أجرى موقع «بورزوي ريدر» الإلكتروني المتخصص في عروض الكتب هذه المقابلة مع الروائي الأميركي جيمس دي. هاوستون، بمناسبة صدور روايته التاسعة، مؤخراً، بعنوان «طائر من سماء أخرى» عن دار الفريد نوف النيويوركية، حيث ألقى الضوء على اهتمامه بالرواية التاريخية، وأعرب عن اعتقاده أن كتابة الرواية التاريخية لا تعني بالضرورة الابتعاد عن العالم الحديث،

وأشار إلى اهتمامه الكبير بتاريخ هاواي وكيفية استيلاء الولايات المتحدة عليها والإطاحة بملكها في إطار أول تغيير أميركي لأنظمة خارج حدود الولايات المتحدة، وتطرق إلى أعماله المقبلة، بما في ذلك عكوفه على انجاز رواية جديدة، لم يكشف النقاب عن تفاصيلها،

وفيما يلي نص المقابلة:

*لقد قمت، للمرة الثانية، بكتابة رواية توغل أحداثها في الماضي. ما هي أهمية الرواية التاريخية بالنسبة للقراء المعاصرين؟

ـ لا تعني قراءة الرواية التاريخية بالضرورة أن تترك العالم الحديث، والقصة نفسها قد تقع أحداثها قبل مئة عام أو مئتي عام، ومع ذلك يكون لها صدى معاصر. وأعتقد أنها مسألة منظور، منظور المؤلف الذي يتم جلبه إلى عالم السرد. وفي رواية «طائر من سماء أخرى»، فإن الراوية، الذي يدعى شريدان برودي هو مضيف برنامج حواري في «باي إيريا» والذي كان في وقت من الأوقات دارساً لعلم الإنسان.

وفيما هو في الثلاثينيات من عمره يكتشف فرعاً كان مجهولاً في السابق في شجرة عائلته لم يتحدث أبواه عنه من قبل، وخلفية عرقية لم يعرف عنها شيئا، حيث يكتشف أنه حفيد امرأة جمعت في أصولها بين دماء هنود كاليفورنيا ودماء سكان هاواي الأصليين.

وأدى السعي وراء حقيقة حياتها إلى وضع حياة شريدان على المحك، وفي الوقت نفسه فإن هذا السعي يجلب أحداث أواخر القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرين. وهذا مثال آخر لشيء أجده في الكثير من حالات السرد، سواء أكان طويلاً أم قصيراً، فلكي تجعل القصة تروي يتعين أن تروي قصتين، والقصة الثانية تجيء ناهضة في أعقاب الأولى، أو في بعض الأحيان تنهض من قلب الأولى.

وإحداهما يتم التلاعب بها في مقابل الأخرى، صوتاً في مقابل الآخر، عرقا إزاء الآخر، قرناً قبالة الآخر، والاثنان معاً هما اللذان يجعلان القصة كلاً واحد. ومرة إثر الأخرى يرى شريدان كيف أن الماضي ينير الحاضر، في حياته الشخصية وكذلك في دفق الأحداث القومية والدولية.

*كانت ناني كيلا المعروفة أيضاً باسم نانسي كالاهان امرأة فذة بالنسبة لعصرها. من أين جاءت قصتها؟

ـ إنها تعود إلى الأيام التي كنت أجري خلالها أبحاثاً للإعداد لروايتي «عبور الجبل الجليدي» حول فريق دونر وتلك الفترة المبكرة من الاستيطان في الغرب، من أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر فصاعداً. وصادفت مرات عديدة إشارات إلى بحارة من هاواي ساعدوا جون سوتر في بناء قلعته الأسطورية في وادي سكرامنتو.

وقبل سنوات من حمى الذهب كانت قلعة سوتر قد أصبحت تحظى بشهرة عالمية باعتبارها المقصد الأول والاستراحة لقوافل العربات الرائدة العابرة للقارة، وسيعرف جون سوتر، شاء أم أبى، بأنه «والد كاليفورنيا».

وكنت قد كتبت الكثير بالفعل عن هاواي، وأصبحت مفتوناً بفكرة أنه عندما كانت فرق العربات المبكرة هذه تشق طريقها عبر سييرا نيفادا، كان أبناء هاواي موجودين هناك بالفعل، وقد لعبوا دوراً مهماً في إرساء أساس سكرامنتو، التي ستصبح عاصمة الولاية.

وكانت كاليفورنيا تتحول بالفعل إلى تقاطع طرق ثقافية، حيث استقر فيها المكسيكيون القادمون من الجنوب، مع الصينيين وأبناء هاواي القادمين عبر المحيط الهادي، وقبائل السكان الأصليين الذين كانوا هناك منذ آلاف السنين، ثم من خلال بعض المقابلات الشفاهية التي تعود إلى أربعين عاماً مضت وبعض المصادر الأخرى صادفت قصة امرأة تختلط الدماء في عروقها، ابنة أحد أبناء هاواي الذين عملوا مع سوتر،

وقد ولدت في قرية تسكنها القبائل في سفوح السييرا، وربما كانت تربطها صلة القرابة بديفيد كالاكاو، آخر ملوك هاواي، وربما ارتحلت معه، وربما كانت معه عندما لفظ آخر أنفاسه في فندق بالاس في سان فرانسيسكو عام 1891. وبعد رواية «ممر الجبل الجليدي» اعتقدت أنني قد نلت كفايتي من التاريخ لبعض الوقت. ولكن هذه القصة أبت أن تتركني وشأني.

*هل كانت هذه قصة حقيقية؟ أم هي قصة مشكوك فيها؟

ـ لقد اتضح أنها تضم قليلاً من هذين الأمرين كليهما، ولكن بالنسبة لي باعتباري كاتباً، فقد كانت تضم إمكانيات آسرة، حيث إنها ترتبط بالسنوات الأخيرة للملكية في هاواي، فها هي امرأة تنتمي إلى أواخر القرن التاسع عشر تتحدث عدة لغات وتنتمي إلى عدة ثقافات،

وبدا أن حياتها الحافلة بالمغامرات تشمل عالمين يبدو أنهما مختلفان تمام الاختلاف. وأعتقد أن هذا هو ما اجتذبني بعمق إلى هذه المادة، امرأة وحيدة، ملك غامض، فرصة الاستكشاف، في مرحلة سردية، تكوينية، في جزءين من العالم طالما أثارا اهتمامي، موطني، كاليفورنيا، وموطني الثاني، هاواي.

*هاواي تتجاوز بكثير كونها فردوس عطلات أميركا، ومع ذلك فإن معظم زوارها لا يبدو أنهم يكترثون كثيراً بتاريخها الاجتماعي والسياسي. هل ينبغي علينا أن نهتم بهذا الجانب؟

ـ لايزال الكثير من الناس ينظرون إلى هاواي على نحو ما تجري الدعاية لها في مختلف أرجاء العالم، باعتبارها فردوس المحيط الهادي. ولا شك أن هاواي بالنسبة للمتزلجين على الماء وهواة رياضات اليخوت والصيد الرياضي والغوص والجولف تعد إحدى أعظم مناطق الترفيه في العالم.

وقد تزلجت بنفسي على تلك الأمواج وانطلقت على العديد من الشطآن وسرت في الكثير من الدروب المفضية إلى فوهات البراكين، ودرت حول رأس اللؤلؤ باستخدام زورق سريع. وفي ذلك الهواء الفاتن المترع بالغواية وظلال النخيل فإن من السهل أن يغفل الإنسان عن تاريخ سياسي معقد ومؤثر يتألق بنور خاص على تاريخ أميركا.

وقد كان قدر أبناء هاواي الأصليين أن يسكنوا سلسلة جزر بعيدة لا يستطيع العالم الابتعاد عنها، وتقع بصورة مناسبة تجعلها محور الحركة في وسط المحيط بالنسبة للسفر والتجارة والشحن وكذلك محوراً بالغ الأهمية للوجود العسكري الأميركي في المحيط الهادي. وبالنسبة لأبناء هاواي فقد كانت تعني نضالاً عميقاً من أجل التحدد الثقافي والصمود امتد قرنين من الزمان وأكثر من ذلك.

وكانت النقطة الأساسية هي الإطاحة بالملكية في عام 1893 وهو العام الذي كتب جون ستيفنز، الوزير المفوض الأميركي لدى هاواي يقول في رسالة بعث بها إلى وزير الخارجية الأميركي: «إن ثمرة الكمثرى الهاوايانية ناضجة الآن تمام النضج، وهذه هي الساعة الذهبية بالنسبة للولايات المتحدة للقيام بقطفها».

تلك هي الخلفية لقصة الحب التي تشكل جوهر هذه الرواية، الحياة السياسية لمرحلة شديدة الاضطراب. وبالمناسبة فإن الإطاحة بالملكية في هاواي وصفت بأنها أول ممارسة تقوم أميركا بها لتغيير النظام خارج حدودها.

* ما هو الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة لك أثناء إجراء أبحاثك الخاصة برواية «طائر من سماء أخرى»؟

ـ ما أكثر المعلومات المهمة التي أتلفت أو اختفت! على سبيل المثال، السجلات من فندق بالاس التي تعود إلى الأيام التي سبقت وفاة الملك كالاكاو وأعقبتها في يناير 1891، حيث فقد كل شيء في زلزال سان فرانسيسكو وحريقها في 1906.

والتسجيل الصوتي الذي أنجزه في الفندق على ماكينة إدسون مبكرة الطراز، قبل أربعة أيام فحسب من موته، ولا تزال لدينا الاسطوانة الشمعية محفوظة في قاعة يتم التحكم في درجة حرارتها ورطوبتها في متحف في هونولولو، ولكن صوت كلماته تآكل بفعل الزمن، ثم هناك مئات من الوثائق العائدة إليه، رسائل ومخطوطات ووثائق اختفت بعد الإطاحة به وهدم القصر الملكي.

وبالنسبة للمؤرخ المصر على وضع يده على كل الحقائق فإن هذه الخسائر تعد خسائر فادحة، ولكن بالنسبة للروائي الذي لديه قصة يتعين أن يرويها فإنها يمكن أن تكون نعمة خفية. أقصد أن الأدلة المفقودة يمكن في بعض الأحيان أن تقدم جزءاً من كل متكامل ينتظر الربط بين جزئياته.

* ماذا بعد؟ ما الذي تعكف على انجازه الآن؟

ـ قمت مؤخراً بالانتهاء من تجميع مجموعة من القطع النثرية الأقصر، بعض القصص، بعض القطع غير القصصية، وهذا العمل سيصدر في ربيع 2008. وأنا الآن أضع الأساس لرواية أخرى، على الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً على قول الكثير عنها. إنني ما أزال في مرحلة الاكتشاف تلك التي يشير إليها رايت موريس عندما يقول إن الكتابة هي اكتشاف ما لم تعرفه بعد عما تعرفه.

محطات في حياة سميث

*ولد الروائي الاميركي جيمس هاوستون في سان فرانسيسكو،ودرس الدراما في سان جوزيه ،ونشرت أول قصة له في مطبوعة جيمني اللندنية في عام 1959،

*بعد رحلة مطوله إلى بلجيكا .فرنسا،ألمانيا ،اسبانيا ،اسكتلندا ،اسكندنافيا ،الاتحاد السوفييتي ،عاد إلى الولايات المتحدة للحصول على درجة الماجستير في الأدب الاميركي من جامعة ستانفورد،التي قدر له أن يقوم بالتدريس فيها وفي جامعة كاليفورنيا ،وجامعة هاواي ،وجامعة أوريغون وجامعة ميتشيغان،وجامعة جورج ماسون ،وهو يدرس الان في جامعة سان جوزيه التي تخرج منها مادة الكتابة الابداعية.

*قدم للقراء تسع روايات آخرها «طائرة من سماء أخرى» ومن ابرزها « الفردوس الأخير »و« عبور الممر الجبلي». ومن أعماله غير الروائية «أبناء كاليفورنيا» و«في طوق النار»و «وداعاً لمانزنار» والكتاب الأخير بالاشتراك مع زوجته جين.