مؤلف هذا الكتاب هو د. أحمد بيضون أستاذ علم اجتماع في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في بيروت، وهو كاتب متعدد الاهتمامات الثقافية والفكرية، صدر له العديد من المؤلفات، منها: «ديوان الأخلاط والأمزجة، شعر، 1984»، و«بيروت اللقاء، سيناريو، 1984»، و«مداخل ومخارج، مشاركات نقدية، 1985»، و«الصراع على تاريخ لبنان، 1989»، و«بنت جبيل ـ ميتشيغان، 2006».

و«ما علمتم وذقتم، مسالك في الحرب اللبنانية، 1990»، و«كلمن، من مفردات اللغة إلى مركّبات الثقافة، 1997»، و«تسعَ عشرةَ فرقة ناجية، اللبنانيون في معركة الزواج المدني، 1999»، و«الجمهورية المتقطعة، مصائر الصيغة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، 1999»، و«الصيغة، الميثاق، الدستور، 2003» (بالعربية والفرنسية)، و«مغامرات المغايرة: اللبنانيون طوائف وعرباً وفينيقيين، 2005».

وأصدر كذلك بعض المؤلفات باللغة الفرنسية، كما ترجم من الفرنسية إلى العربية: «لبنان اليوم (1942)، لميشال شيحا، 1994»، و«في السياسة الداخلية، لميشال شيحا، 2004». ويقوم أحمد بيضون في كتابه «معاني المباني: في أحوال اللغة وأعمال المثقفين» بتجوال حرّ، يشبه اللعب، بالمعنى البارتي للكلمة.

يبدأه من اللغة العربية الفصحى وأحوالها، ثم يسير إلى تقابل الألفاظ في المعجم المتقابل، فرنسي عربي، ويمتد إلى ألوان أخرى من الثقافة، تطاول زيارات لحقول ثقافية متنوعة ولما يكتبه بعض المثقفين في مجالات مختلفة، وتتوقف عند لحظة وداع سمير قصير.

ويتسع متن ما يكتبه لعلل الأخيلة وآثارها، عبر تناوله للبنان والفرانكفونية، وملامح لحاضر الثقافة فيه. ويختتم تجواله بشذرات عن موارد الديمقراطية في النشأة، وشعائر الجسد، وأحوال العصبيات، وباستجلاء معنى الصورة الجسدية، ومعنى الجماعة العضوية في المشروع الديمقراطي.

وباعتبار أن اللغة والكتابة آخر الممالك التي يمكن للمرء أن يلهو فيها بحرية، دون أن ينهره أحد أو يضربه أحد على رأسه إن فعل ذلك، فإن أحمد بيضون يتوجه إلى المواقع التي خسرتها اللغة العربية الفصحى، مثل دور التعليم ودور العبادة، والمنتديات الثقافية، والمنابر السياسية، والمسارح، ووسائط الإعلام، راصداً التحول من لغة الإذاعة إلى لغة التلفزة، وزحف العاميات على منابر أو أغراض كانت تستند بها الفصحى.

ويتفحص «الفصحى ومحيطها اللغوي»، ناظراً في الأسباب الدامغة التي أدت إلى إصابة الفصحى بأعراض فقر الدم اللغوي، كتجربة المشافهة التي أخذت تسيطر على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مثل جحافل جياع ومحرومين، وانقطاع غريزة التواصل مع السياق الفكري الكامن في الطبقات السفلى للفصحى، وبشكل لم تعد فيه مؤهلة للعيش بصحة سليمة، بعد أن تلاشت قوتها وأصابها الهزال.

وباتت الهوية القائمة للفصحى أمراً آيلاً إلى الزوال، حيث كسبت العامية ما خاضته من جولات ضد الفصحى، ليس لأنها أكثر اقتراباً من طبيعة حياتنا اليومية، وليس لكونها كذلك تستجيب للوتيرة المتسارعة لنمط الحياة المعاصرة، بل بسبب أزمة تشبه السقوط الأعمى في الدوامة أو الاستسلام للموت المحتوم.

الحاصل هو جلاء الفصحى، لصالح العامية، عن دوائر من عالم المشافهة كانت لا تزال تحتل فيها موقعاً موروثاً، حتى أضحت العاميات تمثل الوسيط العام ما بين الفصحى والعالم بعد أن لم تكن سوى وسيط موضعي. ومع ذلك يدعو بيضون إلى معاملة للعاميات، في الدرس اللغوي وفي التعليم، بعيدة عن الازدراء الذي لا تزال عرضة له.

وإلى ترميم السلطة اللغوية للفصحى ما أمكن ووضع الإعلام في صفها وإطلاق الدرس اللغوي، صرفاً ونحواً وبلاغة ومعاجم، بعد الخروج من دائرة الزعم القائل إن همّ اللغة يرتد بنا إلى عهود بائدة وإن العلوم مسلكنا الملكي إلى العصر.

وتعني الكتابة في «الأمثلة» التي يسوقها أحمد بيضون حيّز حرية، وفضاء للتحرر من كل سلطة.

وكذلك من كل نظام محدد للمعنى، أو التزام اجتماعي أو سياسي، حيث يمكن فيها تمزيق طغيان سلطة المعنى من خلال اللعب الحر للغة ودوالها، ويصبح النص شخصاً مرحاً حسب تعبير «رولان بارت»، تخطه الكتابة بوصفها نوعاً من اللعب الممزوج باللذة والمتعة، تلتصق به، ولا يأسرها سوى «توريق المعنى»، حتى تغدو الكتابة جسداً، بها يحيا الجسد، وخارجها يفنى الجسد ويذوب.

ووفق هذا المنحى تصبح مسائل اللغة مجرد أمثلة، أو مبان، يبنى عليها ما يخص عوالم غير اللغة، تشيد المعاني فيها بموارد غير كلامية، من قيم وصور وحوافز وعمارة وروادع نفسية ومادية، ويساق فيها «النثار» الثقافي ليس على عواهله، بل في سياق همّ يثقل الصدر.

وينضح بالبحث والمساءلة والخلخلة لثوابت ساكنة مجتمع ساكن، معاقة فيه الحداثة المرجوة، حتى يغدو إفراد الإيقاع لسؤال الحداثة في موسيقى الشعر ضرب من مفسدة للسؤال ذاته، ويدور الكلام حول توسيع السؤال، كي يشمل على مكونات ومركبات اللحن، بما هي منشئة لمناخ القصيدة، وبشكل يتيح للحداثة أن تسترد ما تركته من تشكيلات إيقاعية.

والأمر لا يشذّ في مدارات الكتاب الأخرى، التي تنفتح على سؤال «متى نحن؟»، الذي ينقلب إلى سؤال «أين نحن من العالم الديمقراطي؟» بوصفه يملك جواباً يشي بأننا في حالنا وهو في حاله.. وفي حالنا أيضاً، لأن الديمقراطية ليست يوتوبيا على ما يوضح «آلان تورين»، و«لا يصح انتظار انبلاج فجرها الآتي من «لا مكان»، وأن السبيل الوحيد لتقدير نصيبنا المحتمل منها هو النظر في واقع مواقعنا ومواقفنا وما يليها من إمكانات».

وبالإشراف على حالنا مع العولمة، فلا يرى أحمد بيضون وجود أي وجه من وجوه علاقتنا بالعالم ما زال بمنجاة من العولمة، إن لم يكن بوصفها سياقاً جارفاً، فبوصفها آفة نظرية جديدة. لكنه يلاحظ أن بيرق اللا مساواة والهيمنة مرفوع على سارية العولمة الثقافية شأنه على سواري غيرها من العولمات.

وأن ثقافة بعينها ولغة بعينها تتقدمان في صورة المدّ الطاغي على شاشات العولمة، الحاسوبية منها والتلفزيونية. لكن القول إن نفوسنا تنعى إلينا، إذ نراقب اقتراب هذا المدّ، فيه كثير من الغلط فضلاً عما فيه من ضرر. والخشية ليست من عاقبة العولمة التي يراها كثيرون وحشاً خرافياً يلتهم البشر ولا يشعر بالشبع مطلقاً، لأن العولمة عولمات، ذات أوجه عديدة ومتنوعة.

ولا تطاول الخشية التثاقف بين الحضارات المعاصرة وتياراتها الفكرية، لأن كل ذلك لا يرقى إلى كابوس القمع والتخلف والعصبيات الما قبل مدنية. وعند العرض للمتوسط، يبدو على أنه مجال لقاء ممكن بين مشاطئيه، بوصفه إمكاناً منوطاً ليس فقط بالمواقع الجغرافية والمواريث التاريخية.

بل بالبنى الاجتماعية والثقافية الراهنة في البلدان المتوسطية، وكذلك بموازين القوى الفاعلة وأساليب التصرف بها ومصائرها المنظورة بين ضفتيه. وهذا كلام يستند إلى رؤية خاصة، تنظر في العوالم التاريخية والثقافية، بوصفها معياراً لقراءة حال بلدان البحر الأبيض المتوسط.

أما مدار «معالم للثقافة المعولمة بعد 11سبتمبر أو الشيخ أسامة يعيث فساداً في هوليوود»، فيحيلنا إلى سؤالين أوليين. الأول» ما الثقافة؟ والثاني: على أي شيء في الثقافة نتكلم؟ لكنه مدار ينقلنا إلى المشهدية الهائلة لأفلام الخراب الهوليوودي، التي يعبر نجاحها، ورجاحة نصيبها من رساميل المنتجين، عن حضور احتمالات داهمة لخراب عظيم في بنية علمنا الحاضر.

وبالانطلاق من «صدمة» العصر الثقافية، يرى أحمد بيضون أن صدمة الحادي عشر من سبتمبر لجمت «مخيلة الخراب السينمائي، على الأرجح، إذ اتخمت الأبصار خراباً، وكبحت، في مساق الفعل نفسه، وظيفة التفسير أو الفهم العقلي، لأن هذه الوظيفة عالة على المخيلة، منوطة حركتها بفعل التوق المقتحم في هذه الأخيرة»، ثم تنفتح أسئلة كثيرة، لا تأتي الإجابات عنها بترياق العراق.

ونصل إلى «ملاجئ الأنا»، حيث تفعل السيرة الذاتية فعلها في مدار «من العربية إلى الفرنسية وبالعكس - ذو اللغتين مسعوداً ومنحوساً»، وتنفتح على الطفولة والبلدة التي ولد فيها أحمد بيضون وعاش طفولته، ثم يرسم مساره في تعلم اللغة الفرنسية، ثم التعرف على آدابها وعلومها، حيث نقرأ الكيفية التي انتقل بها من قراءة القصة الفرنسية «الهر ذو الجزمة» إلى «الفرسان الثلاثة» للكاتب الفرنسي «الكسندر دوما».

وإلى كتاب «الإنسان المتمرّد» للكاتب «ألبير كامو»، فإلى كتاب «الكون والعدم» للفيلسوف «جان بول سارتر»، الذي صادره منه أستاذه بحجة أنه لم يبلغ السن التي تؤهله قراءته. ولا شك في أن مسافة كبيرة من القراءة تفصل ما بين «الهر ذي الجزمة» و«الكون والعدم».

ثم الوصول إلى فرنسا لدراسة الفلسفة في 1963، وفي الجعبة ما تعلّمه من سارتر من «أن الإنسان هوى لا طائل تحته وأن العدم يتغلغل في كيان الإنسان وأننا محكوم علينا بالحرية»، ولم يمنعه البحث والكشف من حمل شارة الماركسية، ثم ألتوسير وفوكو وكلود ليفي ستروس وسواهم، لينتهي مدار السيرة الذاتية على أفلام إنغمار بيرغمان في مناسبة تكريمية.

هكذا، يكتب أحمد بيضون نصوصاً، تتسم باللا حسم، لأن الكتابة لا تنشد سوى الإفادة والمتعة، وتنتهجهما بالاستناد إلى اللغة والأسلوب المتميزين في تناول المدارات المختلفة. وتظل اللغة العربية عشقه وحقله الذي يشيد عليه مقامات الفكر والكتابة، التي تتجلى في متانة لغوية ممزوجة بسلاسة وقوة ورصانة ورهافة.

والمؤكد أن كاتباً بقامة أحمد بيضون يعي تماماً ما تكتنزه اللغة من مكنونات، وما تخفيه من أسرار وجماليات، وتجده لا يتوانى عن الحفر في مباني الكلمات ومعانيها، وعن التزود المستمر مما تقدمه لغات العصر وأفكاره، وعن الانشداد إلى قضايا أهله وناسه.

عمر كوش

*الكتاب: معاني المبانيد في أحوال اللغة وأعمال المثقفين

*الناشر:دار النهار ـ بيروت 2007

*الصفحات: 331 صفحة من القطع الكبير