هذه المقابلة أجراها موقع بورزوي ريدر الثقافي المتخصص مع الروائي الأميركي دانييل ميسون بمناسبة انطلاق روايته الثانية بعنوان «بلد بعيد»، حيث أشار إلى العناصر التي استلهم منها هذه الرواية، وألقى الضوء على العالم الذي تنتمي إليه بطلتها الشابة إيزابيل التي تستقطب انتباه القارئ منذ إطلالتها الأولى، وفصَّل القول فيما يتعلق باللغة باعتبارها أداة وحيدة في مواجهة تحديات عديدة تثيرها الرواية.

مشيراً إلى أن التجربة التي حاول استشراف آفاقها في روايته الجديدة لا تقتصر علي الظاهرة العابرة للأزمان المتعلقة بالهجرة، وإنما الانتقال الأساسي الذي يقع عندما تكف رؤية معينة للعالم وللوجود عن أن يكون لها معناها، وفيما يلي نص المقابلة:

* كيف توصلت إلى كتابة روايتك الجديدة «بلد بعيد»؟ لقد قلت إن روايتك الأولى «مدوزن البيانو» بدأت بالنسبة لك بصورة ذهنية فحسب لبيانو في الأدغال. هل كانت هناك صورة من هذا القبيل فيما يتعلق برواية «بلد بعيد»؟

ـ هذا الكتاب، ربما مثل كتب عديدة، جاء بمحض الصدفة. ففي حوالي الوقت الذي نشرت خلاله رواية «مدوزن البيانو» كنت مهتماً بالمستكشف البرتغالي بيدرو كابرال، وأردت الكتابة عن حادثة وقعت على متن سفينته قبالة ساحل أميركا الجنوبية. وبينما كنت في البرازيل أجري أبحاثي على قصة رحلة كابرال، لفت نظري التاريخ الحديث لذلك البلد القائم على الهجرة الداخلية. وفي كل مكان كنت أقابل أناساً هربوا من الجفاف والصراعات على الأرض في الشمال الشرقي القاحل لينتقلوا إلى المدن.

وقد فتنتني على الدوام قصص الهجرة في الولايات المتحدة، ليست الهجرة الراهنة عبر الحدود الجنوبية، وإنما الهجرة الداخلية كذلك، سواء إلى المدن الصناعية في الشمال الشرقي أو انتقال مدن بكاملها خلال الحرب العالمية الثانية من أقصى الجنوب إلى الترسانات في منطقة الخليج. وفي بانكوك حيث عملت لمدة عام، كان جانب كبير من تلك المدينة يعتمد على قوة العمل المهاجرة من بورما ومن هضبة خورات.

واليوم يكاد يكون من المستحيل ألا يقرأ المرء عن نمو العشوائيات المحيطة بالمدن على امتداد العالم. وسرعة هذه الهجرات لها تأثير يتجاوز الديموغرافيا. وأعتقد أن الانتقال المفاجئ من التقليدي إلى الحداثي يوجد الكثير من التوتر والغضب اللذين نراهما في العديد من المجتمعات.

ولقد فتنت بالتأثيرات التي يحدثها مثل هذا الانتزاع من المكان. ما الذي يحدث عندما يترك شخص ما نمط حياة ريفيا تقليديا إلى نمط حياة حضري؟ ما الذي يحدث لمهاراته المتعلقة بالصمود والقدرة على مواصلة الحياة؟ ما الذي يطرأ على لغته؟ ما الذي يحدث لمفاهيمه من قبيل إحساسه بالزمن؟ كيف يتعامل مع العزلة التي تفرض عليه عندما ينتزع منه العالم المألوف لديه؟

* الشخصية الرئيسية في روايتك الجديدة، ايزابيل، هي فتاة في الرابعة عشرة من عمرها. لماذا اخترت شخصية على هذا القدر من الاختلاف عنك؟ هل كان تحدياً لك أن تتحدث باسمها؟

ـ من الصعب الإجابة عن السؤال المتعلق بلماذا اخترتها. وقد سمعت كتاباً آخرين يقولون إنك لا تختار الشخصية، وإنما هي التي تختارك. وقد ساورني على الدوام الشعور بأن أمراً ليس على ما يرام عندما كنت أحاول كتابة قصة من منظور آخر. وعندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، فإنني أعتقد أنني قد اجتذبت نحو الكتابة عن شخص في مثل عمر ايزابيل لأنه عمر حافل بالتغير، وهي شأن أي مراهقة تحاول أن تعرف هويتها.

ولكن حيرتها الداخلية تتوازى مع تداعي عالمها، وهكذا فإنها عندما تضطر إلى مغادرة القرية، فإنها تغادر في العديد من الجوانب طفولتها كذلك، كما أنني أحببت كذلك غموض المراهقة، فهي في الرابعة عشرة من عمرها، وهي لا تزال طفلة ولكنها تواجه مسؤوليات متزايدة مما يتحمله الكبار. وهذه الحيرة وهذه المسؤوليات كان معناها أن هناك الكثير مما يتعين عليّ ككاتب اكتشافه.

*أشرت إلى تجربة الشخصيات في التعامل مع اللغة. وفي روايتك الجديدة تحس إيزابيل في العديد من اللحظات بالإحباط حيال الضوابط التي تفرضها كلماتها. لماذا كان ذلك ضروريا بالنسبة لشخصية تعايش الدنيا على نحو عضوي إلى حد بعيد ولا تتحدث كثيراً؟

ـ إيزابيل ليست الشخصية الوحيدة التي تواجه ضوابط كلماتها. فحولها، في المناطق الداخلية وفي الإحياء العشوائية بالمدن، ينبع جانب كبير من الغضب من إحساس بالعجز والافتقار إلى الصوت المعبر. وفي عدد من المنعطفات في هذا الكتاب تشعر إيزابيل بالحاجة إلى الكلمات لوصف الرعب المتغير لموقفها، وهي لا تستطيع أن تكتب لأخيها الأكبر إيزاياس عما تشعر به في غيابه. وهي لا تفهم عامية المدينة.

وهي إذ تعجز عن وصف الخواء الذي تحس به باستخدام الكلمات، فإنها تبحث عن تفسير ما، فلغتها، اللغة التي كانت تخدمها في وقت من الأوقات، قد أصبحت بلا قيمة بصورة متزايدة. وفي غمار الكتابة، رحت أتساءل عما إذا كان العجز عن وصف الاغتراب يفاقم على نحو ما ذلك الإحساس بالاغتراب.

ومن المرات الأولى التي تفكر فيها ايزابيل في فقدان عالمها تأملها في كلمات المناطق الداخلية التي تعد بلا جدوى في المدينة. وهي تتساءل عما يمكن للشوك أن يعنيه بالنسبة لشخص لم يمسك به ولم يسر عبره ولم يمزق جلده بتأثيره. وأفكار ايزابيل تبدأ بالتأمل في اللغة. فهي إذا لم تستطع تفسير ما يجري لها كيف يمكنها أن تفهمه دع جانباً أن تسيطر عليه؟ ما الذي سيؤول إليه أمرها عندما تتبدد الكلمات التي كانت تستخدمها ذات يوم؟

* من المثير للاهتمام أنه في غمار قراءة «بلد بعيد» فإن المرء يحس بأنها قصة كان يمكن أن تحدث منذ مئة عام أو أنها تحدث الآن. هل كنت بصدد استكشاف فكرة تجربة عابرة للزمن؟

ـ أحب أن يخرج القارئ بذلك الانطباع. والتجربة التي أردت استكشافها لم تكن ظاهرة الهجرة العابرة للزمن والانتزاع العضوي من المكان فحسب، وإنما الانتقال الأساسي الذي يحدث عندما لا تعود رؤية ما للعالم وللوجود ذات معنى. وايزابيل تنحدر من مجتمع تعد فيه أحداث معينة بالنسبة لنا فائقة للطبيعة بينما هي في هذا المجتمع مألوفة وكذلك هي مألوفة بالنسبة لها.

فهي ترى أشباحاً في الأشواك، وعندما تدعو عائلتها القديس مايكل فإنها تتخيله بصورة حرفية هابطاً «وقد عبق برائحة الغبار والريش» ليحمي القرية من العصابة التي يوظفها المالك. وهي لا تضع حدسها موضع التساؤل قط لأنه له معناه في العالم الذي أقبلت منه.

* رواية «بلد بعيد»، شأن رواية «مدوزن البيانو» تحكي حكاية رحلة حافلة بالخطر، بعيداً عن الوطن، مغامرة تجبر فيها الشخصية الرئيسية على أن تعيد ابتكار نفسها في مشهد طبيعي جديد. ما الذي يجتذبك إلى هذا المعمار الذي يشبه في العديد من الجوانب القصص الكلاسيكية للأساطير والحكايات بما ترويه عن الارتحال؟

ـ لست أدري. عندما أحلم، فإن أحلامي تدور عادة حول شخص يرتحل وحيداً عبر مكان رحب. وعندما أتخيل الموت، فإنني أتخيله مكانا رحبا، كصحراء أو بحر. لقد نشأت في الغرب الأميركي، وأنا أكون سعيداً أشد السعادة عندما أنطلق عبر أرض رحبة وتحت سماء ممتدة بلا انتهاء، وربما كان هذا هو السبب في أنني أكتب قصصاً كهذه القصة. وحتى قصصي القصيرة تميل إلى أن تدور حول أناس متوحدين.

* لقد بدأت الكتابة خلال دراستك بكلية الطب. ورواية «بلد بعيد» كتبت وأنت لاتزال تدرس بها. كيف أثرت هذه التجربة في كتابتك؟ وهل تمارس الطب الآن؟

ـ تخرجت من كلية الطب عام 2004، ولكنني لم أنجز حتى الآن مرحلة الطبيب المقيم بأحد المستشفيات. وأنا أعمل الآن على انجاز رواية ثالثة، ولست أدري بعد ما الذي سأفعله عندما أفرغ منها، لكن الطب أثر على كتابتي في العديد من الجوانب.

حيث سمح لي بلقاء أناس ربما ما كان يمكن أن أن التقيهم في ظروف أخرى. وشخصية أيزابيل، في بعض جوانبها، تقوم على مريضة التقيتها عندما كنت طالباً في الصف الثالث بكلية الطب، فتاة اجتازت الجحيم لكي تصل إلى الولايات المتحدة، ولكنها من أكثر الشخصيات التي قابلتها في حياتي جدلاً وكبرياء.

وكنت قد بدأت الرواية آنذاك، ولكن تلك الفتاة، حسبما يعبر عثمان لينز في الكلمة التقديمية للرواية لها تلك الخاصية التي تستعصي على التفسير «إننا نرى في صور القديسين أكثر الناس خشونة وغلظة» وبمعنى ما من المعاني فإن هذه الرواية هي محاولة لإيضاح ما الذي يعنيه ذلك. والطب كذلك يعرف المرء بالجسم البشري بكل جوانبه الحميمية وبكل ضروب نقصه. وأعتقد أنه من الصعب الكتابة عن المرض ومعرفة ما الذي يحدث في غماره وأي إحساس يثيره.

محطات في حياة ميسون

*ولد الروائي الأميركي دانييل ميسون ونشأ في شمالي كاليفورنيا، ودرس الأحياء في جامعة هارفارد والطب في جامعة سان فرانسيسكو، حيث تخرج منها عام 2004، ولم يكمل مرحلة الطبيب المقيم، وبالتالي لم يمارس الطب حتى الآن.

*أصدر روايته الأولى بعنوان «مدوزن البيانو» والتي شقت طريقها سريعاً إلى قائمة أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة، وصدرت في 27 بلداً مختلفاً، وبلغت من النجاح حداً كبيراً، حيث حولت إلى مسرحية ثم أوبرا، ويجري حالياً نقلها إلى الشاشة الفضية.

*أصدر، بعد انتظار دام خمس سنوات، روايته الثانية بعنوان «بلد بعيد»، والتي أزالت كل الشكوك التي راودت بعض النقاد حول مدى عمق موهبة المؤلف وقدرته على مواصلة العطاء والإبداع.

*يعكف على انجاز روايته الثالثة حالياً، وإلى جوار ذلك يواصل نشر القصص في عدد من المجلات العالمية، أبرزها مجلة «هاربرز».