ينطلق مروان إسكندر في كتابه «رفيق الحريري وقدر لبنان» من اعتبار أن تاريخ رفيق الحريري ارتبط بتاريخ لبنان خلال الثلاثين سنة المنصرمة، وذلك من خلال مشاركة الحريري في الجهود الرئيسة لتهدئة الأوضاع في لبنان، وفي القرارات المصيرية لكيانه، ودوره في إعادة بناء البنية التحتية اللبنانية، واستعادة مؤسسات الدولة أدوارها الطبيعية. لذلك يعرض في النسخة العربية من كتابه، الموضوع أصلاً باللغة الإنكليزية، ما يشبه الملخص الجامع لسيرة ومبادرات رفيق الحريري واختباراتها.
ويعزو مروان اسكندر وضعه لهذا الكتاب إلى الصداقة التي حظي بها من رفيق الحريري، ويريد لكتابه أن يصور روحية الرجل، وصبره في إعادة بناء لبنان، لكن الكتاب يميل إلى تأريخ مرحلة عاصفة من تاريخ لبنان، من خلال رصد أهم التطوّرات السياسيّة والاقتصادية والاستراتيجية التي شهدها لبنان منذ أربعة عقود تقريباً.
ويعرض بالتفصيل لما يُسمّى «حقبة الحريري»، من خلال عرضه لمسيرة رفيق الحريري السياسية والاقتصادية، المشحونة بالطموح والتوتّر والعمل والصبر، وما واكبها عملياً من إنجازات تجلّت في مبادراته لتحقيق المصالحة الوطنية، وإعادة البناء والإعمار، وتحويل لبنان مركزاً للاستقطاب التجاري والاستثماري والمالي، واصطدامه أخيراً بحسابات المصالح داخلياً وإقليمياً ودولياً، والضغوط التي تعرّض لها ونهايته المأسوية.
وقد عاش لبنان الحديث فترات من الاضطراب والتصادم والاقتتال، ودخل في أتون حرب طويلة منتصف سبعينات القرن العشرين المنصرم، ثم ظهر رفيق الحريري كرجل اتفاق الطائف الذي أنهى سنوات الحرب المديدة، واستطاع أن يحقق إنجازات عديدة، على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
حيث ركز اهتمامه على مجالات التعليم وإعادة الإعمار واستعادة الاعتراف بلبنان وحاجاته بين البلدان العربية والمجتمع الدولي. لكن لبنان دخل مرحلة من الاحتقان بعد التمديد للرئيس إميل لحود في شهرسبتمبر 2004، ثم بلغ الحزن أوجه في 14 فبراير 2005 باغتيال رفيق الحريري ومجموعة من رفاقه وحراسه.
ويعقد المؤلف في البداية مقارنة ما بين أميل البستاني ورفيق الحريري، من حيث النشأة وظروفها، والميول الوطنية والقومية، وعلاقات كل منهما المحلية والعربية والدولية، ونجاح كل منهما في ميدان الأعمال والمقاولات والاستثمار، حتى باتا من كبار رجال الأعمال، كل في عصره. ويعتبر أن لبنان خسر هذين الرجلين في أوقات حرجة، ولو قيّض للرجلين أن يعيشا حياة طبيعية كاملة، لكان لبنان حقق الكثير من الازدهار والانصهار.
ويعرض المؤلف لوضع الاقتصاد اللبناني منذ سنة 2003، أي بعد نجاح مؤتمر باريس اثنين في 22 نوفمبر 2002، الذي خلّف بعده أجواء من التوقعات والآمال، ثم بدأ لبنان بتحسين أدائه الاقتصادي، ولاحت في الأفق إمكانية أن يضع حداً لتنامي ديونه الخارجية.
وقد قام رفيق الحريري بحملة دولية وعربية تركزت على النواحي الاقتصادية والمالية، نظراً لتمتع لبنان بتقاليد عريقة في التجارة الحرة والتبادل والخدمات المالية والسياحة، لكن الصورة تغيّرت تماماً باغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
وشكل اغتيال رفيق الحريري ضربة متعددة الاتجاهات، داخلياً وإقليمياً ودولياً، وكانت لجريمة الاغتيال العديد من النتائج المباشرة وغير المباشرة، حيث أصبح دور النظام السوري في لبنان مصدر اهتمام دولي، فأصدر مجلس الأمن القرار 1559، الذي دعا إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، ونزع سلاح المليشيات، ونشأت حركة استقلالية في الشارع اللبناني، وتغيرت التركيبة الحاكمة.
وقد أضفى اغتيال الحريري صفة الإلحاح على تنفيذ القرار 1559، الذي أفضى إلى انسحاب القوات والاستخبارات السورية من لبنان، ثم تشكل فريقا 14 آذار و8 آذار، وبعدها دخل البلد في متاهات الطائفية السياسية وتجاذباتها الإقليمية والدولية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو: لماذا اغتيل الحريري؟ ولا يجد المؤلف سوى عرض التكهنات الدائرة حول الأسباب المحتملة وراء عملية اغتيال الحريري، حيث يعتقد بوجود ثلاثة عوامل - على الأقل - ساهمت في وضع خطة تصفية الحريري.
أولها دوره في تغيير السنّة من مجموعة ذات توجهات سلبية انهزامية، عبر دعم قضايا تبدو وكأنها تنتقص من سيادة لبنان مثل قضية المقاتلين الفلسطينيين في لبنان، إلى قوة ذات دور نشط بإدراك سياسي نافذ، ومشاركة فعالة في إعادة إحياء لبنان.
ولا شك في وضع هذا السبب في صدارة الأسباب المحتملة لاغتيال الحريري، يعكس نمطاً من التفكير، ينهض على ترجيح الطائفي على حساب السياسي. وثاني الأسباب المحتملة هو إعادة تأكيد هوية لبنان كدولة ذات سيادة والحصول على الدعم العربي والدولي لإقامة لبنان حر ومزدهر. أما ثالث الأسباب، فهو علاقته الشخصية مع رؤساء الدول وقيادات مؤسسات التنمية والتمويل الكبرى في جميع أنحاء العالم.
وبالانتقال إلى حكومة فؤاد السنيورة وتشكيل لجنة التحقيق الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الحريري، يعرض المؤلف متغيرات وأحداث الفترة التي أنشئت فيها لجنة التحقيق برئاسة «ديتلف ميليس»، ويستعرض كذلك الظروف ووقائع ونتائج انتخابات مايو / يونيو 2005، ووصول فؤاد السنيورة إلى رئاسة وزراء لبنان، ثم تشكيله حكومة، وضعت في مقدمة أولوياتها هدف الكشف عن مرتكبي جريمة اغتيال الحريري والمخططين والمنفذين ومعاقبتهم بصرف النظر عن جنسياتهم ومراكزهم.
وبعد التركيز على دوافع اغتيال الحريري وتداعيات تقارير لجنة التحقيق الدولي وتطوّرات التحقيق، ينقل المؤلف الحديث إلى الشبهات التي تحوم حول بنك المدينة، ودور أجهزة الاتصال الخليوي ليلة الجريمة، لينتهي بمقاربة لما يسميه الطوفان ورواسب الحرب، حيث يسجل بعض الأحداث والتطورات التي رافقت يوليو- أغسطس 2006، ونتائجها وآثارها العسكرية والسياسية.
ويشير إلى أن الحرب أثبتت عقم أدوات إسرائيل الوحشية على الرغم من استعمال القوة الجوية والبحرية لإشاعة الفوضى والتدمير والمآسي البشرية في لبنان، ولم تتمكن من بلوغ أهدافها، لكن بالنظر إلى هذه الحرب والتنازلات التي قام بها كل من إسرائيل وحزب الله، فإن المؤلف يتساءل: لماذا انفجر هذا القتال وما هي أهدافه.
وللإجابة عنه يستعرض المشهد السياسي اللبناني خلال سنة على بدء الأعمال الحربية، ليخلص إلى الاستنتاج بأن الأحوال قد بدت ملائمة بعد سنة من النجاحات الاقتصادية لحكومة فؤاد السنيورة والأكثرية النيابية، لكن وبالرغم من التوقعات الإيجابية قامت قيادة حزب الله بجر الحرب على لبنان كان وقعها وحشياً وقاسياً على حياة اللبنانيين.
في حين أن قيادة حزب الله تزعم بأن الحرب كان لا بدّ منها، وأن الإدارة الأميركية قد شجعت إسرائيل على تهيئة جيشها لعملية واسعة ضد حزب الله. وفي الختام يرى المؤلف بأن مستقبل لبنان مرهون بتفاهم أهله وناسه، واعتمادهم ممارسات سياسية تقدم المصلحة العامة على أي مصلحة فئوية في وقت لم يعد فيه مجال للتفريط بالمستقبل.
وفي تصدير الكتاب يشير رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى أن المؤلف «يوازي في كتابه بين قصّة هذا البلد والطريق التي اعتمدها رفيق الحريري لمعالجة مشاكل الاقتصاد والسياسة، وإعادة الإعمار والقضايا الاجتماعية»، لذلك يعتبر أن قراءته ضرورية لكل من يود أن يعرف المزيد عن هذه الحقبة الهامة من تاريخ لبنان.
عمركوش
*الكتاب: رفيق الحريري وقدر لبنان
*ترجمة:سامي بعقليني
*الناشر:دار الساقي ـ بيروت 2007
*الصفحات: 293 صفحة من القطع الكبير

