جوان جان كاتب وناقد مسرحي سوري، أمين تحرير مجلة «الحياة المسرحية» . له من المسرحيات:المعطف،نور العيون، خطبة لاذعة ضد رجل جالس، حكاية المولود الجديد، ومونودراما ليلة التكريم. وفي النقد المسرحي صدر له: وراء الستار، ومسرح بلا كواليس.

في كتابه (قراءات في النص المسرحي السوري) يبرر بأن النصوص المدروسة والمنتقاة للدراسة ليست هي أفضل ما كتبه المسرحيون السوريون، لأن التطرق لأعمال الجميع وفي كتاب واحد أمر في غاية الصعوبة. لذلك فقد وقع اختياره على دراسة نصوص لوليد فاضل، وعلي عقلة عرسان، ووليد إخلاصي، ورياض عصمت، وممدوح عدوان، وعبد الفتاح قلعة جي،

وحسيب كيالي، ولؤي عيادة، وسعدالله ونوس، ونور الدين الهاشمي، ومحمد قارصللي، وحمدي موصللي، ومحمد جهاد الكاتب، وأحمد إسماعيل إسماعيل، ومصطفى حقي. إذ يعتبر أن في مسرحيات «الساكن والمتحرك» و«ليلة الطيران» و«امرأتان وقبر واحد» لوليد فاضل ثمة هاجس إنساني اجتماعي يسيطر على الكاتب وشخوصه،

وهذا الهاجس لا يقتصر على هذه المسرحيات بل يمتد ليشمل مسرحيات أخرى، ولكن باعتبار أنه في هذه المسرحيات الثلاث تحديدا لا يلجأ إلى الترميز في طرح أفكاره، فإن الهاجس الاجتماعي الإنساني يبدو في أقصى حالاته وتجلياته.

بينما يرى أن مسرح علي عقلة عرسان يبرز الاهتمام بالإنسان على مختلف مستوياته وانتماءاته وجنسه، وان كان عرسان قد ركز في أعماله على الجانب الايجابي في شخصياته فان الجانب السلبي لم يكن مختفيا تماما، بل كان يطل برأسه لا لإدانة الشخصية حاملة الجانب السلبي بقدر ما يكون الهدف هو إبراز الدور الايجابي الذي يمكن أن يلعبه الإنسان في محيطه ومجتمعه.

وباعتبار أن المرأة هي نصف المجتمع حسب التعبير التقليدي السائد، فقد كان لها نصيب كبير في مسرح علي عقلة عرسان فهي عنده المناضلة في سبيل حريتها وحرية وطنها، والمحرضة على المضي قدما حين تخر العزائم وتثبط الهمم، وهي أم الشهيد التي تدافع عما مات ولدها من أجله. ففي مسرحية «عراضة الخصوم» يقدم عرسان المرأة كنموذج لمقاومة المحاولات التي تريد تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على النتائج الايجابية التي أفرزتها حرب اكتوبر1973 على الصعيد الوطني والإنساني.

إلا انه عندما يأخذ مسرحية ( أوديب ـ مأساة قديمة ومعاصرة) لوليد إخلاصي وهي عن موضوعة النبوءة في أسطورة أوديب لسوفوكليس فانه يرى أن النبوءة هنا عند إخلاصي لاتخرج من فم الكاهن كما في الأسطورة الإغريقية بل عن جهاز الكمبيوتر،

وعلى الرغم من البعد الزمني الذي يفصل تاريخ كتابة مسرحية إخلاصي والأسطورة الإغريقية إلا أن الكاتب وليد إخلاصي يبدو مصرا على التمسك بالنتيجة نفسها وهي التأكيد على وجود قوى خفية ترسم للإنسان وقائع حياته، وان الإنسان مسيّر لا مخيّر، وأن ما كتب على الجبين لا بد وأن تراه العين، مع وجود اختلافات بسيطة بين كل من شخصيتي سوفوكليس وإخلاصي(أوديب وسفيان) منها أن أوديب سعى نحو الحقيقة المفجعة بنفسه.

بينما أتت الحقيقة المفجعة إلى سفيان دون أن يسعى إليها. غير أن رياض عصمت في مسرحيته(الحداد يليق بأنتيغون) لم يلتفت إلى مسألة النبوءة كما سوفوكليس وإخلاصي- إلا في أضيق نطاق إذ أن عصمت كان همه معالجة مشكلة معاصرة عانت وتعاني منها مجتمعات كثيرة ألا وهي الحرب الأهلية وما يمكن أن تخلفه من كوارث على الجميع، حيث لا منتصر فيها، وما العودة إلى مسرحية «أنتيغون» إلا لخدمة أفكاره.

غير أن جوان جان حين يقرأ مونودراما(حال الدنيا) لممدوح عدوان فانه يرى فيها أن عدوان أخذ منحى اجتماعيا صرفا،إذ يطرح على بساط البحث شخصية رجل في الخمسين من العمر، ماتت زوجته منذ ساعات اثر مرض لازمها في أيامها الأخيرة وأقعدها طريحة الفراش، ويكشف الكاتب النقاب في هذه المونودراما عن الهرم الاجتماعي-في بعض حالاته- الذي يبرزه في الظاهر متماسكا.

بينما يشير الواقع إلى حالة اجتماعية مهلهلة وقابلة للتداعي في مواجهة أول امتحان حقيقي تتعرض له. بينما في مسرحية «سأعود إلى قتالكم» لحسيب كيالي فإننا مع شخصية نجيب الشاب المقيم في قرية وادعة شبه معزولة عن العالم الخارجي،والذي ما أن يسمع باقتراب الفرنسيين من قريته ، حتى يبادر إلى تلبية نداء أبو محمد الشخصية المرموقة والمحترمة، وذات الوزن الاجتماعي، إلى القتال ضد الفرنسيين .

الأمر الذي يؤدي إلى قيام عدة مواجهات ناجحة قبل أن يقع نجيب في الأسر، ويحاول الهرب، فيعاقب بقطع رجله، لكن تصميمه على الهرب لا يلين وينجح بذلك مصمما على معاودة قتال الفرنسيين رغم حالة العجز التي أصابته نتيجة قطع رجله دون وجه حق.

لكنه في مسرحية «يوم من زماننا» لسعد الله ونوس وهي من المسرحيات التي كتبها في سنواته الأخيرة، فنحن مع شخصية الأستاذ فاروق المدرّس في مدرسة ثانوية للبنات، الذي يمر بسلسلة من التجارب خلال مدة زمنية : طالباته اللواتي يترددن على بيت الست فدوى التي تدير منزلا للدعارة، ومدير المدرسة الذي لا يقبل شكوى فاروق معتبرا أنه كمدير عليه أن يحمي المدرسة من جرثومة السياسة .

وأن يربي الطلاب على الولاء والطاعة، وشيخ الجامع الذي يوبخ فاروق لاتهامه فدوى بإدارة بيت للدعارة دون دليل، شارحا فداحة خطأ من يتهم الآخرين في شرفهم، مبديا إعجابه بفدوى التي تتبرع للجامع باستمرار. ثم زوجته التي يكتشف أنها صاحبة فدوى وتشتغل عندها بائعة هوى. إن سعدالله ونوس ينجح كثيرا في مسرحيته هذه في تصوير مدى تفسّخ المجتمعات عندما تكون عاجزة عن إعالة أفرادها والأخذ بيدهم، هؤلاء الأفراد الذين لن يطول بهم الحال قبل أن تنزلق أقدامهم في هوة قد لا يستطيعون الخروج منها.

أما في مسرحية(التقاطع) لمحمد قارصللي فان الهدف الأساسي للكاتب ـ وبالتحديد من خلال شخصيتيه الرئيسيتين عمر وسالم اللتين تلتقيان في أحد المطارات الأوروبية، فهو تسليط الضوء على جانب هام من حياتنا الاجتماعية، يتمثل بالرغبة الدائمة الموجودة عند العديد من الأفراد، لمغادرة الوطن لأسباب مختلفة، منها ما له علاقة بعدم توفر العمل المناسب، أو للدراسة.

أو بسبب الإحساس بعدم وجود من يقدّر المواهب والقدرات والإمكانيات التي يتمتع بها الكثيرون، ومن خلال الشخصيتين الرئيسيتين يقدم الكاتب نموذجين مختلفين ومتناقضين تمام التناقض، فيما يتعلق بخياراتهما في البقاء أو المغادرة. بينما في مسرحية(انتحار غير معلن) لحمدي موصللي فنحن مع قصة عالم فيزياء عربي قتل على أيدي جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) في دولة أوروبية بعد وقوعه ضحية مؤامرة ربما كانت بلاده ولو بشكل غير متعمد طرفا فيها.

عندما ضاقت به واضطرته إلى مغادرتها هربا من الظلم والتهميش، وفي الوقت الذي عزم فيه على العودة بعد تلقيه إشارات ايجابية من الوطن، كانت التصفية الجسدية بانتظاره لمنعه من تقديم ما يفيد بلده ويطوره ويدفعه إلى الأمام.

هذه المسرحية محاولة لتسليط الضوء على جانب هام من جوانب الصراع العربي الإسرائيلي، وهو الجانب المتمثل في حرص الإسرائيليين على تجريد العرب من كل أسلحتهم ومكامن قوتهم، كما أنها تشير إلى النتائج المأساوية التي يمكن أن تنتج عن عدم قدرة الدول العربية على احتواء المفكرين والنابغين من أبنائها، الذين يضطرون إلى مغادرتها ليقعوا فريسة سهلة بين براثن الوحش الصهيوني.

في مسرحية (جحا لهذا الزمان) وهي للكاتب إسماعيل إسماعيل فانه يضع شخصية جحا الطريفة لتصطدم بعالم مختلف عما كان عليه الحال في زمنها الحقيقي، وسمة هذا العالم الأولى الخوف من السلطة، التي جعلت الناس تهرب مذعورة في الشوارع بمجرد أن يصدر الأمير فرمانا بقتل الكلاب لأن نباحها يسبب الإزعاج له.

وباعتبار أن عنصر السخرية ومبدأ شر البلية ما يضحك هما خيار الكاتب الأول ، فانه لا يفتأ أن يغني نصه بالعديد من المواقف واللمحات الطريفة والذكية، ولا يحول كون بعضها من الطرائف والنكات المتداولة من توظيفها بشكل فعال، وفي مواقع تفيد النص المسرحي ككل. فمع بداية النص ودخول جحا وحماره يشير الحمار إلى أنه يريد ترك الزمن الذي تواجد فيه، واللجوء إلى الزمن الحالي لأنه الزمن المناسب لمعيشة الحمير.

لقد حاول الكاتب في نصه هذا تقديم صورة ساخرة كاريكاتيرية عن واقع المال، في أكثر من مكان من عالمنا الذي تتخطى أحداثه وتطوراته أكثر العقول قدرة على نسج أحداث خيالية، وهو العالم الذي أضحى مكانا لكل ما هو غريب وعجيب وبعيد عن العقل والمنطق، وهذا يحيلنا إلى الإشارة إلى أن الآداب والفنون سابقا كانت تتباهى بسعيها نحو اللحاق بالفكر الإنساني وتجلياته على أرض الواقع .

أما الآن فقد تخطت الآداب والفنون ـ بعد أن وجد الكتاب أنهم كلما ابتعدوا في أعمالهم عن الواقع اقتربوا عمليا منه ـ كل الحدود،وأصبح شغلها الشاغل اللحاق بركب ما يدور من أحداث، وما يجري من تطورات يصعب على الكثيرين هضمها أو التعامل معها باعتبارها حقائق دامغة لا يمكن نفيها أو تغييرها.

أنور محمد

*الكتاب: قراءات في النص المسرحي السوري

*الناشر: تحاد الكتاب العرب - دمشق 2007

*الصفحات: 108 صفحات من القطع الكبير