هذه هي الرواية التاريخية الثانية للروائي الأميركي جيمس هاوستون وروايته التاسعة، وتقع أحداثها في أواخر القرن التاسع عشر، وتتردد أصداؤها وصولاً إلى اليوم، وربما الغد. وهي تتمحور حول امرأة من كاليفورنيا، من أصول عرقية يرجع نصفها إلى الهنود الحمر والنصف الآخر إلى أبناء هاواي، وهي تصبح زوجة مقربة لدى آخر ملوك هاواي.

تروي قصة هذه المرأة على لسان حفيد حفيدها، شريدان برودي، وهو مضيف أحد البرامج الحوارية في «باي إيريا»، والذي وصلت حياته إلى نقطة توقف غير متوقعة. وهو لا يستطيع الالتزام بصديقته اليابانية وابنها ذي الخمسة أعوام من دون أن يعرف السر في ذلك.

وربما يهدد إدماج شركتين فرصة عمله، ولكنه عندما يتلقى اتصالاً هاتفياً على الهواء من امرأة تزعم أنها جدته، فإنه يحس بأنه مجبر على أن يكشف كل ما يستطيعه عن هذا الفرع الذي ظل مجهولاً في السابق من فروع شجرة عائلته، وينطلق في مسعى سيغير الكيفية التي ينظر بها إلى مستقبله وماضيه.

وما يكتشفه من خلال مذكرات جدة جدته لأمه، المعروفة باسم ناني كيلا، التي تدعى أيضاً باسم نانسي كالاهانة، ومن خلال التحريات التي يقوم بها يرقى إلى حكاية أسطورية على وجه التقريب، تدور حول الكيفية التي تتعلم بها ناني، الفتاة الخجول الآتية من قرية هندية نائية، اللغة الانجليزية في مدرسة تابعة لصاحب مزرعة أبيض،

وتلتقي بديفيد كالكاو، ملك هاواي، في رحلته بالقطار عبر الولايات المتحدة في 1881، وكيف تعود معه إلى هونولولو. وهناك، وباعتبارها حليفته الشابة التي يتكفل بحمايتها، والتي تزداد جاذبية وثقة بنفسها، تلعب دوراً مهماً في محاولته لإحياء الملكية وروح شعبه، وبالفعل تشهد الظروف التي أحاطت بسقوطه.

وتتميز هذه الرواية بالثراء في المشاهد والشخصيات التي تقوم في جانب منها على الأحداث التي وقعت بالفعل. وتدور أحداث حياة ناني على خلفية من فتح آفاق شمالي كاليفورنيا وطموحات أميركا المتزايدة في آسيا والمحيط الهادي خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر.

وهذه الرواية هي أيضاً عمل قوامه الزخم العاطفي الهائل والتعاطف، حيث ننطلق قدماً في الرحلة المعاصرة التي يقوم بها شريدان لاكتشاف نفسه، والرحلة التي يتم تصويرها على نحو جميل، والتي تقوم بها ناني، وهي امرأة ذات قوة وجاذبية هائلتين.

ولما كانت الروايات التاريخية هي روايات نادرة بطبيعتها، وتظل أكثر ندرة إذا كانت تجمع بين أصداء الأمس ووقائع اليوم واستشراف آفاق الغد، كالرواية الماثلة بين أيدينا، فقد كان طبيعيا أن تلقى اهتماماً كبيراً من الروائيين والنقاد والمطبوعات المتخصصة على السواء.

يقول الروائي الأميركي ريتشارد فورد عن هذه الرواية ومؤلفها: «جيمس هاوستون روائي تتألق أعماله بإنسانية عميقة، وهو يتصور التاريخ بصورة مفعمة بالحيوية، وكذلك وجودنا على الأرض، وانتماءنا العرقي، ولغز شخصيتنا الإنسانية الهشة، كأنما هذه الاهتمامات هي أكثر موضوعات الإبداع الروائي صدقا».

وتقول الناقدة كارين جوي فاولر عن هذه الرواية أيضاً «صورة فاتنة مقدمة بقوة ودقة وخيال سخي وليس هناك روائي يكتب أعمالاً تاريخية اليوم أفضل من جيم هاوستون». وبدورها تشير مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في عروض الكتب إلى أن هاوستن بعد معالجته الروائية لفريق دونر في روايته «عبور الممر الجبلي»،

يقدم في روايته التاسعة، الصادرة مؤخراً، حياة شريدان برودي ضيف برنامج الحوار الذي يبث من إحدى محطات الإذاعة في شمالي كاليفورنيا، وكيف أنه عقد العزم على اكتشاف أصول تراث عائلته الملتف بالغموض، وهذا الفضول يتوهج بعد رؤيته للمرة الأولى لشهادة ميلاده التي توضح اسم أبيه الذي لم يره قط.

وبعد ذلك تتصل روزا وأدل ببرنامج شريدان الإذاعي وتكشف عن هويتها باعتبارها جدته التي لم يعرف عنها شيئاً. ومن خلال قصص روزا ويوميات أمها تتكشف صورة أكثر وضوحاً لتاريخ عائلة شريدان. وتقول المجلة: «إن المؤلف يمزج ببراعة بين ملامح الحياة في سان فرانسيسكو في منتصف الثمانينيات في القرن العشرين

وتراث هاواي القبلي في القرن التاسع عشر الذي عاشت في إطاره ناني كيلا الرائدة التي تعلمت طريقة الحياة في هاواي واحتلت مكانها إلى جانب آخر ملوك هاواي ديفيد كالاكاو. ويتداخل خطا القصة هذان من معرفة شريدان لأصوله وسعيه للوصول إلى التسجيل الصوتي الذي تم تسجيله في فندق بالاس في سان فرانسيسكو خلال الأيام الأخيرة من حياة كالاكاو».

وهي تشير إلى أنه على الرغم من البداية البطيئة للرواية، إلا أن هاوستون يراكم قوة الدفع مع اتساع نطاق الرواية ومع ازدياد ثراء التفاصيل التاريخية المثيرة لهذا العمل. وبدورها تشير مجلة «بوكليست» المتخصصة في عروض الكتب إلى أن رواية هاوستون التاسعة عمل جرى تطويره بعناية فائقة، وهو يجتذب القراء بشدة، ويستند إلى موضوع شائع في الروايات المعاصرة، وهو الدافع القوي إلى معرفة تراثنا الشخصي، لفهم أسلافنا باعتبارهم أفرادا.

وهي تشير إلى أن الرمز المحدد للمتابعة في هذه الحالة الماثلة بين أيدينا هو عمل فني من الأعمال الباقية من السنوات التي شهدت انهيار مملكة هاواي قبل قيام الولايات المتحدة بضمها إليها، حيث يتلقى مضيف برنامج إذاعي يبث من سان فرانسيسكو اتصالاً هاتفياً من امرأة تؤكد أنها جدته لأمه،

ومن خلال يوميات تقع في مجلدات عدة كتبتها أمها يتفتح عالمان وثقافتان أمام عينيه ويستقطبان وعيه، الذي ينصب على الأيام الأخيرة لديفيد كالاكا وآخر ملوك هاواي وقبيلة هندية متداعية من كاليفورنيا فيما القرن التاسع عشر توشك شمسه على المغيب.

وتشير المجلة إلى أن هاوستون يستخدم أسلوباً فنيا شائعاً الآن في الرواية التاريخية، بتمثل في المراوحة في السرد بين الماضي والحاضر، الأمر الذي يحقق هدفاً مزدوجاً، فهو لا ينطلق بالقراء إلى رحاب الماضي فحسب، وإنما هو أيضاً يرسم خطوطاً متوازية لها معناها بين الأحداث التاريخية والأحداث المعاصرة، فيجعل القراء يقدرون تأثير الماضي على الاختيارات التي يقوم بها الأفراد اليوم.

وأخيراً فإن مجلة «كيركوس» ترى في رواية هاوستون التاسعة خلفاً تاريخياً بديعاً لروايته التاريخية الأولى «عبور الممر الجبلي» الأمر الذي يؤكد للقراء أنه واحد من أبرز كتاب الرواية التاريخية الذين لايزالون يعكفون اليوم على كتابتها على الرغم من كل صعوباتها وما تقتضيه من جهد فائق. وفي كل الأحوال تظل رواية «طائر من سماء أخرى» عملاً جديراً بالقراءة والمتابعة النقدية، فموضوعها في نهاية المطاف، يظل أقرب إلينا مما يتصور الكثيرون.

عندما تتناهى الكلمات

«تاني كيلا، المولودة في قرية تقطنها القبائل في سييرا نيفادا، هي ابنة أم هندية وأب من هاواي. في عام 1881، وهي في السابعة عشرة، انضمت إلى مجموعة محلية من أبناء هاواي مسافرة إلى سكرامنتو للترحيب بديفيد كالاكاو، ملك هاواي، الذي يجتاز كاليفورنيا في نهاية الجولة التي قام بها في أرجاء العالم.

على الرغم من أن آخر من قدموا منهم عكفوا على الشراب حتى ما بعد انتصاف الليل، فإنهم جميعاً قد استيقظوا مبكرين لقطع المرحلة الأخيرة من رحلتهم، وانطلقوا في الزوارق والقوارب مشكلين أسطولاً صغيراً، أبحر قرب الساحل جنوباً مع التيار، كانوا يتألفون من درزينتين من أبناء هاواي والمهجنين، زوجات هنديات، وبعض الأطفال.

وهبطوا في سكرامنتو، ومن هناك ساروا مسافة قصيرة إلى محطة المحيط الهادي المركزية. وكانت عربتا القطار الخاصتان بالملك، اللتان كانتا قد وصلتا البارحة من دينفر، قد استقرتا عند أحد الجوانب، حيث التف جمع كبير حولها بالفعل، يتألف في معظمهم من أبناء المدن الفضوليين، الذين قدموا لإلقاء نظرتهم الأولى على الملك».

*الكتاب:طائر من سماء أخرى

*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007

*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط

Bird of Another Heaven

A.knopf- N.Y 2007

p. 352