(بدر شاكر السيّاب.. كنتُ شيوعياً) كتاب عبارة عن سلسلة مقالات كان نشرها الشاعر الرائد بدر شاكر السيّاب. في جريدة الحرية البغدادية عام 1959. تشكل اعترافات كانت نُشرت تحت العنوان نفسه باستثناء الحلقات الإحدى عشرة الأخيرة التي حملت كل حلقة منها عنواناً خاصاً بها من أصل أربعين حلقة.
أما معدُّ هذه الحلقات للنشر في كتاب فهو وليد خالد أحمد حسن الذي ورد اسمه داخل الكتاب وليس على غلافه. و تعد المقالات على الرغم من سبابها وهجومها الشرس على الشيوعيين العراقيين في تلك الفترة وثيقة مهمة من جوانب عديدة أولا كونها تمثل وثيقة سياسية لمرحلة في تاريخ العراق الحديث تمتد من حكم نوري السعيد إلى حكم عبد الكريم قاسم.
وثانيا وثيقة شخصية لتجربة الشاعر في الحزب الشيوعي العراقي وثالثا وثيقة تكشف جانبا مهما من شخصية السيّاب. وبدر شاكر السياب أحد أبرز شعراء حركة الشعر العربي الحديث (24 ديسمبر 1926-1964م) ولد بقرية جيكور جنوب شرق البصرة ـ العراق، درس الابتدائية في مدرسة باب سليمان في أبي الخصيب ثم انتقل إلى مدرسة المحمودية وتخرج منها في 1 أكتوبر 1938م، ثم أكمل الثانوية في البصرة ما بين عامي 1938 و1943م، ثم انتقل إلى بغداد فدخل جامعتها دار المعلمين العالية من عام 1943 إلى 1948م، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية.
ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته. له قصيدة بين الروح والجسد في ألف بيت تقريبا ضاع معظمها. وقد جمعت دار العودة ديوان بدر شاكر السياب 1971م، وقدم له المفكر العربي المعروف الأستاذ ناجي علوش.
وله من الكتب مختارات من الشعر العالمي الحديث، ومختارات من الأدب البصري الحديث، من دواوينه: (أزهار ذابلة) و(أساطير) و(حفار القبور) و(المومس العمياء) و(الأسلحة والأطفال) و(أنشودة المطر) و(المعبد الغريق) و(منزل الأقنان) و(شناشيل ابنة الجلبي).توفي عام 1964م بالمستشفى الأميري في الكويت، ونقل جثمانه إلى البصرة حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير.
أما معد الكتاب وليد خالد حسن فهو من مواليد بغداد عام 1959، نال بكالوريوس لغة فرنسية كلية الآداب جامعة المستنصرية، وحاصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث (فكر سياسي) كلية العلوم السياسية ـ الجامعة المستنصرية، نشر العديد من الدراسات والمقالات المؤلفة والمترجمة في العديد من المجلات العراقية والعربية، ويجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية وترجم عنهما أكثر من عشرين كتابا .
انتسب السياب في الثامنة عشرة إلى الحزب الشيوعي العراقي. ملأ استمارة الانتساب عام 1944 مع عمه من طريق أحد الشيوعيين الإيرانيين. ولكنْ لم تمض ثماني سنوات حتى انسحب منه لاعناً اللحظة التي أصبح فيها شيوعياً قائلا (إن خطر الشيوعية لا يقل عن خطر الاستعمار القذر.
وقد كان في وسعنا أن نتخلص من الاستعمار وجواسيسه وعملائه الخونة كنوري السعيد ورهطه ومن أحلاف كحلف بغداد مثلا فإننا لن نستطيع الخلاص من الكابوس الشيوعي والسيطرة الشيوعية إذا ابتلينا بها ) وكانت قصيدته الشهيرة «المومس العمياء» التي كتبها عام 1954 هي التي حملته على الانسحاب، بعدما وجد فيها الشيوعيون نزعة قومية عربية وعادوه من جرائها.
ولم ينتسب السياب الشاب او الفتى (حينذاك) الى الحزب الشيوعي «عقائدياً» أو ايديولوجياً، على رغم اطلاعه على بعض المبادئ الشيوعية، بل كان انتسابه كما يعبَر، ناجماً عن كرهه للظلم وحبه للناس وعطفه «على الفقراء والبائسين» وميله الى الخير والعدل.
وكان في ظنه ان «الشيوعية تنادي بالعمل للجميع والطعام للجميع وبالمساواة بين البشر»، وأنها ستحقق «الفردوس» الأرضي المفقود، فانخرط في صفوفها وناضل وتظاهر ووزّع البيانات وطورد، وهرب الى ايران ومنها الى الكويت. وكان اسمه السري في الحزب «جرير»... لكن الشاعر ما لبث ان اصطدم بـ «جدار» الشيوعية سياسياً وثقافياً ونضالياً، وراح يعادي الحزب ويكتب ضده، وخاض معه ما يشبه «المعركة» الصحافية.
وحاربه الشيوعيون ايضاً وكالوا له التهم وروّجوا انه «جاسوس» يتقاضى راتباً من جهاز التحقيقات الجنائية، وأنه بعثي وقومي سوري. لم يستطع بدر ان يتحمل تبعية الحزب او انحيازه الأعمى للاتحاد السوفييتي، ولا مساندة الشيوعيين العراقيين «الصفيقة والصريحة» للصهيونية. ويقول في هذا الصدد: «نعم لقد خدمنا الصهيونية وخنّا قضية أمتنا وقضية شعبنا...».
ويقول (إننا حين نسمي الشيوعيين المحليين (إخوان اليهود) فإننا بذلك نعلي من قدرهم، فهم ليسوا أخوانا لليهود، كلا، لم يرتفعوا إلى هذه المنزلة، وإنما هم خدم اليهود وعملاؤهم وجواسيسهم المجانيون والمأجورون أحيانا وعتلاتهم المسخرة) ويذكر كيف كان الشيوعيون يشتمون العرب والقومية العربية في مجالس الشراب، مشيدين بما يسميه «كفاح الأخوة اليهود».
ويكشف عن ان سكرتيرية الحزب الشيوعي العراقي تولاها يهوديان مرتين، هما يهوذا صديق وساسون دلال. ويقول: لو كان الشيوعيون يؤمنون بالله لشكروه على أنني أنشر مقالاتي ضده في جريدة الحرية التي تأبى تقاليدها رواية الفضائح الجنسية التي أعرفها عن الشيوعيين لأن مستوى الجريدة أرفع منها.
ويشبّه السيّاب الشيوعيين بالقرامطة والشعوبيين، أي الفرس الذين كان لهم نصيب كبير من الشتائم سواء كانوا فرساً قوميين أم شيوعيين من أتباع حزب تودا الذي تآمر بحسب الشاعر على الشعب عام 1952 حين حذرت جريدة شهباز الشيوعية الحكومة الإيرانية آنذاك من مؤامرة أميركية قذرة لقلب الحكم... فذكرت أسماء المتآمرين وفصّلت خططهم، مما أدّى إلى إعدام العديد من المواطنين ومن بينهم 732 ضابطاً شيوعياً.
ويمدح السياب الرئيس عبد الكريم قاسم من جهة، مثلما يمدح مكارثي في حملته على الشيوعيين الأميركيين التي أدّت إلى سجن المئات منهم في الخمسينات من القرن الماضي، فيقول: إن مكارثي أشرف بألف مرة من كثير من الذين يعتبرهم الشيوعيون قادة كباراً ومفكرين عظماء.
ولا يكتفي السياب بالهجوم على الأحزاب الشيوعية وعلى القادة الشيوعيين، بل يتعدى ذلك إلى الشعراء والأدباء الشيوعيين. هكذا يصبح ناظم حكمت شاعراً تافهاً وكذلك كونستانتين سيمونوف وبابلو نيرودا وصولاً إلى عبد الوهاب البياتي الذي يخصص له حلقة ساخرة شأن غيره من هؤلاء الشعراء يقول : لقد قرأت شعراً لكثيرين من الشعراء الشيوعيين من ناظم حكمت وبابلو نيرودا وأراغون وماو تسي تونغ والشاعر السوفييتي سيمونوف، فوجدته سخيفاً.
ولكنني كشيوعي وكعنصر في الحزب كنت ملزماً بالدفاع عن هؤلاء الشعراء والادعاء بأنهم أعظم شعراء العالم، وان شاعراً سخيفاً كناظم حكمت هو أعظم من الشاعر الإنجليزي العبقري ايليوت أو إيديث ستويل، فإيديث ستويل شاعرة دينية أما إيليوت فهو شاعر الموت والإقطاع والاستعمار العالمي.
ولكني بيني وبين نفسي كنت معجبا بإيليوت وإيديث ستويل غاية الإعجاب، بل إنني كنت معجبا حتى بالشاعر الألماني العظيم ريلكه الذي يتخذه نقاد الأدب الشيوعيون مثالا على الشاعر الرجعي المتشائم الذي يعبر عن آمال طبقة زائلة فلا يملك إلا أن يتشاءم بل ويتمنى الموت ولكن من يستطيع القول بأن ريلكه أعظم شاعرية وأكثر إنسانية وتقدما من سيمونوف أكبر شاعر سوفييتي معاصر؟
ويقول: لقد اتضح لي الآن سبب احتضار الشعر بل موته في البلدان التي تحكمها الأحزاب الشيوعية، إن الشيوعية والشعر ضدان لا يمكن أن يجتمعا بأية حال من الأحوال .ويضيف السياب موضحا : لو كان الحزب الشيوعي العراقي يؤمن بالشعب حقاً لما سحق مشاعره ومعتقداته وآماله سحقا، وراح يتعاون مع اليهودية العالمية في سبيل طرد الفلسطينيين من بلادهم وإعطائها لليهود.
ليكون موقفهم مماثلا لموقف موسكو، تتناسى ـ الوادي ـ كما يبدو، كيف ينظر الشيوعيون إلى الأدب، إنهم يعتبرونه محتوى بالدرجة الأولى وربما بالدرجة الوحيدة . أما الشكل، أما الأسلوب، أما الأخيلة، أما الصياغة، فتلك خرافات برجوازية سخيفة، إن كل فكرة ليست ماركسية لينينية ستالينية، فهي فكرة خاطئة وكل من عبر عنها فهو خاطئ.
أو ما رأيت ذلك اللغو السخيف الذي تنشره الصحيفة المناضلة ـ اتحاد الشعب ـ مترجما عن الشعر الصيني المعاصر ؟ لو لم تعتبر الجريدة ذلك لغوا شعرا.. وشعرا جيدا.. لما كلفت نفسها عناء نشره على القراء العرب الذين عرف تاريخهم عباقرة كأبي تمام والمتنبي والشريف الرضي، وعرف حاضره شعراء عباقرة كأحمد شوقي وعمر أبو ريشة ونزار قباني وأدونيس ويوسف الخال وبدوي الجبل وسواهم .
إن أعظم شاعر معاصر هو دون منازع الشاعر الانجليزي ت .س . ايليوت ولكنه عند شاعر رجعي يعبر عن آمال الطبقة الرأسمالية الزائلة على حد تعبير الشيوعيين . إنه يعبر عن أفكار دينية وفلسفية مثالية، فهو يعبر إذن عن أفكار رجعية خاطئة فشعره إذن خطأ في خطأ، وإذن فهو ليس شاعرا جيدا، كلا بل إنه ليس شاعرا على الإطلاق، بل إن الشيوعيين تمادوا في غيهم فوصفوه بأنه نظّام غير مجيد في نظمه.
ويرى السياب أن أعظم شاعر معاصر في الاتحاد السوفييتي هو بوريس باسترناك مؤلف الدكتور زيفاجو، لكنه ليس معترفا به كشاعر عظيم رسميا لأن قصائده ليست عن الكفاح وإنما عن الأزهار والبلابل والبحيرات، ولأنه من ناحية أخرى جاسوس وعميل حقير للرأسماليين الأميركان دعاة الحرب، بسبب ما جاء في روايته ـ الدكتور زيفاجو ـ من تبيان لسأمه وضجره رغم أنه يعيش في الجنة الشيوعية !!
وفي إشارة إلى محاولة الشيوعيين العراقيين عودته إلى صفوفهم وإصراره على حربهم قال السياب: إن الشيوعيين لم ييأسوا مني إلا بعد أن تم نشر سلسلة مقالاتي (كنت شيوعيا) بل بعد صدور المقالين الأولين أو الثلاثة من هذه السلسلة لم يكونوا يائسين مني.
فقد أرسلوا لي وسيطا ينصحني بالإقلاع عن نشر هذه المقالات، ومع أن مذكراتي قد انتهت بانتهاء هذا المقال، فلن أكف عن محاربتهم، سأنقد كتبا ودواوين شيوعية، وألخص كتبا ضد الشيوعية، وأنشر صورا قلمية لبعض الشيوعيين، فلا يفرح الرفاق بأن مذكراتي قد انتهت وأنهم استراحوا منها .
محمد الحمامصي
*الكتاب:بدر شاكر السياب .. كنت شيوعيا
*الناشر: منشورات الجمل - كولونيا 2007
*الصفحات: 255 من القطع المتوسط
