الدكتور محمد جمال مسلماني أستاذ جامعي سوري يقوم بتدريس نظريات وتاريخ العمارة في جامعة حلب وهو من مواليد مدينة حلب عام «1957». حصل على درجة دكتور مهندس في نظرية وتاريخ هندسة العمارة من جامعة الهندسة التقنية في درسدن بألمانيا عام «1989».

شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل سوريا وخارجها وكلها تدور حول الآثار والعمارة. وهو عضو في لجان الحكم على المشاريع والأبحاث المقدمة للحصول على درجة الإجازة الجامعية والدكتوراه في هندسة العمارة في جامعة حلب وجامعة درسدن الألمانية.

له العديد من الأبحاث والتراجم والمؤلفات العلمية منها: « نشاطات اقتصادية في مراكز المدن التاريخية، العمارة وحماية الآثار للحفاظ على التراث المعماري، صورة الثقافة الإسلامية في عمارة حلب، نظرية العمارة، معجم ومصطلحات العمارة ».

وفي كتابه الجديد «تاريخ العمارة» يُعرّف الباحث القارئ على جملة كبيرة من المباني محدداً فترة نشوئها وترتيبها حسب تسلسلها، ويُعرّف بماهيتها وكيفية استخدامها في عصرها والإطار الثقافي لها والأجزاء المادية والقيم الجمالية التي تتمتع بها.

وما هو وجه الاختلاف بينها وبين المباني الأخرى في نفس المجال الزمني الذي يعالجه معتمداً على العديد من الوسائل المصورة من خلال الرسوم المحددة بالمساقط الأفقية والواجهات أو المقاطع والعروض المجسّمة الثلاثية الأبعاد مقترنة بالوصف المساعد على الإحاطة بالمادة التاريخية المعمارية.

يتألف الكتاب من مقدمة وعدة عناوين. عن «عمارة المجتمعات البدائية» يتحدث الباحث عن إنجازات تلك المرحلة، التي امتدت عشرات الآلاف من السنين، بتوضيح طبيعة الكفاح الصعب والدائم ضد الطبيعة من خلال الآثار المادية. ومع مرور فترة التحضير هذه لم يتطور في أي موقع من العالم نظام لأشكال معمارية أو تزيينية تمكننا من إطلاق صفة طراز محدد لها.

ولكن على الرغم من ذلك فإنها لم تشكل أي عائق امام التطور التقني والفني للفترات اللاحقة أو تطرح تناقضات في هيئة الأعمال المعمارية التالية التي ظهرت مع تغير طبيعة المجتمع وشروط البناء. مع بداية عصر البرونز «2000 ـ 0001 ق.م»، وبشكل خاص في عصر الحديد المرحلة الاولى «1000 ـ 057 ق.م» والمرحلة الثانية «750 ـ 054 ق.م»، بدأت تتطور لغة وعالم اشكال خاصة للعمارة معتمدة كأساس لها على الخبرات المكتسبة في مجال الاستفادة من المواد المتوفرة وطبيعة إنشاءات العصور السابقة،

ساعد عليها تباين المجتمعات ونشوء نظام الطبقات والملكية الخاصة والاهتمامات الفردية وتوفير القوى العاملة اللازمة للبناء والتشكيل والتطور. ويؤكد الباحث بأن انجازات البناء منذ أقدم العصور في جميع أنحاء العالم وحتى بداية عصر الحديد تمثلت بالاشكال الرئيسية التالية:

1 ـ أبنية مواقع الحماية التي قدمتها الطبيعة ذات الشكل البيضاوي أو الدائري.

2 ـ أبنية بسيطة ذات مسقط بشكل مضلع شبه منتظم .

3 ـ اشكال ناتجة عن تأثير الشكلين السابقين في أمثلة المساكن الدائرية : المسقط حول ساحة مركزية نتيجة تأثير الشكل الاول، أو امثلة مجموع المساكن المتصلة التي تفصل بينها الشوارع الضيقة نتيجة تأثيرات الشكل الثاني. اما في عصر البرونز والحديد فقد حدث الفصل بين العمل المادي الفيزيائي والعمل الفكري الجسماني، وانتقل نشاط بناء الانسان البدائي تدريجياً من خلال تقسيم العمل الى نشاط ابداعي للانسان المختص قدم العمارة الفنية.

فنشأت مع بداية عصر الحديد أشكال هندسية منتظمة ومجموعات أبنية مميزة بالتناظر والايقاع المنتظم والتكوينات المختلفة والتفصيلات المتميزة للأجزاء الافرادية ساعدت على تفهّم دور البناء الطبيعية ودور الانشاءات المرتبطة بها كعناصر تزيينية وزخرفية اولية هامة للعمارة الفنية فيما بعد، وبشكل خاص في حضارات الشرق على ضفاف النيل والفرات ودجلة وشرق البحر الابيض المتوسط، والتي غزت انطلاقاً من هناك كامل انحاء العالم .

وعن «العمارة في بلاد النيل» يقسم الباحث الحضارة المصرية في العصور القديمة وسماتها العامة ومظاهرها وأهم منتجاتها الى عشرة عصور تمتد ما بين: العصر الحجري الحديث «5000 ـ 0004 ق.م» وحتى عصر نهاية الأسر «716 ـ 233 ق.م» الأسرة «25 ـ31 » ومن خلال بقايا المدن المصرية المأهولة سابقاً يلخص الباحث بعض الاستنتاجات عن منشآت المدن المصرية :

1ـ إقامة المباني وبناء الشوارع وفق الاتجاهات الرئيسية، فالمساكن والقصور باتجاه الشمال والمعابد باتجاه الشرق.

2 ـ التأكيد على أهمية الموقع وارتباط ذلك بأفكار دينية وفلسفية. فمواقع مدن السكن الهامة تكون غالباً باتجاه شروق الشمس التي ترمز للحياة وتتمركز شرق النيل، في حين تقع المدن الفقيرة والمخصصة للعمال على الضفة الغربية بجهة غروب الشمس.

3 ـ المسقط الأفقي للأبنية مستطيل أو مربع الشكل، وتحديد كامل الموقع بحيث يقترب من أحد هذين الشكلين.

4 ـ نظام الشوارع غالباً متعامد الزوايا من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب، كما وجد التخطيط المركز.

5 ـ حددت الاشكال المنظمة والمنطقة المقدسة المسورة ومواقع سكن العمال والملوك منذ عصر ما قبل الأسر وفي عصر الفراعنة بنية المدينة.

6 ـ تطور نموذج الفناء للمسكن بشكل كامل.

7 ـ إدخال المياه الى المدينة المصرية من خلال الأقنية المتفرعة عن النيل والبحيرات الاصطناعية والبحيرات المقدسة لأهداف الري والتزيين ولأسباب دينية. واعتبر الماء مادة أولية يوفرها النيل في بعض الفترات للفيضان والتسبّب بالشر والمصائب.

8 ـ تجاوز تأثير تخطيط المدينة حدود الدولة، حيث أثر فيما بعد على الفلاسفة الإغريق عبر العلاقة مع مصر، والتي انعكست بدورها على طبيعة بناء المدن الإغريقية. وعن العمارة في بلاد الرافدين يقسم الباحث مراحل تطور حضارة بلاد الرافدين الى عشر مراحل وفقاً لتسلسلها الزمني والسمات الاجتماعية والسياسية التي ميزت كل فترة تاريخية وما نتج عنها من مظاهر في حقل العمارة وما رافقها من منتجات حضارية اخرى.

تبدأ هذه الحضارة من عصر تطور الثقافات «5000 - 0082 ق.م» وتقسم الى ثلاثة عصور: عصر حسونة «5000 - 0052 ق.م»، عصر العبيد «3500 ـ 0023 ق.م»، عصر أوروك «3200 ـ 0082 ق.م» وتنتهي بالمملكة البابلية الجديدة «625 ـ 935 ق.م» ومن ثم المملكة الفارسية. ويتحدث الباحث عن السمات العامة لمدن بلاد الرافدين فيشير الى ان المدينة الرافدية مركز متحضر يوازي في الاهمية الحضارات الشرقية الاخرى.

ابتدأت من نظام القرية الى السوق فطابع العبادة ومن ثم التحصين، وأدى نشاط الحرفيين والتجار الى تحديد وإبراز مناطق هامة في المدينة ومعها الى التنظيم والتخطيط. وعلى الرغم من طابع المدينة المتأثر بشروط البناء غير المعمرة.

إلا أنه يمكن تتبع سمات المدينة في مرحلتين اساسيتين: المرحلة السومرية، ومن ثم المرحلة الآشورية والبابلية. وعلى الرغم من وجود بعض الحالات الاستثنائية، إلا ان المدن الرافدية غالباً ما تكون منشآت مركزية ويمكن معها استنتاج نوعين اساسيين من المخططات في تكوين المدينة :

أ ـ نظام البناء المسيطر: يقوم على وضع العمارة العامة الضخمة والمجسمة مقابل العمارة الخاصة من خلال إبراز التباين في المقياس، النسب، الأهمية، المساحة، مواد البناء والتفصيلات وغيرها.

ب ـ تيراسات المدينة: ذات اصل طبوغرافي فيها يصبح شكل المستوى المنبسط رمزاً للمدينة، ويؤدي جزء منها وظيفة موقع للتجارة. اما مركز المدينة فيشتمل على مجموعة المعابد والزيقورات (أبراج العالم) كرمز للاقتراب من الفضاء والسيطرة .

الشوارع والحارات ضيقة بعرض متوسط «5, 2م»، وفي حالات استثنائية استخدمت الشوارع كطريق حركة مفتوح ومنظم، وتقوم الشوارع بوظيفة الربط بين خلايا السكن او بين النهر والميناء ومركز الادارة في المدينة او الى منطقة المعابد. المساكن ذات طابق واحد أو طابقين وتتضمن تيراسا للسطح وفناء داخلياً .

وعن العمارة في سوريا يقسم الباحث مراحل تطور الحضارة السورية من العصر الحجري القديم «000 100 - 000 01 ق.م » وحتى فترة شعوب البحر وحكم الفرس ( العصر الجديد ) «1200 - 333 ق.م» ويتحدث الباحث بإسهاب عن العمارة السورية ويأخذ عمارة الآراميين «1000 ق.م» كنموذج لها وقد تميزت بأنها تابعت تقاليد البناء التي عرفتها هذه العمارة من خلال المظاهر التالية :

1ـ تميزت القصور الآرامية بالوحدة في مجموعة البناء والتنوع في التفاصيل .

2 ـ ارتباط الفناء مع القصر ضمن وحدة في التصميم

3 ـ مجموعات التحصين والبوابات الضيقة .

4 ـ استخدام تماثيل الآلهة على حيوانات منحوتة من الحجر بدلاً من الأعمدة .

5 ـ غزا فن النحت العمارة من خلال الاعمال الضخمة أو النقوش التي توضح مواضيعها تفاصيل صور الآلهة والملوك .

6 ـ تكرار نموذج بيت هيلاني في الابنية المختلفة الوظائف مثل القصور والمعابد .

7 ـ التشابه في السمات مع نماذج عمارة الميتانيين والحثيين نتيجة تأثيرات الموقع .

8 ـ انتشر في العديد من المواقع من الشمال قرب انطاكية وتل حلف وفي حماة التي كونت موقعاً متميزاً لهم وفي دمشق ايضاً.

د. وانيس باندك

*الكتاب: تاريخ العمارة

*الناشر:دار الرضوان - حلب 2006

*الصفحات:254 صفحة من القطع الكبير