مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور «آمارتيا سين» المولود في الهند، والذي حاضر في كالكوتا وكامبردج ودلهي واوكسفورد وهارفارد، وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1988، وأصبح في نفس العام أستاذا في جامعة كامبردج ـ بريطانيا.
ويُعتبر آمارتيا سين واحدا من أبرز المفكرين المعاصرين، متميزا بذلك بأبحاثه حول الإنماء البشري، وحول الفقر والجوع والتفاوتات الاجتماعية، وبعمله حول النظرية الاقتصادية التي تهتم بوسائل توزيع الدخل الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية. ومن بين أعماله المتعددة: «الاقتصاد والعدالة»، «الهوية والعنف»، «نموذج اقتصادي جديد»، «الأخلاق والشؤون الدولية»، «العقلانية والاقتصاد»، «التنمية والمشاركة»، الخ.
أصبحت مقولة أن الديمقراطية فكرة ولدت في الغرب مسلمة رائجة، إلا أن الكاتب يريد أن يبين أن هذه الفكرة لا تتعلق بالغرب وحده، بقدر ما أنها تتعلق أيضا بمناطق أخرى في العالم آسيوية وإفريقية وشرق أوسطية. وهذا هو موضوع الكتاب.
ومن البديهي أن «ديمقراطية الآخرين» تشكل «استفزازا» لدى الذين يحبلون من الديمقراطية ابتكارا غربيا صرفا ولد في اليونان القديمة ليجد طريقه إلى أوروبا وأميركا الشمالية، وليتسع إلى بلدان أخرى أو ليتم فرضه بقوى الاحتلال الخارجية كما يحدث في العراق اليوم.
الاعتراضات قائمة على إمكانية قيام الديمقراطية في بلدان لم تعرفها ولأسباب تاريخية وثقافية بحجة أنه لا يوجد في تاريخ أو ثقافة هذه البلدان ما يمكنها من الاختيار الديمقراطي لحياتها الاجتماعية والفكرية والسياسية. كما أن هذه الاعتراضات تستهدف البلدان الفقيرة باعتبار أن الأولويات المطروحة عليها هي التغيير الاقتصادي والاجتماعي وتأمين متطلبات التغذية ونشر التعليم ورفع مستوى معيشة السكان.
المؤلف يشدد على دحض هذه الاعتراضات، إذ لا يوجد ما يسوغها تاريخيا ولا عمليا، وبالتالي أين تكمن المشكلة؟ إنها تكمن من وجهة نظره في الكيفية التي تطرح بها الفكرة الديمقراطية نفسها. فهناك من يختار الطريق الأضيق ويحولها إلى مجرد «اقتراع» و«انتخابات»، في الوقت الذي تحتاج فيه الفكرة الديمقراطية إلى تحريرها من هذه الرؤية والنفاذ إلى ديناميتها الحية.
ويرى سين أن «الاقتراع» و«الانتخابات» ليس سوى أداة إجرائية لما تم من نقاش مفتوح حول مسائل المجتمع والمواطنين. لماذا؟ لأن هناك انتخابات تجري في بعض البلدان دون حق النقاش العام، أي دون حق التداول والاعتراف بالرأي الآخر، والاختلاف في وجهات النظر، ونقد الممارسات القائمة، والدفاع عن المطالب العادلة. والنتيجة لذلك في الظفر بالانتخابات من قبل مجموعات سياسية لا تفعل أكثر من استخدام الانتخابات نفسها لفرض سلطة تعسفية أو إدارة تسلطية.
ومن هنا فإن الكاتب «سين» يعرج على مسألة النقاش العام الموجود كمعطى في تاريخ الهند أو الصين أو اليابان أو إفريقيا أو العالم العربي ليطالب «باعتراف أكثر اتساعا واكتمالا بالنسبة لتاريخ الأفكار العالمي حول الديمقراطية» وأنه لا يمكن حصرها في منطقة ما في العالم دون غيرها.
وتدليلا على ذلك فإنه يستشهد في «المثال الإفريقي» بما يعرضه «نيلسون مانديلا» الذي بيّن تأثره وهو في مقتبل شبابه بالطبيعة الديمقراطية التي كانت تطبع اللقاءات العامة التداولية في بلاده قائلا: «كان كل فرد يستطيع أن يأخذ الكلام عندما يريد. تلك كانت الديمقراطية في حقيقتها الخالصة».
وفي العالم المعاصر فإن الحاجة إلى العمل من أجل الديمقراطية «ليس موجودا في مكان آخر بنفس القوة في إفريقيا». وإذا كانت هذه القارة قد عرفت تسلط الحكومات العسكرية عليها بعد الاستقلال، فإن الصورة قد تغيرت اليوم والمعايير الديمقراطية لم تمت فيها وهي تحتاج إلى تفهم وتفعيل لها.
كما ويتعرض الكاتب إلى المثال الهندي والصيني والياباني. فالأهمية التي أعطاها المثقفون البوذيون للنقاش العام أدّت إلى قيام «مجالس النقاش» التي عرفت ازدهارا تحت إشراف الإمبراطور «آشوكا» في القرن الثالث قبل المسيح في الهند، والأمير البوذي «شوتوكو» كان أول من وضع دستورا ليبراليا نسبيا في بداية القرن السابع بعد الميلاد في اليابان.
ويرى المؤلف أنه لا يوجد من خط فاصل وقاطع تاريخي يمكن على ضوئه اعتبار التسامح أو النقاش العام «كخصوصية غريبة»، واعتبار الاستبداد والاضطهاد والتعسف «كخصوصية لغير الغربيين». ولهذا يسوق الكاتب المثال العربي ـ الإسلامي.
فالثقافة التسامحية عبر التعايش المشترك، وفي تعدد العقائد وممارسة الطقوس الدينية، والتواصل والاختلاف في الرأي كانت حقيقة في الديار العربية ـ الإسلامية. هذا ما تؤكده الكاتبة «ماريا روزا مونيكال» بالقول إن «الأندلس العربية هي ثقافة تسامح»، وأنها حولت بذلك «اليهود من أقلية مضطهدة إلى أقلية محمية»، وصولا إلى تسلّم «ابن شابروت» اليهودي منصب وزير الخليفة عبد الرحمن الثالث.
ويشدد الكاتب على موضوع يعتبره ذا أهمية بالغة يتعلق بالعلوم والثقافة. ف«نجاح الحضارة العربية خلال الألف عام مهد ظهور الإسلام، يقدم مقالا مرموقا حول الإبداع العربي» المترافق بنزعة ديمقراطية في الانفتاح على ثقافات شعوب أخرى ذات معتقدات دينية ونظم سياسية مختلفة عما هو قائم في الديار العربية.
وبالرغم من أن ذلك لم يُكلّل بحكم سياسي ديمقراطي وعلى شاكلة ما نراه اليوم، فإن «الازدهار الرائع للعلوم والرياضيات والآداب والفلسفة العربية لا يعود إلى الإبداع المحلي وحسب، وإنما أيضا إلى حالة النقاش العام الذي أثّر على المعارف والتكنولوجيا، كما أثر على السياسة».
ويرى المؤلف أن عدم اعتبار أهمية التسامح والانفتاح على الثقافات الأخرى، وعدم التوقف عند الأهمية المركزية للنقاش العام في مفهوم الديمقراطية، يقوّض «أسس فهم سليم لمكانة ودور الديمقراطية في العالم المعاصر» ليجعلها مجرد نموذج يراد تصديره قسرا للآخرين. كما ويلغي تاريخية النموذج الديمقراطي الغربي نفسه.
تكفي الإشارة أن حق المواطنة والتصويت والترشيح لم يكن حقا ديمقرطيا شاملا بالنسبة للجميع بعد قيام الثورة الديمقراطية الفرنسية عام 1789، وأنه كان لا بدّ من الصراع من أجل هذا الحق ليتم عام 1848 بالنسبة لجميع الرجال وليتحقق عام 1945 بالنسبة لكافة النساء بحيث أن «سيادة الشعب» لم تتوفر حقا قبل هذا التاريخ.
ويدرس الكاتب مثال الهند الذي وجدت نفسها في حالة فوضى صبيحة استقلالها عام 1947 وقيام تقسيمات جغرافية سياسية فيها لم تكن مقبولة، وانتشار الفقر داخلها ووجود عديد من اللغات والأديان والاثنيات في قلبها. ومع ذلك فإن الديمقراطية في الهند مكنت من تجاوز المجاعة فيها وتوحيدها ورفع مستوى معيشة سكانها وتحقيق ازدهار اقتصادي لمواطنيها.
واليوم هناك توافق عام حول «السياسات النافعة» التي يجب اتباعها: أي النهوض بالاقتصاد والانفتاح على التنافس الحر ورفع مستوى التعليم وتحقيق الإصلاحات الزراعية الناجعة، ومشاركة المواطنين في الحياة العامة. ويشدد المؤلف على التمييز بين النظام الديمقراطي وحكم الأغلبية الانتخابية.
فالنظام الديمقراطي يحمل مستلزماته المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر النقاش العام. فالانتخابات أو حكم الأكثرية الاقتراعية من شأنه أن يكون مزيفا «اللهم» إلا إذا اقترن بفتح النقاش على هذه المستلزمات والدفاع عنها، ووفر في الوقت نفسه الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين. بهذا يمكن تحقيق المفهوم الشامل للفكرة والنظام الديمقراطي اليوم وعدم اختزاله أو إفساده.
ليس هناك ما ينفي مسألة الفكرة الديمقراطية وقيمها في التاريخ الإنساني، وتصارع فيه كافة المجتمعات لتأمين حياة ديمقراطية حرة لها اليوم، وبالتالي «لا يوجد هناك ما يجبرنا أو ما يقيدنا» بشكل لا فلات منه لتحقيق الاختيار الديمقراطي، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
*الكتاب:ديمقراطية الآخرين
*الناشر:«بايو» و«ريفاج» - باريس 2006
*الصفحات: 94 صفحة من القطع المتوسط
La démocratie des autres
7002 sirap - segaviR te toyaP
49.P

