فور صدور رواية «انقسام» للروائي الكندي مايكل أونداتجي، بعد انتظار دام طويلاً من جانب القراء والنقاد على السواء، بادر بريان جونسون المحرر الثقافي بمجلة «هستوريكا» الكندية إلى إجراء هذا الحوار معه، حيث ألقى الضوء على أبرز ملامح الرواية الجديدة، مشيراً إلى الذاكرة باعتبارها جسراً يمتد في مواجهة تعقيدات الحياة.
وتحدث عن الإبداع ومقتضياته وفي مقدمتها ضرورة أن ينسى المبدع مجمل انجازه في غمار عكوفه على عمله الجديد، حيث أن من أبرز المشكلات التي يواجهها وعيه بنفسه وبجمهوره، وعدم تغلبه على هذه المشكلة المحورية قد يفضي به إلى آفاق الجنون أو التوقف الكامل عن الإبداع.
وفيما يلي نص الحوار:
* روايتك الجديدة «انقسام» عمل طال انتظاره سنوات عدة. ما هي أبرز ملامح هذا العمل من منظورك؟
ـ لقد حاولت في هذه الرواية أن أقدم للقراء من خلال مجموعة تستعصي على النسيان من الشخصيات عملاً متعدد الطبقات عن الحب والفقدان والماضي الذي لا سبيل إلى التملص منه، عن المتطلبات غير المتوافقة من جانب العائلة والحب والذاكرة التي تمتد في مواجهة حياة تزاد كل يوم تعقيداً. ومن منظوري فإنني أعتبر هذه الرواية أكثر رواياتي حميمية وجمالاً وقدرة على الاقتراب من القلب.
* في هذه الرواية، كما في العديد من أعمالك الأخرى، يبدو جلياً مدى فضولك حيال أمور بالغة التباين، ومنها الوظائف التي يقوم بها الناس، تفكيك القنابل، الجراحة، ومونتاج الأفلام.
ـ نعم، إنني فضولي حيال الكيفية التي تعمل بها الأشياء. كيف يتم إنتاج فيلم، كيف يحدث الشعر تأثيره في النفوس، كيف يتم تجميع أجزاء لعبة ما معاً. رواياتي تدور حول الجاز في نيوأورليانز، أو الحرب في سريلانكا، أو في إيطاليا. ولكنها تدور أيضاً حول تساؤلي: كيف سأتصرف في مثل ذلك الموقف؟
كيف سيتصرف الناس الذين أعرفهم؟ لقد قال سول بيلو: «إننا نكتب لكي نكتشف الغرفة التالية من مصيرنا». وبالنسبة للكتاب جميعاً، فهناك عنصر من التحقيق حول الذات ورسم ملامح الذات، وحتى في رواياتهم يفترض أنه لا يدور حولهم على الإطلاق.
* إنك تقول إن المونتاج هي المرحلة في العمل السينمائي الأكثر قرباً إلى فن الكتابة لماذا؟
ـ إنه الموضع الوحيد الذي تكون فيه على هواك، حيث تكون شخصاً وحيداً، وتحكم العمل الماثل بين يديك. والوقت الوحيد الذي تسيطر فيه على انجاز فيلم ما هو في مرحلة المونتاج.
* في غمار كتابة رواية، فإنك تبدأ بالقيام بالكثير من الأبحاث، وتنتهي بالكثير من إعداد المادة وتحريرها. هل هذه عملية لاستخلاص الرواية من المادة غير الروائية؟
ـ تلك طريقة مثيرة للاهتمام في النظر إلى هذا الأمر، باستثناء أنه في موضع ما من عمليه المزج هذه يتعين عليك القيام بقفزة ابتكار أو إبداع. وعلى سبيل المثال في كتابي بعنوان «في جلد أسد» قمت بالاشتغال على شيء حول المقدونيين في تورنتو، ولكنك بعد ذلك تحتاج إلى أداة روائية، إلى ابتكار شخصية باتريك الذي ينضم إليهم.
والمادة غير الروائية هي محتوى بشكل من الأشكال والتشكيل أو القالب هو الرواية. وأنا أجد أنه إذا حاولت الجلوس وكتابة الرواية من السطح، فإن المادة ستنفد مني بعد صفحة. وكل جزء من الكتاب الذي أقوم بتأليفه يبدأ بعالم مشتق من مادة غير روائية.
ثم تستدعي شخصية، شيئاً من نوعية (كيب) الذي يقوم بتفكيك القنابل في رواية «المريض الإنجليزي». فكل المادة الفنية موجودة هناك، ولكن حالته الذهنية، شعوره بالضيق، إحساسه بالشجن هو الذي يحسم ما الذي سيلتقطه الكاتب وما الذي سيتم إسقاطه من القصة.
* في كتابك «الحوارات» تسأل السينمائي والتر ميرش عما إذا كان النجاح أو الفشل يمكن أن يشوه الدروس التي يمكن للفنان أن يتعلمها. لسوف أعيد طرح هذا السؤال عليك.
ـ لكي تبدع يتعين عليك أن تبعد عن ذهنك مسار حياتك العملية. والمشكلة الكبرى هي كون المرء واعياً بنفسه وواعياً بالجمهور المتلقي، وأنت قد تصل إلى الجنون علي تلك الشاكلة، وإذا كنت ناجحاً فإنك تحس بقدر أقل من الخصوصية. وينبغي أن تعيش في بوتان وتكون ناجحاً في أميركا الشمالية. ربما كان ذلك هو الرد.
* هل سنرى فيلمين يقتبسان من روايتك «في جلد أسد» و«شبح أنيل»؟
ـ أبدى الناس اهتماماً بهذين الكتابين كليهما وأيضاً بكتاب «الخروج من المسلخ». وقد كانت لي تجربة واكبها الحظ في حالة «المريض الانجليزي». وليست أرغب في القضاء على المتوسط العام لي في هذا الصدد! وتتمثل إحدى مشكلات العمل في فيلم في أنك تعتمد على ذوق الجميع، وفي بعض الأحيان لا يكون ذوقهم راقياً. ويتعين عليك أن تكون سياسياً، يتعين عليك أن تكون قادراً على التفاهم والنقاش وأن تكون مرناً، مثل برتولد بريخت، وإلا فعليك بالانطلاق بعيداً وترك الأمر للذئاب!
* هل تأثرت رواياتك كثيراً بالسينما؟
ـ لست أعتقد أن رواياتي تأثرت كثيراً بالسينما، باستثناء الطريقة التي أقوم فيها بتحريرها. وعندما كنت أشتغل على فيلم وثائقي بدأت بالوعي بأن فن المونتاج أكثر تعقيداً في السينما من التحرير في الأدب. وكنت واعياً تماماً بمدى نشاط المونتير فيما يتعلق بالفيلم، فهذا الملمح من اللقطة الذي يستمر عرضه ثمن الثانية سيؤثر في الكيفية التي نشاهد بها شيئاً ما. وأنا أقضي ساعات وساعات في مراجعة قصيدة، ثم في غمار كتابة الروايات أقوم بالشيء نفسه، وهذا هو السر في أن الرواية تستغرق عامين في مراجعتها وتحريرها.
* هل تأليف كتاب عن فن المونتاج السينمائي هو أقرب مدى ستصل إليه في تحليل العملية الإبداعية لديك كروائي؟
ـ اعتقد ذلك، فلن أرغب أبداً في تأليف كتاب عن كوني روائياً، وهكذا فإن الأمر يصبح أقرب إلى الرمز. وقد كانت تلك فرصة بالنسبة لي لابراز جوانب من ذاتي، فأنا لست شخصاً يميل إلى التنظير، ولكن هناك عوامل من ذلك الجانب هنا.
* هل قام ميرش بـ «مونتاج» للصورة التي رسمتها له في كتابك «الحوارات»؟
ـ لابد أن الأمر كان أقرب إلى سيرك له أربع حلبات، فهناك محرران ووالتر وأنا. والكتاب لم يكن كتابي فحسب، وإنما كان كتابي مع والتر. وقد أجريت حوارات معه على امتداد ساعات وساعات، واضطررت إلى اختزاله من 1200 صفحة إلى 300 صفحة من الحوار. وعند منعطف ما من عملية إنجاز الكتاب قمنا كلانا بطرح أفكار وكتبنا بعض المواد، ولكن الكتاب بدا مفرطاً فيما يضمه من مادة مكتوبة.
* لقد أعدت كتابته لكي تجعله أقل اتساماً بطابع المادة المكتوبة؟
ـ نعم. كل هذا تزييف بأمانة! فأنا لن أرغب في قراءة كتاب مؤلف من 300 صفحة يضم حوارات بين شخصين ما لم يعكفا على الاشتغال عليه. فلا شيء يمكن أن يكون أكثر إثارة للضجر من مادة خام قدمها شخصان انغمسا في حوار في مقهى، فأنت يتعين عليك الارتفاع بمستوى الكتاب، وإضفاء المرح عليه، أو وضع شيء في المقدمة بينما هو قد وقع في النهاية.
* لماذا أعقبت روايتك «شبح أنيل» بعمل غير روائي؟
ـ إنني أجد من الصعب الانتقال من عمل روائي إلى آخر، وأحس بأنني قد استنفدت كل ما في أعماقي، وقمت باستخراج كل ما لديّ، وأحس بأنني ليست لدي كلمات أكتبها بالمرة. وبعد أول كتاب طويل قدمته وهو بعنوان «الأعمال الكاملة لبيلي ذاكيد» احتجت للقيام بشيء لا علاقة له بالكلمات، ولذا قمت بانجاز فيلم وثائقي عن الشاعر بي. بي. نيكول. وبعد ذلك قمت بانجاز فيلم وثائقي عن مسرح باس موريل ومسرحيته «استعراض المزرعة» وعلى نحو ما فإن كتاب «الحوارات» هو عمل وثائقي آخر.
محطات في مسيرة أونداتجي
* ولد الروائي الكندي مايكل أونداتجي في سريلانكا من أصول هولندية ـ تاميلية ـ سنهالية ـ برتغالية، وفي عام 1954 انتقل إلى انجلترا مع أمه، ومنها إلى كندا في 1962، ودرس في جامعة بيشوب، وحصل علي درجة البكالوريوس من جامعة تورنتو ودرجة الماجستير من جامعة كوينز في كنجستون بولاية أونتاريو، وقام بالتدريس في جامعات ويسترن أونتاريو ويورك وجليندون كوليج.
* أشتهر بأسلوبه الروائي غير الخطى الذي أطل به في روايته «الخروج من المسلخ» في 1976، وتملك ناصيته في «المريض الانجليزي» في 1992 ثم في «شبح أنيل» عام 2000 وأخيراً في رواية «انقسام» الصادرة مؤخراً.
* على الرغم من شهرته العالمية كروائي إلا أنه عرف أيضاً كشاعر وكاتب مذكرات وسينمائي قدم العديد من الأفلام الوثائقية والكتابات عن السينما.
* فاز أونداتجي بالعديد من الجوائز، أشهرها جائزة بوكر، جائزة كندا استراليا، جائزة حاكم كندا العالم عن روايته «المريض الانجليزي» التي حولت إلى فيلم فاز بالعديد من جوائز الأوسكار، وحظي بجائزة جيلر، جائزة ميدتشي، جائزة كيرياما للكتاب في حوض المحيط الهادي، جائزة آيرش تايمز للرواية، وجائزة حاكم كندا العام عن رواية «شبح أونيل». وفاز بجائزة كتاب مدينة تورنتو عن روايته «في جلد أسد».
* وفاز بجائزة الرواية الأولى في كندا عام 1976 عن رواية «الخروج من المسلخ». ونال وسام ضابط من طبقة كندا في 1988، وفي عام 1990 اختير عضوا شرفياً أجنبياً في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب.
