من مواليد عام 1958 ويعمل أستاذا في جامعة فرساي لمادة التاريخ المعاصر، وقد قام كريستيان ديلبورت، مؤلف هذا الكتاب، منذ ما يزيد على 25 عاما. يجمع المطبوعات والدعايات والمنشورات والإعلانات السياسية وصور المرشحين والرسوم والصحف ومختلف الوثائق الانتخابية. وشكّلت هذه المطبوعات كلها مادة في كتبه العديدة التي نشرها منذ عدة سنوات حول «الإعلام السياسي» في فرنسا.

يعمل المؤلف أيضا مديرا ل«مركز التاريخ الثقافي للمجتمعات المعاصرة» ومديرا أيضا لمجلة «زمن الإعلام». وعنوان هذه المجلة هو عنوان أحد الكتب التي أصدرها المؤلف إلى جانب أعمال أخرى من بينها: «الصور والسياسة في فرنسا خلال القرن العشرين» و«تاريخ وسائل الإعلام في فرنسا من الحرب العالمية الأولى حتى اليوم» و«صحفيو فرنسا 1880 1990و«ولادة مهنة وبناؤها» و«المثقفون والسياسة»... الخ.

هذا الكتاب الجديد يخص «تاريخ الإعلام السياسي في فرنسا منذ عام 1930 وحتى اليوم» كما يدل عنوانه الفرعي، أو عما يمكن اعتباره «ولادة ديمقراطية الرأي العام». وذلك ليس بمعنى استطلاعات الرأي السائدة اليوم والمساهمة في عمليات البث التلفزيوني الكثيرة هذه الأيام في فرنسا بمناسبة الانتخابات الرئاسية والتي لعبت، وتلعب أيضا، دورا مهما في توجيه الرأي العام فحسب، ولكن أيضا بالمعنى الذي يتم فيه اعتبار الإعلام السياسي قديما قدم السياسة نفسها.

ينطلق المؤلف في تحليلاته من حادثة قديمة جرت عام 1927 مع رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك ريمون بوانكاريه، الذي كان يستعد لإلقاء كلمة أمام عدد من كبار شخصيات الجمهورية الفرنسية. ويومها قال: «انزعوا من أمامي هذا». «هذا» المقصود كان «مايكروفون» تابع للإذاعة الفرنسية. كان «بوانكاريه»، كما يبدو، يريد أن يقول كلاما في السياسة إنما للخاصّة وليس للعامة.

كانت الإذاعة في عشرينات القرن الماضي وسيلة الإعلام السياسي بامتياز إلى جانب الصحافة المكتوبة. لكن دورها تضاءل كثيرا مع بروز التلفزيون، ذلك أن الصورة «قلبت» عمليا آلية عمل المجتمعات المعاصرة كما أن الديمقراطية شهدت وسائل جديدة للتعبير عن نفسها بواسطة تجدد أدوات الإعلام والأخبار التي أصبحت وسيلة بيد الدولة من أجل السيطرة على الرأي العام وتوجيهه.

كما ان مختلف المجموعات السياسية لجأت إلى استخدام الصورة ووسائل الإعلام من أجل تحسين صورتها عبر الدعاية أو عبر النقاشات العامة. وفي المحصلة فرضت الصورة نفسها بوصفها: «الأداة الأولى للإعلام السياسي» عبر «اجتياحها» للمجال العام. وأصبحت في الوقت نفسه «رهانا أساسيا» بالنسبة للمسؤولين السياسيين.

إن مؤلف هذا الكتاب يكرس قسما هاما من صفحاته للحديث عن استخدام الصورة في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أرسى الجنرال شارل ديغول أسسها عام 1958. يتم التأكيد أن الجنرال نفسه كان قد تلقى «تعليمات» من خبراء الصورة عن كيفية التصرّف أمام العدسات والتوجه للفرنسيين عبر الشاشة الصغيرة.

بهذا المعنى أصبح من المطلوب أن يمتلك رجل السياسة قدرة كبيرة على «التواصل الإعلامي» كشرط للنجاح. ما يؤكده المؤلف هو أن الإمكانات التي يقدمها التلفزيون إلى جانب الصور واستخدامها في الإعلانات على اللوحات الموزعة في الشوارع والطرقات قد غيّرت كثيرا من «طرق الإقناع السياسي»، إذ وضعت الصورة في قلب «الإعلام السياسي»، كما يرى أن السمات الخاصة للنظام الذي أرساه الجنرال ديغول قد غذت ونمّت ظاهرة سيادة الصورة.

هكذا كان على العالم السياسي أن يتأقلم مع الأشكال الجديدة ل«التواصل» مع المواطن، وأصبح عليه أن يعتمد على الخبرات المؤهّلة في هذا الميدان، أو مع أخصائيي الإعلام والإعلان. بتعبير آخر أصبح ل«التسويق السياسي» طرقه الخاصة. وينقل المؤلف عن مقال نشرته صحيفة لوموند بمناسبة الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا عام 1965 ما مفاده أن الأمر يتعلق ب«معرض تأخذ فيه ملامح الوجوه القيمة الأولى».

كما تتم الإشارة إلى أن الجنرال ديغول احتكر لنفسه «الصورة السياسية المتلفزة» منذ عودته إلى السلطة. هكذا ما بين عام 1959، أي بعد تأسيسه الجمهورية الخامسة وعام 1965 تدخّل رسميا 41 مرة منها 12 مرة في إطار مؤتمرات صحفية. وكان قد تعلّم بسرعة فن مخاطبة الفرنسيين «دون القراءة من ورقة ـ وجها لوجه ـ ودون نظارات». لقد كان «مثل الملك وهو يتحدث من قصر الاليزيه».

وضمن هذا السياق من اكتساب الصورة أهمية متزايدة يتم الحديث عن «صناعة الاستعراض السياسي» حيث أصبح الرجل السياسي يجسد بالأحرى «شخصية» إعلامية وإعلانية أكثر مما يجسد «مشروعا» سياسيا بينما أخذ المواطن العادي دور المتفرج. ويتم التأكيد هنا أن سنوات السبعينات الماضية شكّلت مرحلة مهمة في تعزيز مكانة «الصورة السياسية» ليصبح التلفزيون نهائيا في قلب اللعبة السياسية.

لاسيما وأنه قد أصبح من حق المعارضة أن تعبّر من خلاله عن آرائها بانتظام. وكان الرئيس فاليري جيسكار ديستان قد أرسى تقاليد إجراء مناظرات سياسية على الشاشة الصغيرة. وذلك في نفس الوقت الذي دخل فيه التلفزيون إلى جميع المنازل تقريبا.

وتشير إحصائية تعود إلى عام 1973 أن 45 بالمائة من الفرنسيين يؤكدون على أن المناظرات التلفزيونية مفيدة من أجل «امتلاك حجج للنقاش» بينما اعتبر 74 بالمائة منهم أنها مهمة من أجل «رؤية كيف يكون رجال السياسة». ثم إن التلفزيون يقدم فرصة فريدة بالنسبة للمرشحين عن أحزاب صغيرة للتعريف بأنفسهم لدى الجمهور العريض.

واعتبارا من نهاية عقد السبعينات أصبح رجال السياسة الفرنسيون يحرصون على «ظهورهم» في النشرات الإخبارية على أساس أنها تستقطب أكبر عدد من المشاهدين. لكن اعتبارا من بداية عقد الثمانينات دخل عنصر جديد على «الإعلام السياسي» تمثّل ب«الإعلان السياسي».

هكذا مثلا كان رجل الإعلان الفرنسي الشهير جاك سيغيلا أحد أسباب فوز فرانسوا ميتيران بالرئاسة في ذلك العام عبر رفع شعار «القوة الهادئة» على صور ميتيران الانتخابية. هكذا عرفت سنوات الثمانينات تعميم اللجوء إلى خبراء الإعلان من أجل دعم رجال السياسة. هكذا طلب جاك شيراك من «جان ميشيل غودار»، شريك جاك سيغيلا، أن يقوم بتحضير حملاته الانتخابية اعتبارا من عام 1986.

بالموازاة مع تعاظم قيمة الصورة في الحملات الانتخابية زادت أيضا الميزانيات المكرّسة لهذه الحملات. ففي عام 1973 كانت ميزانية المرشحين الرئيسيين للانتخابات الرئاسية هي حوالي 40 مليون فرنك فرنسي وأصبحت 150 مليونا عام 1981 ثم 260 مليونا عام 1988.

وفي جميع هذه الحملات كان هناك نصيب هام ل«الإعلانات الدعائية». وتتم الإشارة هنا إلى أن «الدعاية السياسية» عرفت زيادة كبيرة في جميع الديمقراطيات الغربية. ففي الولايات المتحدة الأميركية مثلا تحظى الإعلانات التلفزيونية «السياسية» بحصة الأسد في الحملات الانتخابية، بينما تحظى الصحافة المكتوبة بهذه الحصة في بريطانيا.

أمام الزحف الكبير ل«الإعلان السياسي» شهدت فرنسا في مطلع سنوات التسعينات تشريعات تحدد سقفا لتمويل النشاطات السياسية وبحيث لا تزيد ميزانية حملة المرشح في الدولة الانتخابية الرئاسية الأولى على 120 مليون فرنك للمرشح وعن 160 في الدورة الانتخابية الثانية بالنسبة للمرشحين الاثنين الفائزين في الأولى. ولا تزال التشريعات الصادرة سارية المفعول حتى اليوم.

ما يؤكده المؤلف أيضا هو أن «الإعلام السياسي» له جذوره التاريخية التي تصل حتى الحقب الأولى الحضارية، فملوك بلاد ما بين النهرين مثلا مارسوا «الإعلام السياسي»، ربما دون قصد، عندما حفروا أخبار انتصاراتهم على ألوح حجرية أو برونزية. إنهم كانوا، بكل الحالات، يريدون التأثير على محكوميهم.

واليونانيون القدماء اخترعوا «الديمقراطية» والدعاية الانتخابية. وعندما انبثقت الدولة الحديثة في أوروبا عند نهايات القرون الوسطى سعت «الدعاية الملكية» إلى التواصل مع «الرعايا». ومع الثورة الفرنسية الكبرى دخل مفهوم «الجماهير» إلى ساحة الفعل السياسي.

ولا شك أن اختيار المؤلف لعام 1930 كبداية للحقبة التي يدرسها، يعود إلى واقع أن تلك الفترة شهدت العصر الذهبي للإذاعة باعتبارها السلاح السياسي الأقوى آنذاك. هذا ما فهمته السلطة السياسية آنذاك أيضا فأرادت فرض «احتكارها» لتلك الأداة الجبارة.

وكانت الحملة الانتخابية لعام 1936 التي فازت فيها الجبهة الشعبية (اليسارية) قد جرت أولا على «أمواج الأثير» ليبدأ معها ما يسميه المؤلف ب«عصر مستخدمي الإعلام». ثم إن الجنرال شارل ديغول والفرنسيون عامة لا ينسون أبدا أنه بفضل نداء 18 يونيو 1940 الذي أطلقه الجنرال من إذاعة بي.بي.سي في لندن بدأت مسيرة تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. ولكن أيضا بفضل ذلك النداء «دخل الجنرال إلى التاريخ».

في المحصلة هذا الكتاب يؤرخ فيه مؤلفه لمسيرة تحول الديمقراطية الفرنسية إلى ديمقراطية يشكل الرأي العام عمادها الرئيسي وتحظى «السلطة الرابعة» لوسائل الإعلام ومفهوم «التسويق السياسي» بالدور المركزي فيها، لاسيما وأنهما إلى حد كبير وراء «صناعة الرؤساء».

*الكتاب: فرنسا تحت الأنظار : تاريخ الإعلام السياسي منذ 1930 حتى اليوم

*الناشر: فلاماريون ـ باريس 2007

*الصفحات: 493 صفحة من القطع المتوسط

La France dans les yeux : une histoire de la communication politique de 1930 à nos jours

Flammarion- Paris 2007

P. 493