رواية «انقسام» عمل طال انتظاره طويلاً من مبدع الروايات الشهيرة «المريض الانجليزي» و«شبح أنيل» و«في جلد أسد»، ولكنه منذ اللحظة الأولى يبدو جديراً بهذا الانتظار، حيث نتابع على امتداده حياة تمتد عبر القارات وعلى امتداد زمن ليس بالقصير.
في هذه الرواية الجديدة، يعود المؤلف بنا إلى سبعينات القرن التاسع عشر من حيث الزمان، ومن حيث المكان إلى شمالي كاليفورنيا، قرب «جولد راش كانتري»، حيث نلتقي بأب وابنتيه المراهقتين آنا وكيلر، الذين يعملون في مزرعتهم بمساعدة شاب غامض يدعى «كوب». غير أن هذه الحياة العائلية تجتاحها حادثة قوامها العنف المريع، عنف اليد والقلب والتي تشعل النار في حياة الجميع.
تنقلنا الرواية من مدينة سان فرانسيسكو إلى الغرف الخلفية لكازينوهات نيفادا ومن ثم إلى رحاب المشاهد الطبيعية في جنوب فرنسا ووسطها. في هذا المكان من فرنسا، بكل سماته وخصائصه، تنغرس آنا في حياة كاتب ينتمي إلى زمن أسبق هو لوسيان سيجورا.
وقصة حياة هذا الكاتب التي تستقطب الاهتمام تضرب بداياتها في أوائل القرن العشرين وتدور حول «الحقيقة الفجة» لحياة آنا نفسها، الحياة التي خلفتها وراءها، ولكنها لا تستطيع أن تبتعد عنها أبداً، ومع انتقال السرد إلى الأمام وإلى الخلف في الزمان والمكان نكتشف كل شخصية من شخصيات الرواية وهي تفلح في إيجاد موطئ قدم لها في حاضر نُحت من الماضي نحتاً.
وخلافاً لما نتصوره من ارتباط الروائي الكندي ذي الأصل السريلانكي في أذهان القراء بالطابع المركب للأعمال الروائية، على نحو ما بدا بصفة خاصة في رواية «المريض الانجليزي»، فإن رواية «انقسام» هي رواية سهلة المنال، تواتي القارئ في يسر مدهش حقاً.
ولكننا ينبغي أن نلاحظ، على الفور، أن هذه السهولة في القراءة والتناول لا ترجع إلى بساطة موضوعها وحبكتها، وإنما ترجع إلى أن القارئ، ببساطة بالغة، يرغب في قراءة هذه الرواية. تسرد الرواية من وجهات نظر متراوحة، وقد يبدو السرد لأول وهلة عملاً صعب الانجاز والمتابعة، ولكن خبرة أونداتجي وبراعته يحولان دون التمزق القاتل الذي كان يمكن أن يصيب الرواية من جراء تبني هذه الطريقة في السرد.
ولقد سبق أن رأينا أن الرواية تبدأ في شمالي كاليفورنيا في سبعينيات القرن العشرين، حيث البطل رجل هادئ فقد زوجته وهي تضع صغرى ابنتيهما آنا وكلير، ويعمل مع ابنتيه في مزرعته بمعاونه الشاب الغامض «كوب» الذي تبناه الأب بشكل أو بآخر.
غير أن هذه الحياة الهادئة لم يُقدر لها أن تستمر طويلاً، فقد انزلق كوب وآنا إلى علاقة آثمة، واكتشف والدها بمزيج من الاستفظاع والفزع حقيقة ما يجري، واندلع العنف كعاصفة هوجاء في المزرعة الصغيرة ، هرب آنا وكوب إلى الأبد، وقدِّر لهما ألا يرى أحدهما الآخر أبداً.
والظل الطويل، بل القوة الحاسمة، النابعة من هذا الحدث الرهيب سيقدر له أن يرتمي على حياة الثلاثة، أو بالأحرى على ما بقي منها، وهي الحياة التي يتابعها أونداتجي على مسار السنوات العديدة التالية. هكذا فإن القارئ يعايش إحساسا أولياً بالتمزق والانقسام، لكن هذا الإحساس يتبدد في مواجهة الارتباطات الموضوعية القوية بين ما ليس بأجزاء منقسمة على الإطلاق، وإنما بين ما يمكن أن نصفه بطبقات القصة التي تروي لنا على هذا النحو البارع.
وعنوان الرواية، الذي لم يتم اختياره عبثاً، يشير إلى اسم أحد شوارع سان فرانسيسكو والذي استمد من الكلمة الاسبانية التي تعني انقسام. وهذه الرواية، التي تجمع بين القوة والجمال، تدور حول انقسام هذه الحيوات الثلاث إلى جزءين، وهو تفرع يحدث عندما يكتشف والد آنا جلية الأمور التي تحدث في الظلام وينفجر غضباً.
وليس من قبيل الصدفة أن الناشر، الفريد نوف، يبادر، في معرض تقديم هذه الرواية التي طال انتظارها للقراء بالقول إنها تكشف لنا أسرار قصة ستظل عالقة طويلاً بذاكرتنا، حيث تتراوح أحداثها بين شمالي كاليفورنيا وجنوب فرنسا ووسطها، ونلتقي في غمارها بشخصيات تبدو لنا كأنما قُدِّر لها أن تصبح جزءا لا يتجزأ من حياتنا، وهي تجلب عبر 288 صفحة كل العناصر التي جعلت عالم أونداتجي الروائي يحظى بالإعجاب والتقدير.
وما كان يمكن لعمل روائي على قدر كبير من التميز على هذا النحو أن يمضي من دون اهتمام كبير من النقاد والقراء على السواء. ها هي مطبوعة «لايبراري جورنال» المتخصصة تبادر إلى الإشارة إلى أحدث روايات أونداتجي بقولها: «جنباً إلى جنب مع شخص يتشح بالغموض يدعى كوب، فإن آنا وكلير تساعدان أبيهما في مزرعته بشمالي كاليفورنيا، في حوالي عام 1970، إلى أن يقع حادث رهيب يدفع آنا إلى الهرب.
ومن المؤكد أنه ليس من قبيل الصدفة أن هذه الرواية التي انتظرها القراء ست سنوات كاملة دفعت المؤلف الكندي إلى الانطلاق بها في جولة عالمية من القراءات تشمل إحدى عشرة مدينة من كبرى مدن العالم». وفي ايجاز بالغ الروعة تبادر صحيفة «واشنطن بوست» إلى وصف رواية أونداتجي الجديدة بأنها: «شعر من الدخان والمرايا».
وبدورها تقول صحيفة «شيكاغو تريبيون» عن رواية أونداتجي هذه إنها: «مغامرة، لغز، قصة حب ورواية فلسفية في مجلد واحد.. أونداتجي روائي يحمل في صدره فؤاد شاعر». وتمضي مطبوعة «نيويورك تايمز بوك ريفيو» إلى القول عن هذه الرواية إنها: «حكاية مباهج عديدة وصرعة فائقة القوة، ولكنها تقوم على احساس ما يكل أونداتجي القوي بالاماكن والأزمنة النائية». ومن المؤكد أن عملاً بهذه القوة وذلك البهاء يجعل انتظار القراء الجديد مايكل أونداتجي ست سنوات كاملة شيئاً مبرراً حقاً
في الحديقة
«يجلس في الحديقة، ويرقبها، شعرها أطول، في بلادها. وما الذي تفعله؟ إنه يراها دوماً، يرى محياها، يرى جسمها. ولكنه لا يعرف ما هي مهنتها أو ما هي ظروفها، على الرغم من أنه يرى رد فعلها حيال الناس من حولها، ملاطفتها للأطفال، باب ثلاجة بيضاء خلفها، خلفية من سيارات تمضي من دون أن تخلف ضجة وراءها.
هذه موهبة محدودة تلقاها على نحو ما، كأنما تكشفها له كاميرا سينمائية، ولكنها هي وحدها، في صمت. إنه لا يستطيع رصد من هم بصحبتها، ولا حكمها على الأمور، فكل ما يمكنه أن يشهده هو شخصها واسترسال شعرها الفاحم، الذي ينسدل مرة فأخرى على عينيها.
الآن يدرك أنها سيكون لها على الدوام محيا يتسم بالجدية، فقد انتقلت من كونها امرأة في مقتبل العمر إلى كونها امرأة تحظى بمظهر ملكة، مخلوقة جعلت محياها يتفق مع رغبتها في أن تكون إنسانة من نوع ما. وهو يحب ذلك فيها، يحب فيها ذكاءها، والحقيقة القائلة إنها لم ترث ذلك المظهر أو ذلك الجمال».
*الكتاب: انقسام
*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007
*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط
Divisadero
7002.Y.N - fponK.A
p.288
