كان بيتر ج. بيترسون وزيرا للتجارة في إدارة ريتشارد نيكسون. وكان الرئيس بيل كلنتون قد اعتبره من بين مستشاريه فيما يخص السياسة المالية والضرائبية. له العديد من المؤلفات منها: «الجري على الفراغ» هو في واقع الأمر صيحة «تحذير» قوية للولايات المتحدة الأميركية من اجتماع عوامل «خطيرة» ثلاثة على كاهل أميركا بسبب السياسات التي انتهجها الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء.
هذه العوامل الثلاثة هي: تعاظم الديون الخارجية المترتبة على الولايات المتحدة الأميركية، وتزايد عدد الطاعنين بالسن بين السكان ـ شيخوخة السكان ـ وأخيرا العجز الكبير في صناديق الضمان الاجتماعي والتأمين ضد المرض.
وفي عودة إلى الوراء، تعود إلى الذاكرة جملة كان هارولد كليملان، السياسي البريطاني الكبير، قد قال أمام مجلس اللوردات الانجليزي شارحا أسباب النهوض الاقتصادي الأميركي في ظل إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان،
أي في مطلع عقد الثمانينات، ما مفاده: «لقد حطّم ريغان جميع القواعد والأخصائيون الاقتصاديون مصابون بالهلع جميعهم. لقد جرى إيجاد خمسة ملايين فرصة عمل ولا يزال التضخم ضئيلا. إنها معجزة (...). وأعتقد أنني قد فهمت كيف تم التوصل لذلك. إنه يعود إلى التصرف بذكاء وجعل طرف آخر يدفع فاتورة الحساب».
ما يلاحظه مؤلف هذا الكتاب هو أن منطق الاستدانة من الخارج يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية على المدى القريب بفضل ما توفره من إمكانيات و«ميزانيات». لكن كل ما هو من طبيعة مؤقتة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. وهذا ما يعني به أن أميركا تعيش على مستوى «أعلى» من إمكانياتها وأنها لن تستطيع المحافظة على مثل هذا الوضع، بل إنه سوف يؤدي بها إلى «كارثة حقيقية».
ويرى المؤلف أن جميع الإدارات الأميركية خلال العقود الأخيرة، جمهورية كانت ديمقراطية، لها نصيبها في التوجه نحو «الكارثة» التي ترتسم في الأفق، لاسيما فيما يتعلق بـ «البذخ» الذي تمارسه كلها دون حساب. هذا إلى جانب تأكيده أن الأمر لا يتعلق بـ «عدم معرفة» وإنما بالأحرى بـ «سوء قيادة» كانت وراء جميع أشكال العجز،
ويضاف إلى هذا الأعباء الكبيرة المترتبة على السياسة التي انتهجها الإدارات الأميركية فيما يخص المساعدات الكبيرة التي تقدمها للعديد من بلدان العالم. وأيضا تزيد من المشكلة الميزانيات المخصصة لميدان الأمن والتسلح حيث ضرب الإنفاق الأميركي أرقاما قياسية لم تعرفها أية دولة أخرى في التاريخ الإنساني كله.
إن بيتر بيترسون يؤكد على الحيوية الكبيرة التي يتمتع بها النموذج ـ الموديل ـ الأميركي، وما يفتحه من آفاق للعمل والتقدم وترقّي درجات السلم الاجتماعي الوظيفي. ويذكّر أنه هو نفسه مثال لذلك، فوالده الذي قدم من اليونان عمل طيلة حياته تقريبا في «مطعمه» الصغير. لكنه، أي المؤلف، يؤكد أيضا على أن الاقتصاد الأميركي مصاب بالخلل، هذا إذا لم يكن يسير في الطريق المسدود.
ويركز المؤلف في التحليلات التي يقومها على عدة عوامل يمكن أن تكون لها آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد الأميركي، ويعتبر من أقدمها «عدم الكفاية في الوقورات» العامة، وإمكانية حدوث تقهقر كبير مفاجئ في النمو الاقتصادي والسقوط الحاد لقيمة الدولار في الأسواق العالمية. ثم إن المحصلة العامّة لمجموعة هذه العوامل قد تكون «اهتزاز الثقة» بالاقتصاد الأميركي على الصعيد الدولي.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه أمكن حتى الآن تجنب «أزمة الثقة» هذه بالاقتصاد الأميركي بسبب قدرة المحافظة على معدل نمو اقتصادي جيد، كما أن الفوائض الكبيرة في التمويلات الصينية قد ساهمت في عدم ظهور الخلل في ميزان المدفوعات الجارية، وفي تمويل العجز في الميزانية الأميركية.
لكن هذا لا يلغي واقع أن الطاعنين في السن، أو ما يسمى ب«الجيل الثالث»، في أميركا قد أصبحوا أقلّ «فقرا» من أبنائهم، بينما تزداد الأعباء على كاهل الأميركيين كلهم وعدم فعالية السياسات الضريبة التي سنّتها مختلف الحكومات دون أية فاعلية تذكر.
ويحدد المؤلف أكبر الأخطار التي تهدد الاقتصاد الأميركي، وبالتالي المجتمع الأميركي، في التنامي الكبير للنزعة الفردية ونقص «المسؤولية المدنية». وهو يذكّر في هذا السياق بالنداءات التي كان الرئيس الأميركي الأسبق جون كندي قد وجهها إلى مواطنيه من أجل التحلي بمثل تلك «المسؤولية».
ما يطالب به بيتر بيترسون هو ضرورة أن يقوم أصحاب القرار الأميركيين برؤية الواقع، كما هو، دون «رتوش»، وأيضا دون «تمويهه» تحت غطاء فكرة تبدو منطقية في «شكلها». وتقول أن «الدائنين» لهم مصلحة أكيدة في المحافظة على المنظومة الاقتصادية الأميركية من «السقوط»،
ذلك أن سقوطها يعني أنهم قد أضاعوا كل شيء. وإذن «سوف يتابعون الدفع ويمكن للأميركيين أن يتابعوا من جهتهم المحافظة على مستوى معيشتهم المألوف. لكن بيترسون يرى في الأخذ بهذه الحجة مثل من يضع رأسه في الرمل» مثل النعامة، دون أن يرى الواقع الذي يحيط به.
الواقع الاقتصادي الأميركي، وكما يرسمه المؤلف، يتسم بقدر كبير من الهشاشة، ويحتاج إلى «ضخ» مبالغ مالية ضخمة تصل يوميا إلى 4 مليارات دولار من أجل سد العجز التجاري ونفقات الحكومة. ويؤكد أن الحزبين الرئيسيين في البلاد، أي الحزب الجمهوري الذي ينتمي هو نفسه له،
والحزب الديمقراطي اللذيم يتعاقبان على السلطة ظلاّ «سجينين» لإيديولوجية «جامدة» ولا تتردد في «تكذيب» واقع واضح وجليّ لمن يريد أن يرى، وبالتالي لا تقدم القيادات السياسية أية مقترحات، ولا تقوم بإصلاحات جدية، من أجل إنقاذ «الصحة المالية» المتوعكة على المدى الطويل.
ثم إن المستثمرين الأجانب قد ظهرت عليهم بعض علائم «الإنهاك» من الجهود المطلوبة منهم كي يبقى الاقتصاد الأميركي «عاليا». وفي المحصلة لا يتردد المؤلف في القول أن غياب الحلول لمشاكل حقيقية مطروحة إنما يعني أن المشاكل سوف تتعاظم خلال السنوات القريبة القادمة.
إن المؤلف يقيم تحليلاته في هذا الكتاب كله فيما يخص تأكيده على منظور «الأزمة» القادم على ثلاثة عوامل رئيسية. العامل الأول ذو طبيعة إستراتيجية لما بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وما ترتب عليها من تدخلات عسكرية خارجية تحت لافتة «الحرب على الإرهاب»، وذلك في أفغانستان مباشرة بعد التفجيرات وفي العراق خلال ربيع عام 2003.
كانت ترجمة ذلك على الصعيد الاقتصادي زيادة كبيرة على صعيد نفقات الدفاع والتسلح. كما يشير المؤلف في هذا السياق إلى زيادة النفقات على صعيد الدفاع المدني الأميركي نفسه. ذلك أن خطر التهديدات الخارجية وضرورة الوقاية من العمليات الإرهابية أدّى إلى تبنّي سياسات دفاعية على صعيد حماية المطارات والموانئ وكذلك تعزيز منظومات الهجرة، مع كل ما ترتب على هذا كله من ميزانيات إضافية.
هذا يعني أيضا أن «خيرات» فترة السلام «المالية» قد أصبحت مجرد ذكر ينتمي إلى الماضي، بينما يبدو أن التحديات الجديدة ليست مرشحة إلى أن تشهد «حلولا» لها الأفق المنظور القريب. العامل الثاني الذي يؤكد عليه المؤلف في تحليلاته هو ذو طبيعة «ديموغرافية»،
وهذا العامل تتشارك فيه مختلف المجتمعات الغربية ويأتي كأحد ثمرات التقدم العلمي والتكنولوجي التي حققت الإنسانية خلال العقود الأخيرة بما في ذلك، وربما خاصة، على الصعيد الطبي. إذ زاد معدّل الأمل بحياة أطول بنسبة كبيرة. وهذا يترتب عليه بشكل آلي زيادة عدد الطاعنين في السن،
وبالتالي زيادة النفقات بالنسبة ل«البرامج الصحية الاجتماعية» ونفقات صناديق الضمان الاجتماعي، أي زيادة نفقات الصحة والتقاعد، أي أيضا زيادة الأعباء بالنسبة للعجز في الميزانية. وكمؤشر «مخيف» على مثل هذا الواقع الجديد يشير المؤلف،
اعتمادا على إحصائيات المؤسسات الأميركية الرسمية المختصة نفسها، أن النفقات المترتبة على الضمان الاجتماعي الصحي سوف تزداد من 2, 8 بالمائة عام 2004 إلى 3, 11 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الأميركي عام 2020 كي تصل إلى نسبة 4 ,14 بالمئة عام 2030.
العامل الثالث هو الخلل في ميزان المدفوعات الجارية الذي يدفع الولايات المتحدة إلى الاستدانة أكثر فأكثر من الأسواق الخارجية بنفس الوقت تراجعت معدلات التوفير بنسبة 6, 4 بالمئة خلال مدة أربع سنوات فقط من إجمالي الإنتاج الداخلي الأميركي.
وإذا كانت عملية تمويل هذا الخلل تتم حتى الآن عبر اللجوء إلى «إعادة تدوير فوائض البلدان الأخرى» وخاصة الصين، فليس هناك ما يضمن الاستمرار خاصة أمام الخطر الذي يمثله التدني الكبير ـ إلى أين؟ ـ لقيمة الدولار الأميركي. وما يؤكده المؤلف لمواطنيه أنه لا يمكن أبدا لأي إنسان أن يحافظ باستمرار على مستوى معيشته عبر اللجوء إلى «الاستدانة».
إن مؤلف هذا الكتاب لا يتردد في تحميل مسؤولية كبيرة لأفق الأزمة الخطيرة الماثل إلى إدارة جورج دبليو بوش. ويقول بالحرف الواحد: «هذه الإدارة والكونغرس الجمهوري كانا على رأس التدهور الأكبر والأخطر للتمويلات العامة الذي عرفه التاريخ الأميركي».
*الكتاب:الجري على الفراغ
*الناشر:بيكادور ـ نيويورك 2006
*الصفحات:235 صفحة من القطع المتوسط
Running on empty
Picador -New York 2006
p. 235
