خمس سنوات كاملة انقضت بين صدور رواية «مدوزن البيانو» للروائي الأميركي دانييل ميسون وبين صدور روايته الثانية «بلد بعيد»، لكن هذا الانتظار الذي دام كل هذه السنوات لم يكن، بحسب إجماع الكثير من النقاد ومراجعي الكتب، عبثاً ولا إهداراً للوقت، ولا تعليقاً للآمال في غير موضعها. هذه الرواية الجديدة، في أبسط مفاهيمها، تدور حول رحلة صبية في الرابعة عشرة من عمرها عبر بلد هائل الامتداد، لا تعرف له اسماً أبداً، بحثاً عن أخيها الأكبر الحبيب.
هذه البطلة، إيزابيل، نشأت في قرية نائية عند حافة مزرعة لقصب السكر، وهي قد ولدت حاملة ما يمكن وصفه بالهبة واللعنة في آن، والتي تتمثل في القدرة على «استشراف البعيد». عندما يهيمن الجفاف والحرب على المناطق الداخلية في هذا البلد الذي لا نعرف له اسماً ينضم إيزاياس، شقيق ايزابيل الأكبر، إلى حشد هائل من الراحلين إلى مدينة مزدحمة في الجنوب. وسرعان ما تحذو إيزابيل حذوه، متخلية عن المكان الوحيد في الكون الذي تدعوه موطناً.
في غمار هذه الرحلة الصعبة الحافلة بالتحديات للصبية الصغيرة، فإن مصدر العزاء الوحيد لها هو التفكير في أنها ستكون بصحبة أخيها من جديد، ولكنها عندما تصل إلى مقصدها تكتشف أن إيزاياس قد اختفى. وتنقضي الأسابيع وفي أعقابها الشهور، وذات يوم وبالاستعانة بالأمل الذي لا يقاربه اليأس تصل إلى عماء المدينة التي تعتقد أنها ستعثر فيها على أخيها.
قصة بحث ايزابيل عن أخيها تروي لنا بتقمص مدهش وباستحضار بصري لملامح ومشاهد لا نستطيع إلا التوقف عندها طويلاً، حيث يجذبنا تصميم ايزابيل، وكبرياؤها وعالمها الروحي شديد العمق، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف حيال حكاية كونية عن الروابط العائلية وحب الأخت لأخيها والترحال والحنين والصمود والبطولة الحقيقية.
وما كان يمكن لعمل روائي على هذا القدر من العمق والطموح أن يمضي دون اهتمام حقيقي من النقاد والكتاب والقراء على حد سواء. هكذا فإن كيم كيرتس المحرر الثقافي بوكالة أسوشيتدبرس يبادر إلى لفت نظرنا إلى أن بعض القراء كانوا قد تساءلوا لدى صدور رواية ميسون الأولى « مدوزن البيانو» في عام 2002 عما إذا كانت فلتة فريدة من نوعها لن تتكرر، لكن مع صدور رواية «بلد بعيد» فإن كل الشكوك المتعلقة بمؤلف الروايتين وموهبته قد تبددت تماماً، فالرواية الجديدة مكتوبة على نحو جميل، وهي تخطف القلب خطفاً.
وهو يتابع مشيراً إلى أن الرواية الجديدة، شأن سابقتها تقع أحداثها في موقع عجائبي، يفترض أنه مكان ما من أميركا الجنوبية، على الرغم من أن ميسون لا يقول لنا أبداً أين يقع هذا البلد، حيث نلتقي بشخصية ايزابيل، الصبية ذات الأعوام الأربعة عشر وشقيقها الأكبر إيزاياس، والجفاف، ذلك الافتقار القاسي والموجع للمطر الذي يلعب دوراً بالغ الأهمية في أحداث الرواية، حيث يدفع بايزاياس أولاً ثم إيزابيل من بعده إلى الرحيل إلى «المدينة» في إطار جهد لا يمنى بالنجاح إلى حد كبير لكسب المال.
ومن منظور كيرتس فإن عمليات الوصف التي يبدعها ميسون هي نقطة قوته البارزة، حيث سيشعر القراء بجفاف أفواه الأطفال الرضع، وسيرون الحقول التي كساها التراب، ويسمعون قرقرة البطون الجائعة. وهو يشير إلى أن استخدام المؤلف الشاب للغة يعكس مهارة ونضجاً نابعين من موهبة طبيعية، وبمقدوره أن يصور على نحو جميل كل حدث من أحداث الحياة اليومية.
وتقول الناقدة جوان ولكنسون في مقال بمجلة «بوكليست» المتخصصة عن هذه الرواية إنه ما من أحد يمكن أن يقول إنها تشعره بخيبة الأمل بعد انتظار دام خمس سنوات لصدورها، فميسون يوظف من جديد أسلوبه النثري الفذ والمميز ليحكي عن رحلة اكتشاف تقوم بها البطلة ايزابيل ذات الأعوام الأربعة عشر والتي منحت هبة استشراف البعيد للسماع بوضوح أكبر.
وقد دفع الجفاف واستيلاء موظفي الحكومة على الأراضي بأهل قريتها الصغيرة والجهمة والساكنة والبائسة إلى الرحيل إلى المدينة، وهي بدورها ترحل إلى هناك لتعثر على أخيها ولتقيم مع أبناء عمومتها، ولكنها تكتشف أن المدينة أبعد ما تكون عن الفردوس الذي توهمته، والأسوأ من ذلك أن أخيها لم يره أحد منذ أسابيع مضت.
وفيما هي تحاول العثور عليه، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع ازدراء الأغنياء وإشفاق موظفي المدينة، لكنها في غمار ذلك كله لا تفقد إصرارها ولا إحساسها بقيمتها. وتقول مجلة «لايبراري جورنال» عن هذه الرواية: «في بلد لا نعرف له اسماً، عاثت فيه الحرب وهيمن عليه الجفاف، تترك صبية في الرابعة عشرة من عمرها مزرعة قصب السكر التي تدعوها موطنها لتحذو حذو أخيها في الانطلاق إلى مدينة غامضة في الجنوب.
وهذه الملامح تبدو مثيرة للاهتمام على نحو ملغز شأن رواية ميسون الأولى (مدوزن البيانو). وليس من قبيل الصدفة أن ينطلق المؤلف في جولة لقراءة مقاطع من روايته الثانية تشمل ثماني مدن كبرى على امتداد العالم». تظل هذه الرواية عملاً مختلفاً وجديراً بالقراءة والأكثر من هذا أنها تشكل دافعاً إضافياً لمتابعة ميسون وهو يواصل ـ على مهل ـ رسم ملامح عالم روائي يبدو شديد الخصوصية والتميز حقاً.
في الوادي
«في وادي القرية، يرددون اسم القديس مايكل يوماً في حقول القصب. ينتظر الرجال والنسوة، يقلبون تربة نوفمبر، ويرقبون السماء. تأتي السحب، متتبعة، مجاري الأنهار الخاوية على الدروب الطويلة، المنعزلة، الممتدة من الساحل.
في بعض الأحيان، كانت السماء تمطر، تتمدد الوريقات من الفروع الجافة، وينمو عشب طري على أرضية الشجيرات الشوكية التي يسمونها الغابة البيضاء لأنها شديدة البؤس مقارنة بالاسم. عندئذ يرقب الرجال والنساء السماء وقد تجردوا من الثقة بها.
في بعض الأحيان كان المطر يسقط متتابعاً للغاية بحيث انه كان بمقدورك أن تشتم رائحته، ولكنه إن لم يسقط مرة أخرى في ذلك الركن من الأرض، فإن أوراق الأشجار تسقط وتخشخش في الريح. وذلك يمكن أن يقتل حقلاً، فيما يقولون، هطول وحيد للمطر ثم سماوات خاوية. إنه يثير آمالك، آمال الأرض. كانوا يسمونه الجفاف الأخضر ويلعنونه بأنفاس لاهثة. قالت النسوة إن المطر كالرجل، فهو يطريك بالهدايا الجميلة، لكن ذلك يكون أسوأ من لا شيء إذا لم يستمر».
*الكتاب: بلد بعيد
*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007
*الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط
A Far Country
A. Knopf-N.Y.2007
P. 288
