يتعرض هذا الكتاب ( حامد ندا رائد السريالية الشعبية) لحياة رائد السريالية الشعبية الفنان «حامد ندا»، وعلاقته بجماعة الفن المعاصر وبالفنان «حسين يوسف أمين» الذي لعب دوراً تاريخياً في حركة الفنون التشكيلية في مصر، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفى «حامد ندا» على وجه الخصوص.
وقد بدت تأثيراته على ندا وغيره أكثر وضوحاً حين أسس «جماعة الفن المصري المعاصر» الذي يعتبر الوجه المقابل لجماعة «الفن والحرية» التي كان على رأسها جورج حنين ورمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني وآخرون، وكانت لهم توجهاتهم الثقافية الناتجة عن جذور بعضهم الأرستقراطية، خاصة أن لغتهم الأولى كانت الفرنسية.
مؤلفة الكتاب د.إيناس حسني بكالوريوس فنون جميلة، وحاصلة علي درجات الدبلوم، والماجستير، والدكتوراه من المعهد العالي للنقد الفني تخصص نقد تشكيلي، صدر لها كتاب «أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة» عن دار الجيل للنشر والتوزيع ببيروت عام 2005، له العديد من الدراسات في نقد الفن التشكيلي والعديد من الحوارات التشكيلية والثقافية وعروض الكتب في الكثير من الجرائد والمجلات المصرية والعربية.
أما الفنان «حامد ندا» موضوع هذا الكتاب ولد عام 1924 بحي القلعة أعرق أحياء القاهرة، ثم انتقل ليمضى صباه في قصر يملكه جده «»بالبغالة»، وهناك تشرب الدين والواقعية من والده، ونهل الفن والخيال من جده، فعاش حالة من التناقض غذتها فيه بساطة بيت والده في حي القلعة، وفخامة قصر جده الكبير في حي البغالة.
وفى طفولته استمع إلى الحواديت والأقاصيص الخيالية من نسوة كن يأتين إلى منزله ليقمن بتسلية والدته بأغرب الحكايات التي كانت بمثابة الخميرة الأولى لخياله وبداياته في الرسم حيث ظهرت بعد ذلك أصداء هذه الخرافات في لوحاته .
تقول د. إيناس حسني: لقد ظهرت موهبة الرسم عنده وهو في سن السادسة، وكانت رسوماته بسيطة عشوائية، وتطورت من سنة إلى أخرى، وفى المرحلة الثانوية انصب اهتمامه على تثقيف نفسه ووجدت ضالته في الفلسفة باعتبارها محور الثقافة والفكر، قرأ لفرويد وآدلر وهيجل وشوبنهاور ونيتشه وانجلز، كان يبحث عن رؤية كل واحد منهم الفلسفية تجاه العالم، وفى نفس المرحلة واصل نشاطه التشكيلي في جمعية الرسم.
حيث كانت الدراسة فيها عبارة عن نقل للأعمال الشهيرة لكبار الفنانين العالميين، فرسم لكثيرين من بينهم موريلو وفيلاسكيز، وخلال هذه المرحلة تعرف على قواعد الفن التشكيلي وقوانينه، وفى عام 1943 وهو طالب في مدرسة الحلمية الثانوية (فاروق الأول سابقًا)، أعلنت وزارة الصحة عن مسابقة للملصقات فاز فيها بلوحة تمثل بائع البطيخ بالقلعة تحف به أسراب الذباب، وهو مشهد لا يرى إلا في أعماق البيئات الشعبية.
وقرأ في المرحلة الثانوية للعديد من الفلاسفة، واستمع لفاجنر، وتشايكوفسكي وبيتهوفن وكورساكوف، وغيرهم ممن أثروا في ثقافته وفلسفته ورحلة استكشافه للعالم من حوله. وتضيف: في المدرسة الثانوية التقى بمدرس الرسم آنذاك «حسين يوسف أمين» الذي أسس «جماعة الفن المعاصر» بعد ذلك حيث دربه على رسم الصواميل والسلاسل بالقلم الرصاص وتبين جمال تكويناتها.
وكان يتحمل نفقات العمل من الألف إلى الياء من أوراق وألوان وقماش وموديلات وندوات وافتتاحات معارض وطباعة دعوات وكتالوجات. فضلاً على مكتبة زاخرة بالمراجع يعيرها للأعضاء. كما استقطب اثنين من النقاد المرموقين آنذاك: البلجيكي «الكونت فيليب دارسكوت» ـ الذي نشر في بلاده كتابًا عن «الجماعة» ذكر فيه «حامد ندا» وقابل بين لوحاته وكتاب الأيام لعميد الأدب العربي «طه حسين».
من حيث تصوير العادات الشعبية بأسلوب تراجيدي. ثم الناقد المصري «حبيب- إيميه عازار» الذي نشر كتيبًا بالفرنسية في مصر عن «جماعة الفن المعاصر». الأمر الذي أخر دخول «ندا» و«الجزار» دائرة الضوء على الصعيد المحلى وبخاصة وأن حركة النقد العربية لم تكن قد تبلورت بعد.
والتحق ندا بكلية الفنون الجميلة عام 1948، وأثناء الدراسة انضم لجماعة الفن المصري المعاصر، وكانت جماعة متحررة هدفها إحياء التراث الشعبي والثقافة المصرية والفلكلور المصري، وتعلم على أيدي رائدي الأكاديمية والتأثيرية: «أحمد صبري» و«يوسف كامل»، ولم ترسخ في أعماقه سوى تعاليم الرائد «حسين يوسف أمين» الذي أطلق قوى تلاميذه وحطم أغلال مواهبهم الخلاقة.
إلا أن الدراسة الأكاديمية المعتمدة على المحاكاة زودته بمخزون من صور الطبيعة وقراءاته الغزيرة في الفلسفة وعلم النفس والمعارف العامة لسنوات طويلة، ومنحته أسلوباً حضارياً للتفكير. ومن هذا المزيج المتفاعل مع تجارب الحياة والجرأة والذكاء والموهبة، تشكلت صور ذهنية هي التي نلتقي بها مجسدة في لوحاته، وهذا هو مكمن الصدق لديه، فهو لا يستهدف سوى التعبير بلا خجل عن خلجات نفسه حتى أنه يفصح أحياناً عن مضامين عاطفية ذات رموز ظاهرة،
لكنها تخلو من التدني والسوقية، وبخاصة في لوحاته الأخيرة المفعمة بالحيوية والإثارة، وقد عبر فيها عن ذاتيته وفرديته في إطار اجتماعي ثقافي عميق. فمثل هذا الإبداع إذا لم يتضمن فلسفة قوية، تحول إلى فن سطحي أقرب إلى التشكيلات الشعبية التي نراها عند بعض الفنانين.
وعندما تخرج في الكلية الملكية للفنون الجميلة عام 1952، كان مشروعه الذي رسمه «الشعوذة والعقائد السائدة الموروثة» وهى التيمات التي ظلت لفترات طويلة تسيطر عليه على نحو جعلها أسلوباً خاصاً به وحده.
وترى د. إيناس أن حب حامد ندا للبيئة الشعبية كان من نتيجته الطبيعية أن اختار لمشروع البكالوريوس موضوع الشعوذة ومن صورها الزار ولكي يضفى واقعية وحيوية على المشروع أحضر لداخل الكلية فرقة حقيقية بالرايات، لتعزف إلى جواره بالمرسم.
وكان وقتها د. طه حسين وزيراً للمعارف (ودائماً كان يرسل من يقول امنعوا الدوشة، الوزير مش عارف ينام وذهب إليه «لطيف نسيم» يخبره بأنه بالكلية فنان لا يرسم إلا بهذه الطريقة، ورغم ذلك استمر الزار الداخلي لمدة ثلاثة شهور حتى انتهى المشروع. وفى يوبيل الكلية الفضي أحضر فرقة أبو الغيط تعزف عبر شوارع الزمالك ولقيت إعجاباً وترحيباً هائلاً داخل الكلية.
وفى عام 1946 كان معرض «جماعة الفن المصري المعاصر» الأول، وقد كان هذا المعرض لا يمثل أهم خصائصهم الفنية والفكرية «للجماعة» لعدم اكتمال نضوجهم، وفى شهر مايو عام 1948، كان تاريخ المعرض الثاني للجماعة حيث ظهرت باكورة أعمال «عبدالهادي الجزار» و«حامد ندا» مكتملة الشخصية ولفتت انتباه النقاد والمعنيين، كان الفارق جلياً بينهما في الأسلوب وما ينطوي عليه من فكر ومضمون، وتبلورت ملامحهم العامة «كجماعة».
وملامحهم المتميزة كفنانين أفراد، وازداد عالمهم اقتراباً من الصدق، وتوالت بعد ذلك معارضهم ورؤاهم حتى عام 1954، إلى أن تفككت الجماعة، لكن بعد أن أضافت إلى الحركة الفنية تياراً خصباً متجدداً، وقد وصف رئيس الجماعة ورائدها «حسين أمين» أعمال الفنانين السبعة العارضين.
فقال عن «ندا» إنه مصور الحياة الشعبية من وجهة نظر المحلل الكاشف لما فيها من عوامل الخرافة المتصلة بالبيئة الشعبية في عاداتها ومظاهرها ومشاكلها المختلفة وبتعقيداتها المبهمة والدوافع السيكولوجية لها. أما «الجزار« فوصفه قائلاً «إنه أكثر التصاقاً بالطبيعة، منذ أن جذبته بدايتها المجردة من كل أثر للعقل البشرى.
وراقب الإنسان كيف عاش وسلك طريقه في هذه البداية كان «الجزار» يرسم الواقع، وأمواج البحر والإنسان بشكله البدائي، بينما انشغل «ندا» بالبيئات الشعبية، والمقاعد القش ومصابيح الكيروسين والقط الأسود والبرص الذي كان يربيه في مرسمه ويقدم له الطعام، والنساء والرجال بالملابس الشعبية المزخرفة.
ولكن سرعان ما تلقف «الجزار» الفكرة ومضى بها إلى مستواها الرفيع الذي نعرفه، وانقضت فترة من الزمن تشابهت فيها لوحات الصديقين (ندا والجزار) إلى الحد الذي تختلط فيه على المتلقي، ثم أقلع «ندا» عن هذه الموضوعات، وإن كان الطابع الشعبي يلقي بظلاله على فتياته العاريات وما يحوطهن من عناصر رمزية.
وقد مضى ندا يساهم في بناء الحركة التشكيلية المصرية، وفى أعماقه آثار لا تمحى لتعاليم الرائد الراحل، الذي نسيه الجميع لأنه لم يكن أستاذًا في كلية فنية. في عام 1951 أبدع «ندا» مجموعة لوحات نال بها درجة الدبلوم من الفنون الجميلة، بها موضوع «الشعوذة» حتى يعبر عن مظاهر الحياة الشعبية التي عاشها طوال السنوات السابقة وحتى يجمع بين الاتجاه الأكاديمي ونزعاته الفنية الذاتية.
فحفلت لوحاته بمظاهر السحر والدروشة والزار. وامتلأت الملابس والجدران بالرسوم الرمزية وزخارف الوشم على الأيدي الغليظة، مع العناية بالتشريح والظل والنور وإقحام العناصر الغريبة، مما أضفى على لوحاته طابعًا سرياليًا ظل يصاحبه دائمًا حتى بعد انتقاله إلى تشكيلاته الحديثة التي لا يعتمد فيها على أفكار مسبقة، بلا عنوان أو موضوع يدفعه شعور مبهم إلى سطح اللوحة فيضع عليها عنصرًا ما: امرأة وقطة أو ساعة حائط وعصفورًا.
وغالبًا ما يتصور نفسه متقمصًا شكل قط أو عصفور، ديك أو حصان، ثم تتوالى العناصر بلا علاقات منطقية مع واقع الحال، إنما في صور أقرب إلى الكوابيس تتسم بالشاعرية والطرافة .. والرهبة أيضًا .. تجسيد لخيالات ذاتية مستقرة في أعماقه قد لا يتبينها قبل أن تبدو لعينيه على اللوحة.
ثمة علاقة بين عناصره والطبيعة لكنها تفتقد المنطق، كائنات غريبة وإن كانت ذات صبغة بشرية أو حيوانية، حتى الأشياء غريبة بدونها. تكوينات لا معقولة في ضوء أفكار فرويد عن العقل الباطن .. تخاطب أعماق المتلقى وتثير هواجسه وتستنفر أفكاره .
محمد الحمامصي
*الكتاب: حامد ندا رائد السريالية الشعبية
*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2007
*الصفحات:188 صفحة من القطع المتوسط

