك تكفي ما يكفي من أجل سد احتياجات جميع البشر، ولكن ليس لتلبية جشع كل إنسان»، والأخرى للشاعر الفرنسي رونيه شار وجاء فيها: «إن ما هو جوهري يتعرض بلا توقف لتهديد ما هو تافه». تحت عنوان: «الاستهلاك والإيكولوجيا» يشير المؤلف إلى أن العالم ينتج اليوم خلال مدة تقل عن أسبوعين ما يعادل ما كان ينتجه خلال عام 1900 كله.
كما يشير إلى أن الإنتاج الاقتصادي يتضاعف كل 25 سنة. مثل هذه الحقائق أثارت خشية الأمم المتحدة كما بدا في تقريرها عن حالة العالم لعام 2005 إذ يؤكد على أن القرن الحادي والعشرين سوف يعرف مشاكل على صعيد مصادر المياه والطاقة كما على صعيد الغذاء. ثم إنه لا يمكن «استنزاف» الطبيعة بلا حساب ولا عقاب عبر الإفراط في الاستهلاك وتبذير الثروات.
وأمام المقولة السائدة في عالم التجارة وهي أن «المستهلك هو الأهم، فإن المؤلف يؤكد على أنه من الخطورة جعله مجرد وسيلة لزيادة النمو الاقتصادي، ذلك أن «الاستهلاك ليس مجرد تبادل تجاري وليس وظيفته فقط هي التقريب بين الاحتياجات وبين عرض للسلع والخدمات».
إنه أولا وخاصة موقف من حيث أنه يعني «خلق» أو «إعادة خلق» العلاقة البشر وعلاقتهم مع الطبيعة. ويرى المؤلف أنه أولا وخاصة موقف من حيث أنه من الخطأ الكبير الربط بين «رغبة الاستهلاك» و«بلوغ السعادة» لاسيما إذا كانت رغبة الاستهلاك نفسها «مصطنعة».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين سبعة فصول قصيرة. يؤكد المؤلف في الأول منها أن «نمطنا في الاستهلاك هو على صورة علاقتنا مع العالم ومع الآخر». ويشير إلى أن أصل فعل «استهلك» يعود إلى أكثر من 1000 عام، وكان يعني في الأساس «دمّر» و«أباد»، لكن انطلاقا من القرن السادس عشر أصبح يعني في أوروبا «دمّر عبر الاستخدام».
وتدريجيا عدا الاستهلاك هو «المحرّك» الأساسي لطريقة العيش في المجتمعات الغربية المتقدمة والمسماة أصلا بـ «المجتمعات الاستهلاكية» والتي أصبح كل شيء فيها «سلعة» وحتى الإنسان نفسه. ينقل المؤلف عن عالم الاجتماع الفرنسي الكبير جان بودريار ـ توفّى قبل حوالي شهرين ـ قوله: «أصبح الاستهلاك يشكل أخلاق عالمنا، وهو في طريقه إلى تدمير أسس الكائن الإنساني».
وفي إطار البحث عن تعدد وتنوع السلع يقول المؤلف أن صانع السيارات الأمريكي «هنري فورد» كان قد فهم منذ سنوات العشرينات في القرن الماضي أنه «من أجل الإنتاج أكثر ينبغي الاستهلاك أكثر». وهذا استدعى دمج أصحاب الأجور من العاملين في آلية عمل الرأسمالية على اعتبار أنهم عمّال وزبائن بنفس الوقت. وكانت سنوات ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا قد شهدت الحقبة المعروفة بـ «الثلاثينات المجيدة».
عرفت تلك الحقبة الانتقال من «امتياز الاستهلاك «إلى مفهوم الحاجة ومنه إلى مفهوم الضرورة ومن هذا الأخير إلى «شبه واجب الاستهلاك». هنا أيضا ينقل المؤلف عن جان بودريار قوله: «لو كان الاستهلاك مرتبطا بمفهوم الحاجات، فهذا كان يتضمن السير في سبيل تلبيتها وإشباعها لكننا نعرف أن المسألة ليست كذلك، إذ هناك رغبة للاستهلاك أكثر فأكثر».
الذهاب أبعد في «فهم الاستهلاك» خلق حالة من التفاوت الكبير بين بلدان الشمال الغنية وبلدان الجنوب الفقيرة. لكنه خلق أيضا أزمة داخل المجتمعات الاستهلاكية الغنية ذاتها. ويرى المؤلف أن المظاهرات العنيفة التي شهدتها فرنسا عام 1968 والمعروفة بـ «ثورة الطلبة» كانت في عمقها تعبيرا عن تلك الأزمة.
وفي عام 1973 برزت الأزمة الاقتصادية الكبيرة في العالم الغربي مع استخدام «قاموس جديد» خاص بالتضخم والبطالة والهشاشة والاستبعاد وإعادة البناء الصناعي، و«النمو الاقتصادي صفر». واعتبارا من سنوات التسعينات توضح «الشرخ الاجتماعي» ومع حلول العولمة تعممت لعبة اقتصاد السوق والمنافسة وإنما برزت في الوقت نفسه حركة احتجاج رفعت شعار: «العالم ليس سلعة».
لكن هل يمكن للاقتصاد أن يكون أكثر إنسانية؟ يتساءل المؤلف كي يؤكد مباشرة أن الاقتصاد قد نجح غالبا في أن يدمج بإطاره «مشارب أخرى» حتى لو كانت تتعارض مع «رؤيته التجارية». لكنه بكل الحالات، ومهما أخذ معارضيه بالحسبان، لا يغيّر أبدا من مفاهيمه الأساسية القائمة على زيادة الربح حتى أقصى درجة ممكنة من الربح والعمل دائما على زيادة الإنتاج والاستهلاك.
لكن أليس هدف الاقتصاد هو قبل كل شيء المساهمة في التنمية الإنسانية؟ يتساءل المؤلف من جديد. ويشير مباشرة إلى مدى ابتعاد مجتمعات الاستهلاك عن مثل هذه المساهمة. وينقل في هذا الإطار عن عالم المورثات والمفكر الإنساني الفرنسي الشهير البير جاكار قوله: «لقد ولّد الاقتصاد نشاطات لا وظيفة لها سوى تلبية احتياجات مصطنعة ومثيرة للسخرة غالبا وكارثية أحيانا، إن زيادة الاستهلاك تعادل في الحقيقة المخدرات.
الجرعة الأولى تثير الحبور لكن الجرعات التالية تؤدي إلى الكارثة بالتأكيد». ويكرس المؤلف في هذا الكتاب فصلا لما يسميه بـ «التجارة العادلة». ويحددها أنها تعني أولا مبادلات تجارية أكثر عدالة بين الشمال والجنوب . ويشير بداية إلى ذلك اللقاء الذي شاهدته مدينة باماكو عاصمة مالي في شهر يناير من عام 2006 وشارك فيه حوالي 000 10 شخص في إطار «المنتدى الاجتماعي العالمي».
كانت الشعارات المرفوعة تطالب بالسلام العالمي وبالتجارة العادلة. هكذا أصبحت التجارة هي الرهان الأول للعولمة، وأصبح مطلوب منها أن تكون «عادلة». تتم الإشارة هنا إلى منظمة «اوكسفام» غير الحكومية التي اقترحت منذ نهاية سنوات الخمسينات المنصرمة إقامة علاقة تجارية مع منتجي بلدان الجنوب مباشرة بحيث يتم ضمان مداخيل أفضل لهم. وكان ذلك بمثابة الإعلان عن ولادة مفهوم «التجارة العادلة».
بالطبع لم تلق تلك الدعوة لـ «التجارة العادلة» الاستجابة لدى الدول ولدى الشركات متعددة الجنسيات وإنما بالأحرى لدى ما يسمّى بالمجتمع المدني. وفي عام 1969 شهدت هولندة تأسيس أول متجر باسم «متجر العالم». وبعد 14 سنة قامت مؤسسة «ماكس هافيلار» التي عرّفها مؤسساها بالقول: «التجارة العادلة ليست منظمة للمساعدة على التنمية ولو بأفضل أشكالها.
وليست عنصر تشويش يقترح شروطا تجارية مصطنعة في السوق. إنها ليست خوري الكنيسة الذي يأخذ مكان التاجر (...). التجارة العادلة تلتزم بالعمل من أجل اقتصاد مستدام يكون فاعلا ويحترم الإنسان والبيئة في الوقت نفسه».
تقول الإحصائيات المقدّمة أن «التجارة العادلة» لا تمثل حتى الآن سوى 02 ,0 بالمائة من التجارة العالمية و1, 0 بالمائة من التجارة العالمية و1 ,0 بالمائة من التجارة بين أوروبا وبلدان الجنوب، أي ما تعادل قيمته أكثر من مليار يورو.
وأوروبا هي أكبر سوق لمنتجات هذه التجارة إذ تستهلك أسواقها 000 22 طن من منتوجاتها الغذائية الغذائية العالمية البالغة 000 58 طن، و80 بالمائة من القهوة «العادلة» موجهة لأوروبا وهناك حوالي 3000 منظمة في 20 بلداً أوروبياً التزمت بتشجيع التجارة العادلة.
أما المستفيدون منها مباشرة فيزيد عددهم عن 000 500 1 منتج في 60 بلدا بآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وتخص بطريقة غير مباشرة أكثر من 8 ملايين شخص. وهناك مؤشرات كثيرة تدل على أنها تتقدم باستمرار.
وفي المحصلة يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن هناك طريقة للاستهلاك والقيام بمشتريات مفيدة بالانسجام مع قناعاتنا الإنسانية ومسؤولياتنا. هكذا يتحدث عن «استهلاك أخلاقي» كمرادف لـ «الاستهلاك الإيكولوجي» الذي يأخذ باعتباره الإنسان ومصير الأرض كلها. وبالتالي يسمح بالمصالحة بين متعة الشراء والمشاركة في الخير العام وحماية البيئة. وقل لي ماذا تستهلك أقل لك من أنت.
*الكتاب:الاستهلاك الإيكولوجي
*الناشر: جوفانس ـ فرنسا 2007
*الصفحات :127 صفحة من القطع الصغير
La consommation écologique
Jouvence Edition-France 2007
721 .P
