مؤلف هذا الكتاب هو د. وديع بشور، وهو طبيب سوري وباحث في التاريخ القديم، له العديد من الأبحاث والكتب منها : الميثولوجيا السورية، وسومر وأكاد، وسوريا وقصة الحضارة، وسوريا ـ صنع الدولة وولادة امة، أضواء على حروب الفرنجة والتركمان.
ويأتي كتابه « ديانات الأسرار» ليبرز أهمية تجديد البحث الفكري في العقائد القديمة، والتي يظن معظم الناس أنه فات أوانها، أو أنها فنيت حتى من ذاكرة التاريخ، متناسين أن الفكر كالمادة لا يفنى بل يتفكك إلى مقوماته الأساسية، ثم تعاد صياغته في قوالب وأشكال جديدة.
في البداية يحدد المؤلف مفهومه للدين والأسرار. فالدين باللغة الأكادية تعني الشريعة وتتضمن مفهوم العدالة. ويقصد بها شريعة مستمدة من وراء الطبيعة. وهذا ما يميزها عن الدساتير والقوانين التي يسنها المشرعون البشر والحكومات. وقد بدأ الإنسان يعقل الفكر الديني منذ نشأته، لأن الدين ضرورة اجتماعية وفردية لكل المجتمعات وعبر كل العصور.
وأما السر ( Mystery ) فقد رافق الفكر الديني منذ بداياته. وهو «حقيقة دينية» أو «حقيقة عقلية» فوق مستوى استيعاب البشر، خارقة للطبيعة لا تخضع للعلم أو المعرفة أو البرهان. ومع أن الأفراد المشبعين بالفكر المادي والعلوم التطبيقية يرفضون الأسرار، إلا أن الأكثرية الساحقة من المجتمعات تؤمن بها وتصدقها.
وقد تطور الفكر الديني عن الروحانية Animism أي أن لكل شيء في هذا الوجود نفسا، وهناك قوة غيبية تحرك كل شيء في الوجود. فكان عند السومريين نحو أربعة آلاف إله، واختصرها البابليون لنحو ستمائة، ثم تطور الفكر الديني عبر آلاف السنين إلى أن توصل إلى التوحيد منذ أخناتون (القرن الرابع ق.م ).
وعالج الفكر الديني مسائل عديدة أثارت العقل البشري منذ بدايات وجوده مثل : وجود الكون وتنظيمه ومن صنعه، ووجود الإنسان وعلة وجوده والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فنادت أغلب الأديان بالصدق والمحبة والأمانة والعمل الصالح، والتي تشكل الرادع الداخلي عن الرذيلة، والذي وصفه الرواقيون بالإلوهية الداخلية في الإنسان .
وتعتبر الحضارات المصرية والإغريقية والرومانية والسومرية والبابلية القديمة مهد ديانات الأسرار. وتتشابه الكثير من هذه الديانات في هذه الحضارات في الجوهر وذلك لانتمائها إلى جذر مشترك وهو عصر الزراعة.
وأقدم الأسرار وأشهرها هي أسرار إيليوس عند الإغريق. وهي عبادة مستوحاة من طقوس الزراعة ودورات فصول السنة. بطلتها ( ديميتر) Demeter ابنة الإلهين ( كرونس Kronos وريا Rhea ) وقد خلدت قصة ديميتر في قصيدة تنسب لهوميروس من 495 سطراً والأرجح أنها كتبت في القرن السابع ق.م.
وكانت تقام احتفالات الأسرار الايليوسية كل سنة على شرف ديميتر وابنتها برسفون آلهة العالم السفلي بجانب مدينة أثينا. والاحتفال الأكبر كان يجري في أيلول كل خمس سنوات ويدوم تسعة أيام ويقومون بنوع من المناولة «الافخارشيا» حيث تقوم الآلهة بتمثيل السر بشربها الشراب المقدس من الكأس.
ويقوم بعد ذلك المنذرون بالشرب وهذه الطقوس كانت منتشرة في كل الحضارات القديمة. ومازالت تمارس حتى الآن بأشكال وأسماء مختلفة في مناطق مختلفة من العالم مثل سوريا والعراق. ومن أهم ديانات الأسرار: الهرمسية، والاورفية، والفيثاغورثية.
و الهرمسية : منظومة من التعاليم والعقائد المنسوبة إلى الإله المصري تحوتي أو توت(Thoth) وقد دعاه الإغريق هرمس « المثلث العظمة»
(Hermas Trismegistus) . وتنسب إليه مختلف العلوم كالسحر والخيميا والكتابة والحكمة. وهو ابن «زفس» كبير الآلهة. وهرمس مشتق من الكلمة هِرِم ((Herem التي تعني كومة حجارة. ودخلت العربية في اسم هَرَم كأهرام مصر.وللجماعات الهرمسية تقاليدها الخاصة في ديانة العرفان ((Gnosticism.
ومن صفاتهم التوحيد والتنسك والطهارة والصمت أثناء الطعام بعكس الغنوصيين الذين عاشوا حياة عادية في المدن. ومن حيث العقيدة فإن الهرمسيين والغنوصيين متقاربون جداً من الناحية الروحية. وتشترك المدرستان بأشياء كثيرة. فالفريقان مكرسان لعقيدة العرفان « Gnosis » أي الحصول على المعارف العليا.
وان الجسد قيد أو سجن للروح، وأن الغنوص هو المحرر لروح الإنسان. مع الفارق أن الهرمسيين كانوا يرون في هرمس تجسيداً لتعاليم الخلاص والحكمة، بينما الغنوصيون يتجهون نحو مخلص أحدث هو يسوع . والكتابات المنسوبة إلى هرمس ـ توت تقسم إلى صنفين : الهرمسية الشعبية وتتعلق بالتنجيم والعلوم السرية.والهرمسية المثقفة وتتعلق بعلم اللاهوت والفلسفة .
وتعكس الهرمسية الشعبية أفكار وعقائد الناس، أما الكتابات اللاهوتية يمثلها بشكل رئيس ( 17 ) مقالة، وتعود للقرون الثلاثة الأولى من العصر المسيحي، وهي مليئة بالروحانية والورع النسكي. العقيدة مصرية وأما الفلسفة واللغة فيونانيتان وقد انتشرت الهرمسية بواسطة العرب وأثرت في مفكري الغرب.
وقد ذكر هرمس تكراراً في أدب عصر النهضة. وما يسمى بالأدب الهرمسي هو سلسلة من البرديات. وأشهر المقطوعات الهرمسية هي «الرؤيا». وفيها يشرح معرفة الكون والعلوم السرية عند المصريين المتعلقة بالثقافة وكشف النفس البشرية.
وقد زاد تأثير الهرمسية في الثقافة الغربية في عصر النهضة وجماعات الأسرار وحتى بدايات القرن العشرين حيث تم ترجمة ونشر كافة الوثائق باسم «هرمس الأعظم ثلاثاً» عام 1906 على يد( GrsMead ) وهو باحث انجليزي وسفسطائي. ويورد المؤلف ( 13) مقالاً من كتابات الهرمسية تشرح عقيدتهم وفلسفتهم وكذلك الترنيمة السرية.
وتنسب الاورفية إلى الموسيقار الشاعر اورفيوس وهو بطل اسطوري يوناني من القرن ( 12 ) ق.م. وقد ظهرت الاورفية في القرن السادس كحركة إصلاحية في الديانة الديونيسية وفجورها، وكانت أقرب للعقل الفلسفي. حيث تمتلك الأورفية قاعدة فلسفية قوية وتضم عدداً من العقائد العلمية مثل وصفهم لكروية الأرض ودورانها ضمن نظام شمسي مركزه الشمس.
كما يوجد مجموعة من الأناشيد والترانيم الأورفية ـ يوردها المؤلف ـ تدل على مقومات العقيدة وخاصة بما يتعلق بالنفس والموت والتطهر والخلاص. وقد جرى تعديل على الأورفية على مر الزمن. والمرحلة الأخيرة من الأورفية كانت أفلاطونية، وكان أفلاطون معجباً بها. حيث تبنت الأورفية المثل الأفلاطونية في القرن الرابع ق.م.
وبنهاية الألفية الأخيرة ق.م أصبحت ديانات الأسرار تسلية الارستقراطية ودّب فيها الفساد. حتى مدارس الأطهار الأورفية دخلها الانحطاط . وكان هذا الانحطاط أحد العوامل التي قادت إلى قيام التيار اليهودي المسيحي المعاصر كردة فعل ضد الوثنية الانحلالية التي وجدت داخل الإمبراطورية الرومانية على الأخص. والأورفية كانت آخر الأسرار الوثنية التي بقيت في الغرب حتى القرن الخامس الميلادي.
وبنهاية القرن الخامس الميلادي انتهت الأورفية ولكن بعد أن تركت العديد من مقوماتها في الأديان الجديدة اللاحقة وخاصة الديانة الغنوصية، التي لم تكن سوى إعادة تكوين أو تجديد للاورفية، رغم أنها كانت مسيحية بالاسم فقط.
وظهرت الغنوصية أولاً في مصر وآسيا الصغرى في القرن الثاني الميلادي كآخر تجليات للحركة الأورفية. ثم ازدهرت بعد قرنين من ذلك ودخلت في عدة طوائف، عاكسة بذلك تعدد المذاهب التي وجدت داخل الأورفية وانبثقت الغنوصية من الأسرار الأورفية، كما انبثقت الأورفية من الأسرار الديونيسية.
واعتقد الغنوصيون بأن عقائدهم مستوحاة من الله أو من صوفيا ( الحكمة الإلهية Sophia ( المتاحة للإنسان دون وسيط كهنوتي. وتنسب الفيثاغورية إلى بيتاغوراس ( Pythagoras ) الذي ولد في صيدون (لبنان) وعاش في كنعان ومصر وبابل في القرن السادس قبل الميلاد. ثم استقر في جزيرة ساموس اليونانية.
وهي منظومة من التعاليم الأخلاقية والدينية الصوفية،حملتها العديد من الجمعيات السرية المهتمة بالغيبيات والدين والفلسفة والرياضيات والسياسة، ولها علاقة مباشرة بالاورفية. ومن عقائدهم أن الإله روح لاتتجزأ ووحدة تسع اللانهاية. وان الجسد سجن للروح وتتحرر منه بالموت.
وآمنوا بالخلود. إلا أن النفس عندهم تخضع لتقمصات عديدة حتى التحرر الكلي من الجسد (التناسخ). وينسب إلى بيتاغوراس بأنه هو الذي صاغ كلمة الفلسفة (Philosophia ) بقوله لست حكيما لان الحكمة لا تضاف لغير الآلهة، وما أنا إلا فيلسوف أي محب للحكمة).
وكذلك العديد من النظريات في الهندسة والفلك. وتركت الفيثاغورية آثارا عميقة في الفلسفة والدين والرياضيات للمدارس الأخرى حتى الآن، وبشكل خاص عند إخوان الصفا وغلاة الشيعة والمتصوفة الذين يسمون بيتاغوراس (خزان المعرفة).
ويتوقف المؤلف عند الديانة المثرية التي كانت سائدة عند الشعب الهندي ( الإيراني في الألف الثانية قبل الميلاد، ثم انتقالها إلى روما وامتزاج تعاليمها مع تعاليم العهد القديم والجديد. ويسرد المؤلف أهم نقاط الاختلاف والتشابه بين الديانة المترية والديانة المسيحية. وهذه التقاطعات بين المثراوية والمسيحية ليست إلا مؤشر حقيقي عن تقاطع الأديان، وعدم وجود دين مستقل كليا بمفاهيمه وعقائده عن الأديان الأخرى.
ويختتم المؤلف كتابه بلمحة عن أهم ديانات الأسرار الحديثة وعقائدها المستمدة من الهرمسية المصرية، والغنوصية المسيحية، والخيميا مثل : جمعية الصليب الوردي التي ظهرت منذ (1916) في أميركا وأوروبا. وجمعية الفجر الذهبي التي ظهرت عام (1888) في بريطانيا. والتي تم تجديدها تحت اسم الجمعية الجديدة للفجر الذهبي وشعارها هو « الحب هو الشريعة، الحب خاضع للإرادة ». وهذه الجمعيات وغيرها مستمرة حتى الآن.
مروان عبد الرزاق
*الكتاب: ديانات الأسرار
*الناشر: دار المرساة ـ دمشق 2006
*الصفحات:303 من القطع الكبير
