اللسانيات والدّلالة

اللسانيات والدّلالة

أدى تطور البحث اللساني إلى تطور جملة من العلوم، لها صلة بالظاهرة اللغوية، ولكن اللسانيات على الرغم من سيطرة بعض العلوم على بعضها الآخر فلسفة ومنهجا، قد استطاعت أن تحظى باستقلالها وتحافظ عليه من غير أن تحدث قطيعة معرفية معها، في هذا المجال يأتي كتاب «اللسانيات والدلالة» للدكتور منذر عياشي كي يستعرض علم الدلالة من المنظورين العربي والغربي والمراحل التي مر بها.

ومنذر عياشي حاصل على دكتوراه في دراسة الأسلوب من جامعة «إكس أنبروفنس» بفرنسا عام1979، ودكتوراه في اللسانيات من جامعة القاهرة عام 1983، حاليا هو رئيس قسم اللسانيات في جامعة البحرين، ومن مؤلفاته «قضايا لسانية»، «مقالات في الأسلوبية»، «معجم اللسانيات».

استعرض المؤلف في دراسته مدى مساهمة اللسانيات في دراسة اللغات، وتطورها الذي أدى إلى تطور جملة من العلوم لها صلة بالظاهرة اللغوية، إلا أنها بالرغم من سيطرة بعض العلوم على بعضها الآخر فلسفة ومنهجا، قد استطاعت أن تحظى باستقلالها وتحافظ عليه من غير أن تحدث قطيعة معرفية معها. ويعتبر عياشي «علم الدلالة» جزءا من اللسانيات أو فرعا من فروعها، ذلك لأن دراسة بنى الجمل صوتا وتركيبا يمكننا من دراسة دلالات هذه الجمل من خلال بناها الصوتية والتركيبية.

الفصل الأول من الكتاب جاء بعنوان «مدخل إلى علم الدلالة» تطرق من خلاله الباحث إلى علم الدلالة من «منظور عربي»، فالحضارة العربية الإسلامية عرفت نشاطا من هذا القبيل وتداخلت العلوم في عدد من الميادين وتواشجت، ففي إطار البحث الأصولي والفقهي قامت بحوث وعلوم تدل الممارسة فيها على الضبط العلمي الدقيق، فكان منها البحث في اللغة بوصفها نظاما والبحث في الكلام بوصفه انجازا، وكذلك مباحث في الدلالة أصولا وفروعا.

وفي نفس السياق، انتقل الكاتب من خصوصية اللغة في كل خطاب إلى خصوصية النص، فهو كنظام يقول نفسه على نحو مخصوص وفق انتمائه إلى صنف معين من أصناف الخطاب، فهو في الخطاب الأدبي يدور على مبدأ الاتصال النفعي التداولي، وفي الخطاب القرآني يدور على مبدأ الإعجاز، ومن هنا أخذت الدلالة معناها مما تقوله لغة النص وأيضا من انتماء النص إلى نوع معين من أنواع الخطاب، بالإضافة إلى الكيفية التي ينفذ بها كل نص أداءه ضمن نوع الخطاب الذي ينتمي إليه.

كما تطرق عياشي إلى علم الدلالة من «منظور غربي» الذي عرف واشتهر باسم la sematique ـ علم الدلالة ـ فقد كان مرتبطا في إطار الثقافة الغربية قديما بعلوم البلاغة ولم ينفصل عنها إلا بعد أن جاء العالم اللغوي «ميشيل بريال». وقد أجمعت كل الدراسات في تعريفه على أنه دراسة لمعنى الكلمات، أو دراسة المعنى، أو علم به تحدد الشروط التي تجعل الرمز متضمنا للمعنى.

ويؤكد الباحث على أن علم الدلالة هو حاصل تداخل العلوم وتساندها تنظيرا وممارسة، وهو في الوقت نفسه حاصل تطوره الذاتي منهجا وتصورا، إلا أنه لا يزال في حالة تطور. وقد عرفت اللسانيات ومناهج البحث الدلالي تطورا هائلا ومنه تعددت آفاق البحث ومناهجه في أميركا وأوروبا.

وسلط المؤلف الضوء على علم الدلالة من «منظور فينومينولوجي» إذ يعتبر المصطلح أداة اتصال مفيدة في موضوع واحد، وهو بهذا المعنى علامة عملية تشير إلى دلالة مخصوصة، فهو إما أن يحيل إلى مفهوم ذهني كما في العلوم الإنسانية على وجه الإجمال.

وإما أن يحيل إلى شيء كائن في الواقع، كما في العلوم الأخرى ذات الموضوع المادي، مشيرا إلى أن قضية الدلالة لها شمولها الذي تتعدى به الجزئيات وللإحاطة بها من كل جوانبها تحتاج إلى منظور فينومينولوجي يعلو بها بوصفها ظاهرة، ثم يردها إلى الواقع بوصفها حدثا نفسيا، أو اجتماعيا، أو إشاريا، أو غير ذلك.

الفصل الثاني «قضايا دلالية» وفيه أشار عياشي إلى أن اللغة كل متكامل به يتم حصول الكلام، ووجود العناصر اللغوية صوتا وصرفا، نحوا ودلالة، يقوم على التلازم ضرورة، ولولا ذلك لصارت اللغة ضربا من الفوضى، ولما استطاع متكلم أن يتواصل مع متكلم آخر.

وفي نفس السياق، يرى الباحث أن علم الدلالة اللسانية يحتاج إلى أن يعني بالكلمات دوالا ولا تكتسب معانيها الثواني المفتوحة إلا من خلال نسق أكبر منها، ينتظمها ويرتبها فيها على نحو مخصوص، رابطا بينها وبين السياق اللساني الذي وردت فيه. ومن جهة أخرى، يرى الكاتب ارتباط البحث في الدلالة اللسانية ارتباطا وثيقا بالمنهج الذي يبحث فيه، والذي يترتب عنه الوصول إلى نتائج متباعدة أو متقاربة، بحسب متطلبات البحث والمنهج الذي ألزم نفسه به.

واستعرض المؤلف بعض سمات البحث الدلالي العربي الذي عرفت الدراسات اللغوية والدلالية فيه شكلا منظما، والذي تجلى في الحضارتين: العربية والإسلامية أولا، وفي الحضارة الغربية في عقودها الأخيرة ثانيا، فقد عرفت أهم سمة من سمات البحث الدلالي من حيث علاقة هذه بالنص القرآني كما نظر إليها الأصوليون في الحضارة العربية الإسلامية.

فقد تم فيها تنظيم الدرس اللغوي والتنظير له من منطلق حضاري، يخرج من كونه مجرد تراكم لملاحظات لا رابط بينها ليصير بنية محكومة بعلاقات يجمعها النسق في إطاره ويحدد لها وظائف مخصوصة. الفصل الثالث «المصطلحات» وقف المؤلف فيه عند علم الدلالة في «دائرة المصطلحات» والتي صنفها إلى ثلاث مجموعات من المصطلحات، وكل مجموعة منها تحقب لمرحلة من مراحل العمل اللساني وتمثل اتجاها فيه.

وفي المجموعة الأولى عرفت الدراسة تطورا من مرحلة لأخرى وبالتالي انتقالا من العنصر في ذاته إلى دراسة النسق الذي يوجد العنصر فيه ليعيد نقلة نوعية على مستوى الفكر اللغوي والعلمي عموما، والذي جعل الباب واسعا أمام الدراسات اللغوية والبنيوية تحديدا لتحدث قطيعة من المنهج التاريخي، ولتضع نفسها في الآنية الزمنية التي توجد فيها.

ويؤكد الكاتب على دخول البنيوية في عدة ميادين علمية ـ في المجموعة الثانية ـ تغدو علما تجد به العلوم برهان علميتها وأصبحت قيمة دالة على صحة الإجراء في هذا الميدان أو ذاك، ويمكن القول إن القرن العشرين هو قرن البنيوية بلا منازع، باعتبارها علما يقوم على دراسة العبارة المنجزة، وعن المجموعة الثالثة يعتبرها عياشي أنها عرفت تطورا في العمل اللساني، والذي أحدث ثورة في الدراسات اللسانية.

وذلك بسبب ظهور كتاب تشومسكي الأول «البنى النحوية وسميت هذه المرحلة بمرحلة ما بعد البنيوية»، التي كانت فيها قواعد تشومسكي توليدية وتحويلية في الوقت نفسه، ولذا فهي ترى أن الجملة مكونة من بنيتين : تحتية وفيها يكون المعنى، وفوقية وفيها تعين الجملة صوتا ونحوا. وأكد الكاتب على أن عملية تحويلية في هذه القواعد لن تكون صحيحة تماما إلا بشرط أن تحافظ على المعنى عند الانتقال من البنية التحتية إلى البنية الفوقية المجسدة لها.

الفصل الرابع الذي جاء بعنوان «الاتجاهات» أبرز فيه الباحث اتجاهات البحث الدلالي الغربي، بحيث وقف عند ثلاث مجموعات كل واحدة منها تمثل نوعا خاصا من البحث والاهتمام، فدراسة الاتجاهات الدلالية في الحضارة الغربية تقوم على عكس ما كان قائما في الحضارة العربية، فالشخص فيها يقف شاهدا على النص ويعد عليه دليلا، ولذا فقد كان البحث اللغوي صورة لحضارة الشخص.

وكانت العلوم المستغلة في هذا الميدان ناتجا من نتائج الاشتغال به، ويعني أن الدرس اللغوي تموضع مفهوما ومتصورا ومنهجا خارج اللغة ثم انتقل إليها ليصبح الدرس فيها علما، وقد تطور ليصبح انعكاسا لاشتغال العلوم وتطورها، فكان أولا الاتجاه التاريخي ثم البنيوي وبعدها اتجاه النماذج اللغوية.

وبالمحصلة يأتي الكتاب كدراسة لتطور علم اللسانيات ضمن إطار الحقل المعرفي للدراسات الإنسانية، لتحل محل الفلسفة في إثارة الأسئلة وصياغة القضايا، والتي اندفعت العلوم الإنسانية لشق طريقها نحو تطورها الخاص.

ناهد رضوان

*الكتاب: اللسانيات والدلالة

*الناشر: مركز الإنماء الحضاري حلب2007

*الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط

تعليقات

تعليقات