الإمامة في عُمان

الإمامة في عُمان

ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤلف هذا الكتاب جون ولكنسون مؤرخ وجغرافي بريطاني، عمل مهندساً في شركات البترول في منطقة الشرق الأوسط، ولكن ما لبث أن تخصص بدراسة منطقة الشرق الأوسط وأنجز العديد من المؤلفات الهامة مثل: منظومة الأفلاج في عمان1974م، الماء والمستوطنات في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية 1981م، البحرين عبر السنين 1983م، قصة رسم بريطانيا للحدود في الصحراء 1991م، وقد استند ولكنسون في كتابه هذا (الإمامة في عمان) على المراجع العمانية بشكل أساسي، وقد أثرته بتفاصيل عن نشأة الإمامة وتاريخها وفترات ازدهارها وانحطاطها.

كانت الإمامة دائماً مؤسسة مرتبطة بالسلالات الحاكمة بشكل أو بآخر، وهي مصدر المرجعية الدينية للعشيرة أو الأسرة الراغبة في توحيد الدولة القبلية، ومن أشهر السلالات الحاكمة التي استمرت في الحكم فترات طويلة آل الجلندي، الخروص، اليحمد، النباهنة، اليعاربة، البوسعيديون.

الإمام الأول كان من أسرة الجلندي التي تبوأ شيوخها قيادة اتحاد أزد شنوءة في اليمن، ولكن بعد نصف قرن من المحاولة الأولى لتأسيس الإمامة الإباضية أطاح العلماء الإباضيون بحكم آل الجلندي مستغلين في ذلك التنافس القبلي.

بعد تداول فرع اليحمد الذي تشمل عشائره: الخروص، وآل الخليل ـ سلطة الإمامة كان دستور تقسيم السلطة ولكن بشكل غير رسمي؛ إذ منح العلماء من بني سامة القبيلة النزارية الرئيسية في مناطق عمان الداخلية حق الاختيار الفعلي للإمام، وأقرت قاعدة إقامة الإمام في نزوى وليس في موطنه، وذلك أدى إلى توحيد الأقاليم الواقعة على أطراف الجبال مثل: الجوف في إقليم نزوى، السر في منطقة عبري، توام في البريمي ـ مع جداف الأوسط في منطقة الرستاق المسيطرة على ساحل الباطنة.

وبسبب التوزيع القديم غير الرسمي للسلطة تزايدت المنافسة على القدرات الاقتصادية، واشتعلت الحرب الأهلية التي عجلت بنهاية مئة عام من العصر الذهبي لفترة الإمامة الأولى في نهاية القرن التاسع الميلادي، وصور ذلك الصراع قبلياً على أنه صراع اليمانية ضد النزارية، أما في الواقع فقد كان صراع القلب والمحيط.

في القرن الحادي عشر بدأ الإحساس القوي بالهوية عند سكان المناطق الجبلية يتكون من جديد عن طريق إحياء تقليد الإمامة الإباضية ما أدى إلى توحيد البلاد من جديد ولكنها هذه المرة بنيت على أساس قبلي ضيق . فاشتعل فتيل الحرب الأهلية، إذ كان حزب الرستاق المهيمن يتصف بالتجمد والتعصب في محاولاته لإقصاء أتباع التعاليم المعتدلة والعملية في حزب نزوى المنافس (البراءة).

وحاول أهل نزوى إعادة توحيد البلاد بنبذ عدائهم التقليدي لمن تسببوا في اشتعال الحرب الأهلية وما تلاها من احتلال أجنبي. لقد كان توحيد عمان يمثل الهدف العاجل فقط، ثم ما لبث أن وقع الساحل تحت السيطرة الأجنبية، وماتت الحركة الإباضية التي لم يسبق أن شهدت مثل هذا النشاط إلا في منتصف القرن الحادي عشر.

في عام 1913 عادت الإمامة في المناطق الداخلية عن طريق الوحدة الجزئية بين طائفة الغافرية وطائفة الهناوية، وتولى الإمامة سالم بن راشد الخروصي حتى 1920 ثم اغتيل، وجاء بعده محمد بن عبدالله الخليلي واستمر حتى عام 1954. وساند البريطانيون السلطان في مسقط، وتمكنوا في عام 1920 من التوصل إلى اتفاقية السيب الرسمية التي فصلت بشكل غامض بين سلطة سلطان مسقط وعمان، وسلطة من نصب نفسه إماماً على المسلمين، فاقتصرت الإمامة بذلك على المناطق الداخلية.

واختلفت إمامة القرن العشرين عن سابقتها الحقيقية بأنّ قادتها زعماء وسطيون وليسوا مختارين. ونما الفكر الإباضي، وفق النموذج التاريخي الطبيعي والسوابق المنطقية، وتأثر التاريخ الفعلي للإمامة الأخيرة في عمان بعنصرين من عناصر الاستمرارية: الإحساس بالهوية الإقليمية، والنظام القبلي المنظم للمجتمع وأنشطته.

عمان جزيرة محاطة بالخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب وبحر كبير من الرمال يعرف باسم الربع الخالي، وتتميز بسلسلة جبال طولها 650 كم، يصل ارتفاعها حتى ثلاثة آلاف متر، وتعرف في المنطقة الوسطى بالجبل الأخضر. ويتجول الكتاب في رحاب عمان بين ساحلها ومناطقها الداخلية وأفلاجها التي كانت من أبرز أسرار الاستقرار فيها، ويعرّف بالبدو وبالبنية والروابط الإقليمية، والوحدة العمانية.

وحول هذه الأخيرة يحاول الجغرافيون إيجاد تفسير لوحدة الإقليم في خاصتين هما: التناسق، والتكامل. وتتسم عمان بثلاثة مجالات اقتصادية ثقافية أساسية في الساحل والواحات والصحراء، وتشير الأدلة الأثرية على نحو متزايد إلى أن هذه المجالات لم تنم بشكل اشتقاقي، بل شهدت نمواً متوازياً في مرحلة التكيف التي تلت العصر الحديث.

ويبدو أن الصلات بين النطاقات ـ الاقتصادية بالإضافة إلى التكامل الإقليمي الوظيفي الأوسع ـ قد بدأت النمو منذ الألفية الخامسة، إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، عندما بدأ نظام التقايض يربط الشعوب التي استعمرت المناطق الحدودية للبحر الإرتيري منذ الألفية السادسة، وأطلق عليه الإغريق لاحقاً حضارة (آكلي الأسماك) التي سبقت حضارة أرض الهند.

ينقسم إقليم عمان عدة أقاليم كبيرة مكنها البقاء شبه مستقلة، وهناك الوحدات الفرعية التي تنقسم إليها عمان في فترة اضمحلال دورة الإمامة. ويمكن أن تزدهر البلاد عندما تكون متحدة على النحو الذي يمكنها من استغلال وضعها البحري، ولا يحدث ذلك إلا عندما تصل دورة الإمامة إلى أوجها، وهنا يكمن فهم أحد التقسيمين الرئيسيين لعمان: مسقط وعمان، والتقسيم الآخر بين المركز والحدود، بين الدولة المركزية والأراضي القبلية في الشمال، وجنوب شرق عمان بدرجة أقل.

في كل الأحوال تقع عمان بتكوينها البحري في حيز تمتد فيه التجارة عبر المحيط الهندي إلى أقصى شرق إفريقيا والصين، وتتميز بنمط المواصلات التي تنشط في فترة الخريف، مخترقة منطقة الخليج ذات التجارة الرابحة طوال أيام السنة عبر مضيق هرمز الذي يربطها ببلاد فارس والعراق وبلدان البحر الأبيض المتوسط؛ لذا أثر الرخاء الاقتصادي في الخليج في نمط تاريخ عمان البحري كثيراً لكنه لم يحدده بالكامل.

لقد كانت الإمامة دولة مبنية على إيديولوجية عالمية لا تعرف الحدود؛ فلم تكن للدولة حدود ثابتة، ويمكن وصف نطاقها المكاني في إطار علاقة المركز بالمحيط حيث استبدلت بالحدود الثابتة فكرة الحدود المتحركة. وفيها يتمثل مركز الدولة بأهل المعروف أو (الأمة الحق) أما القبائل الحدودية فهم (أهل البغي) الذين لم يخضعوا تماماً لأهل الفضل.

أو الآخرون ممن كانوا خاضعين للحكام غير الشرعيين الجبابرة (أهل الأحداث). إن الدولة الحقيقية يجب أن تشمل المجتمع المسلم كله، ولا يكون هناك عالم خارج دار الإسلام. ويصبح الجميع تحت مظلة السلام في الإسلام. وفق هذا الفهم يشكل الإباضيون جزءاً مهماً من هذه الأمة.

(الصلاح في الله ومن الله).. هكذا اعتمدت وحدة عمان على عدالة نظام الإمامة الجديد، ومن ناحية أكثر واقعية على التوازن الجديد للسلطة بين الإمام ومبايعيه، كان الإمام من فخذي اليحمد: الفجح، والخروص، في حين كان مبايعوه من علماء بني سامة المنحدرين من الأسر التي استقرت في إزكي وسط عمان وفي نزوى.

تمتاز عمان بتاريخ واضح وموثق على نحو مذهل لهجرات القبائل العربية إلى الإقليم، التي استوطنت سفوح جبال عمان وتقاسمتها. وقد ساعد التوازن بين الحكومة المركزية والقانون القبلي على شرح معلم مهم آخر للقبلية في عمان يتمثل بوقوع كل المراكز الرئيسية ضمن النطاق القبلي، غير أن أياً منها لا يقع في نطاق سلطة مجموعة واحدة، ويعود الانسجام إلى خليط من مفاهيم الشرف العشائري والمصالح الاقتصادية، والطموحات الإقليمية، ولكل عنصر درجة من الاستعداد للاستقلال في فض المنازعات وإقامة التحالفات.

الإمامة تنظيم لمجتمع إسلامي مبني على أسس سليمة، ويتم الاعتراف بالانتساب إلى هذا التنظيم بالولاية التي تعني أصلاَ الصداقة، لكنها تشير إلى تفضيل موقف على آخر، ويترتب على التعدي على حرمات المجتمع حدوث البراءة والانفصال ورفض السلطة، ووجوب أن يكون لمثل هذا المجتمع قائد، أي إمام. سنّ هذا المبدأ العالم الجليل موسى بن علي في إمامة عبد الملك بن حميد عام (793ـ 844م) .

وقد قال هذا العالم: «لا يجهز جيش، ولا تعقد راية، ولا يؤمن خائف، ولا تقام حدود، ولا يحكم حكم مجتمع عليه إلا بالإمام». الإمامة فريضة حسب إجماع الأمة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا النواة الأولى للمجتمع المسلم. وتقوم العلاقة بين الإمام ومجتمعه على طاعة أوامر الله حسب منطوق عقد الانتخابات.

ويتم اختيار الإمام بناء على ثلاث ميزات: المؤهلات، وطبيعة العقد بينه وبين تابعيه، وكيفية اختياره والظروف التي يمكن فيها عزله. في إمامة القرن العشرين تضافرت سلطة ثلاثية، فكان الإمام يوازن بين متطلبات الحكومة المركزية اعتماداً على المبادئ الإباضية والمصالح القبلية للزمرتين الهناوية والغافرية، وكانت المساندة التي قدمها الغافريون هي الأكثر أهمية في استعادة الإمامة.

غير أن مشاركة المجموعة الهناوية في سمائل والشرقية أفرزت وضعاً أكثر توازياً. وبوفاة حمير بن ناصر النبهاني في فبراير 1920 قبيل اغتيال الإمام سالم بن راشد الخروصي وافق زعيم اتحاد الريام سليمان بن حميد على ترشيح محمد بن عبدالله الخليلي الذي ماتت الإمامة معه في مايو 1954. وفي عمان التي توحدت في ظل حاكم واحد وتحولت إلى العالم الحديث أظهر الجميع حسن النوايا، وانعطفت عمان نحو نهضة مميزة بعدما تولى السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم.

جمال مشاعل

*الكتاب: الإمامة في عمان

*ترجمة:الفاتح حاج التوم وطه أحمد طه

*الناشر:مركز الوثائق والبحوث في وزارة شؤون الرئاسة ـ أبوظبي 2007

*الصفحات: 516 صفحة من القطع المتوسط

طباعة Email