يعمل ماريو تيلو أستاذا في جامعة بروكسل الحرّة وحيث يدير أيضا في إطارها معهد الدراسات الأوروبية ويشرف على أطروحات الدكتوراه الخاصة بأوروبا الموحّدة. سبق له ومارس مهنة التعليم في الصين وفيتنام واليابان وعمل بصفة استشارية لدى المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي.
ألّف العديد من الكتب من بينها: «من ماستريخت إلى امستردام» و«الدولة وأوروبا: تاريخ الأفكار السياسية والمؤسسات الأوروبية» و«الاتحاد الأوروبي وتحدّي توسيع إطاره» و«الديمقراطية والبناء الأوروبي»، الخ.
إن أوروبا ومسيرة توحيدها تحظى بكل اهتمام «ماريو تيلو» إذن كرّس لهما كل أعماله ودراساته. وهذا الكتاب الأخير: «أوروبا: سلطة مدنية؟» لا يشذ عن القاعدة، وإنما يبحث بشكل خاص في الدور الأوروبي، حاضرا ومستقبلا، في العلاقات الدولية وفي إطار العولمة الليبرالية السائدة.
كما يبحث في تحديات الأمن المطروحة في القرن الحادي والعشرين على «القارة القديمة». ومواد هذا الكتاب موزعة بين عدة فصول تحمل العناوين التالية: «أوروبا في المنظومة الدولية للقرن الحادي والعشرين» و«النزعات الإقليمية الجديدة: النموذجية الاجتماعي ـ الاقتصادي للتقارب والتنوع» و«صعود الاتحاد الأوروبي كقوة دولية فاعلة» ثم أخيراً «عملية إصلاح الدستور الأوروبي: البعد الدولي».
الاتحاد الأوروبي هو إذن موضوع هذا الكتاب، وذلك باعتباره عاملا للاستقرار والسلام: وليس على صعيد القارة فحسب دائما أيضا على الصعيد الدولي، ذلك من خلال المسؤولية الملقاة على عاتقه فيما يخص تسيير شؤون العالم.
ويضع مؤلف هذا الكتاب مسيرة التوحيد الأوروبي في الإطار التاريخي لتشكل دولها وتطور مفاهيم السيادة والمواطنة وما عرفته القارة من فترات سلام وحروب متتالية، وحيث شكّلت الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية إحدى فترات «السلام» التي شجعت عمليا على تقدم مسيرة توحيد أوروبا بين «أعداء الأمس» في أفق عدم العودة أبدا من جديد إلى خوض مغامرات الحرب الفتّاكة.
هكذا يجد القارئ «تأريخا» لمسيرة التوحيد الأوروبية انطلاقا من معاهدة روما عام 1957 وحتى الاقتراع على «الدستور الأوروبي» وتأييد عدد كبير من الدول الأوروبية عليه بينما «رفضه» الفرنسيون والهولنديون.
وما يؤكد عليه المؤلف هو أن للاتحاد الأوروبي قيمه الخاصة به، أي ما يتم التعبير عنه ب«الخصوصيات الأوروبية» التي أنتجتها مسيرة تاريخية «استثنائية عرفت قيام الثورة الفرنسية الكبرى، والثورة الصناعية وتشكّل إمبراطوريات استعمارية حول قوى أوروبية في مقدمتها انجلترا وفرنسا. والاتحاد الأوروبي، كما يتم تقديمه أيضا، هو قوة اقتصادية كبيرة في عالم اليوم.
ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في كون أن الاتحاد الأوروبي لا يزال «صوتا ضعيفا» على صعيد السياسة الخارجية. وإذا كانت الوقائع قد أثبتت أن أوروبا لا تزال تعرف حالة من الانقسام على صعيد توحيد الصوت الأوروبي، كما بدا بوضوح أثناء الأزمة ثم الحرب الأميركية ـ البريطانية الأخيرة على العراق،
فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد على أن الصعوبات الحقيقية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي إنما تقع أساسا على صعيد العلاقة مع «الجيران» الغربيين وفي مقدمتهما كل من روسيا وتركيا. كما يتم التأكيد أن توحيد الموقف الأوروبي حيال العلاقة مع «الجيران» المعنيين هي أصعب بكثير من توحيده حيال الأزمات الدولية الكبرى.
ويؤكد المؤلف أن إحدى نقاط الضعف التي تعاني منها أوروبا في السياق الدولي الراهن تتمثل في افتقارها إلى الشخصيات ذات البعد العالمي، بل ويرى أن «الجيل الأخير» من «الكبار» توقف عند فرانسوا ميتران الفرنسي وهلموت كول الألماني، وفيليب غونزاليس الاسباني.
أما مسؤولية الوضع الجديد فلا يتم تحميلها إلى «ضحالة» القادة الأوروبيين الحاليين، وإنما بالأحرى إلى تغيّر الحقبة وتبدّل المعطيات في سياق العولمة وما ترتّب عليها من زيادة هشاشة الديمقراطيات الوطنية التي أصبحت تواجه تحديات جديدة وتهديدات جديدة. الوجه الآخر لهذا الواقع الجديد هو اهتمام القادة السياسيين «بأولويات» السياسة الداخلية لبلدانهم.
إن الميزة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في عالم اليوم، هي سيادة حالة من «عدم الاستقرار». ويرى أن الوضع «المأزوم» قد أدّى أخيرا إلى نتيجتين أساسيتين، الأولى هي «توقف» المفاوضات التي كانت قد بدأت في «الدوحة» ضمن إطار منظمة التجارة العالمية على الصعيد الاقتصادي، وفشل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
وفي هاتين الحالتين لم يكن الاتحاد الأوروبي «خاسرا» جدا، بل يؤكد المؤلف أن دوره قد «تنشّط» فيما يخص قضايا منطقة الشرق الأوسط. وبدا بوضوح أكبر أن الولايات المتحدة الأميركية بحاجة ماسّة إلى مساندة حلفائها الأوروبيين، لاسيما فيما يخص «الحرب العالمية ضد الإرهاب».
وما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن التبدل في الإستراتيجيات الأميركية حيال القضايا الدولية، وإعطاء دور دولي «أكبر» للاتحاد الأوروبي يتطلّب بالضرورة تقوية السياسات الأمنية والدفاعية الأوروبية. هذا لاسيما وأن «الحروب البلقانية» الأخيرة والطريقة التي تصرّفت بها الإدارة الأميركية تحت ظل قيادة جورج دبليو بوش بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001،
أظهرت أن هناك أزمة حقيقية فيما يتعلق بالعلاقات داخل الحلف الأطلسي، إذ لم تأخذ واشنطن الكثير من الاعتبار عندما اتخذت قرارات «الحرب» لحلفائها الأوروبيين. هذا الموقف أثار ضده معارضة أوروبية، فرنسية ـ ألمانية ـ بلجيكية بشكل خاص، للحرب الأخيرة ضد العراق. كما أثار «نزعة عدائية» حيال أوروبا.
وأثار، وهذا ما يتم التأكيد عليه كثيرا في التحليلات المقدّمة، رغبة أوروبية كبيرة في تحقيق نوع من «الاستقلال الذاتي» على الصعيد الدفاعي. ويحدد المؤلف إحدى نقاط القوة الأساسية في الاتحاد الأوروبي بوجود النموذج الاجتماعي ـ الاقتصادي، الذي استطاع إيجاد «قاعدة مشتركة» تلتقي عليها طموحات الشعوب الأوروبية في إطار العولمة الليبرالية وسيادة اقتصاد السوق.
لكن هذا لا ينفي واقع أن الأوروبيين ينقسمون بين تيارين عريضين. تيار يرى بأنه لا ينبغي ترك أوروبا الموحّدة «تتقوقع على نفسها، وتعزل نفسها عن حركة العالم السائدة وبالتالي عن ساحة الفعل في القضايا الدولية وشؤون العالم السائدة
وبالتالي عن ساحة الفعل في القضايا الدولية وشؤون العالم المصيرية، أي أن يكون لها دور حقيقي على المسرح الدولي إلى جانب تحديث بناها الاقتصادية كي تستطيع المنافسة، لاسيما أمام القوى الصاعدة الجديدة مثل الصين والهند.
وتيار آخر يطالب، بأي ثمن، بضرورة المحافظة على النموذج الأوروبي والتأكيد عليه، ذلك كون أن فقدانه يعني بنظر أنصار هذا التيار يعني جعل أوروبا مجرد سوق للتبادل الحر فيما بين بلدانها والتخلّي عن أي مشروع سياسي فاعل على الصعيد الدولي. هذا ما يدرسه المؤلف بإسهاب في الفصل الذي يحمل عنوان: «جوهر الهوية الدولية الأوروبية: النموذج الاجتماعي ـ الاقتصادي للتقارب والتنوع».
وفي الفصل الأخير الخاص ب«إصلاح الدستور الأوروبي»، أو ما هو معروف باسم «الاتفاقية الدستورية الأوروبية»، يرى مؤلف هذا الكتاب أنه لا مناص أمام الاتحاد الأوروبي من القيام بصياغة جديدة للدستور المقترح بعد أن كان الفرنسيون والهولنديون قد اقترعوا «ضد» التصديق عليه.
ويرى أيضا أن الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي، خلال النصف الأول من عام 2007 قد تجعل في مقدمة اهتماماتها الوصول إلى «دستور جديد»، وذلك في الأفق الذي يمثله انعقاد «المجلس الأوروبي» في شهر يونيو من العام الحالي 2007.
نقطة الضعف التي يتم تحديدها في هذا السياق تتمثل في القول أن ألمانيا لم تستطع أن تفرض نفسها ك«زعيمة» لمجموعة دول «طليعية» من أجل تحقيق «اتفاقية دستورية» جديدة. ومن الإشكاليات التي يتم التأكيد عليها فيما يخص البناء الأوروبي ومستقبله، قضية توسيع إطار الاتحاد الأوروبي. هنا تتم الإشارة إلى وجود تيارين أيضا.
تيار يقول أن «المشكلة غير موجودة» أصلا، وكل توسيع هو جيد. وتيار آخر يطالب على النقيض تماما ب«تجميد» كل عملية للتوسيع، وخاصة تجميد ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. الحجّة المقدمة هي أن انضمام دول جديدة لا بد وأن يشكل مساسا كبيرا على صعيد المضمون الديمقراطي.
بكل الأحوال يبدو أنه من المطلوب اليوم، كما يرى المؤلف، التوقف قليلا من أجل «هضم» عمليات التوسيع الحديثة العهد بغية «تعزيز» البناء القائم. وفي المحصلة النهائية، يؤكد مؤلف هذا الكتاب على أن دور الاتحاد الأوروبي على الصعيد الدولي يمثل عنصرا أساسيا في الوصول إلى «تلاحم» أقوى بين الدول الأعضاء التي يضمها، ومن أجل «اندماج» أقوى وأكثر فاعلية... في عالم اليوم المتبدّل.
*الكتاب:أوروبا: سلطة مدنية
الاتحاد الأوروبي والحكومة الشاملة والنظام الدولي
*الناشر: بالغريف مكميلان - لندن 2006
*الصفحات :312 صفحة القطع المتوسط
Europe: a civilian power ? European Union, global governance, world order
Palgrave MacMillan - London 2006
P.312
