جان فيار مختص بدراسة الحياة السياسية الفرنسية في إطار المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. سبق له وقدّم العديد من الكتب التي تدل عناوينها على إطار اهتمام مؤلفها مثل «التأمل في العطل» و«دراسة مختصرة حول إمضاء العطل، الأسفار وكرم الأمكنة» و«ارخبيل الفلاح» و«السعادة في أحضان الأرياف»...
والمؤلف مجاز في الاقتصاد ويحمل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع وشغل مناصب قيادية في مجموعات سياحية كبيرة.«في مديح الحركة» كتاب يبدؤه المؤلف بقسم من الأقسام الثلاثة التي يتألف منها، يحمل عنوان «النظام الزمني الجديد»، وذلك على غرار «النظام الدولي الجديد».
الميزتان الأساسيتان اللتان يتصف بهما هذا «النظام» هما الأمل بحياة أطول من جهة وتقليص زمن العمل من جهة أخرى. ويتم تحديد النتيجة المباشرة لهذا الواقع الجديد في الانتقال بطريقة غير محسوسة تقريبا من مجتمع تسيطر عليه قيمة العمل إلى مجتمع أوقات الفراغ والحركة وتسارع الانتقال.
ترجمة التبدل الحاصل تدل عليه بعض المؤشرات والإحصائيات التي يقدمها المؤلف. فمثلا يقطع كل فرنسي يوميا ما معدّله 45 كيلومترا، ثلثها في عطلة نهاية الأسبوع وفترات العطل وأقل من الثلث إلى العمل والباقي في سبيل تأمين مستلزمات الاستهلاك والدراسة وأوقات الفراغ. هذا مقابل 5 كيلومترات فقط عام 1950 كان يقطعها كل فرنسي يوميا كمعدّل.
«العالم الحضري القديم» أصبح «عالما يميل إلى الحركة» خلال نصف قرن من الزمن. وبرزت «ثقافة الحركة» على خلفية التغيرات التي استجدت على حياة البشر في المجتمع الفرنسي. أصبح الإنسان يعيش في الوقت الراهن كمتوسط 000 700 ساعة مقابل 000 500 ساعة عام 1900. وينام 000 200 ساعة في حياته ويدرس 000 30 ساعة ولا يعمل سوى 000 67 ساعة، هكذا يبقى للإنسان 000 400 ساعة من أجل أوقات فراغه.
هذا التبدل أو «الثورة الزمنية» تشكل، حسب التحليلات المقدمة، أساس الحقبة الراهنة ومخيلة جيلها، لكنها تخلق أيضا أشكالا من اللا مساواة». ذلك أن الفئات «الميسورة» في المجتمع وظّفت «الوقت المتوفر» من أجل التمتع بأوقات الفراغ عبر الأسفار والعطل والتعرف على مختلف مناطق العالم. ساعد على ذلك أيضا واقع أن مدن فرنسا أصبحت مربوطة
فيما بينها بشبكة من السكك الحديدية التي تسير عليها قطارات السرعة الكبيرة - تي.جي.في- وبحيث أن فرنسا أصبحت كلها بمثابة «مدينة واحدة» لا يبعد محيطها أكثر من مسافة تتطلب للانتقال من العاصمة باريس إليها مدة ثلاث ساعات فقط.
كذلك ظهرت بعض تعبيرات «ثقافة الحركة» في واقع أن عدد سكان فرنسا قد ازداد خلال السنوات العشر السابقة أربعة ملايين نسمة لكن عدد سكان المدن الكبرى ظلّ ثابتا. ذلك في إطار «تحرك» سكاني من هذه المدن نحو المدن الثانوية المحيطة أو نحو التجمعات السكنية التي أصبحت «تأكل» الأرياف.
هذه الحركة لا تدل فقط على مجرد «تغيير مكاني» وإنما تعبّر أيضا عن «تحول تاريخي» في «الروابط الاجتماعية». ففي الماضي لم يكن البشر «يتحركون وينتقلون» كثيرا وإنما كان السائد هو «حياة الحي» فالعامل في مشغله والبورجوازي في كنيسته والفلاّح في قريته (...).
كان عالم يقوم على مفهوم الجوار وتداخل المعرفة والرقابة الاجتماعية التي يقوم بها كل فرد». أمّا في الحقبة الراهنة، اليوم، فإن الفرد، وحتى في إطار العائلة، أصبح له مساره الخاص به ولم يعد «مربوطا» بالمحيط المباشر وإنما «يتمفصل مع المجتمع عبر مجموعة من الشبكات».
لكن المؤلف يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يزال هناك فلاحون فرنسيون متعلقون بأرضهم «أرض الطفولة» أو هناك من هم مرغمون على «البقاء في مواقعهم» بسبب الفقر أو السن أو المرض. مع ذلك أصبحت «مخيلة المجتمع المتحرك» مسيطرة، بل وهي التي تحدد «أنماط العيش وسلّم القيم».
كما أن الفرد قد امتلك هامشا أكبر بكثير من الاستقلال الذاتي وأصبح «متعدد الانتماءات» كما أصبح «فلان» غير المعروف مما دفعه كي يأخذ مسافة عن المنظومات «الأخلاقية» التي تحكم آليات مسيرة المجتمع. ويرى المؤلف أن بروز «الانتماءات الجديدة» و«مجتمع الفرد المتحرك» يجعل من المطلوب إيجاد «ضوابط» و«نظم» ليست متوفرة حتى الوقت الحاضر.
وتأتي ضرورة ذلك من واقع أن التغيرات التي طرأت على صعيدي «المخيلة والممارسة» تطرح على السلطات العامة وأصحاب القرار السياسي تحديات حقيقية فيما يتعلق بعملية «التنظيم العمراني» وتجديد أسس «العيش المشترك».
وما يتم التأكيد عليه هو أن نشاطات أوقات الفراغ ليست مجرد «تمضية للوقت». ولكنها تشارك في ضبط إيقاع حياة البشر في المجتمعات الغربية الاستهلاكية «كما كانت تفعل في الأمس أجراس الكنائس أو صفّارات المصانع»، حسب تعبير المؤلف.
ويتم تحديد فترة نهاية عقد الستينات الماضي لبداية تصاعد الاتجاه في الممارسات الثقافية والرياضية الخاصة بأوقات الفراغ. هكذا لم تعد الأسفار لتمضية العطل الصيفية، أو غيرها، اعتبارا من سنوات السبعينات بمثابة «امتياز» لفئة أو لشريحة من النخبة وإنما أصبحت هذه الممارسة «ممارسة عامة» للجميع. وغدا «التخطيط» لكيفية إمضاء العطل القادمة أمرا مألوفا بل «روتينيا».
ويعيد المؤلف مثل هذه الممارسات إلى «مسيرة حضارية ذات مضمون إنساني» في أفق محاولة تمكين البشر من «امتلاك وقتهم». بنفس الوقت ظهرت ملامح مجتمع يشجّع «الحركة والانتقال» وبحيث أصبحت «المغامرة» هي القاعدة السائدة وعلى حساب «الحياة الخاضعة لأطر سلوكية محددة لا يمكن الخروج عنها».
هكذا «غدت المعركة المركزية هي معركة القدرة على اختيار تعيير الاتجاه المقصود». بنفس الوقت أيضا أصبحت «اللامساواة» تخص إلى حد كبير «التراتبية» في الأماكن التي يمكن إمضاء العطل فيها، أو النوادي التي يمكن الانتساب لها.
في المحصلة «أصبحت الحركات والأمكنة والمعايير والقيم التي يقوم عليها مفهوم تمضية الأوقات الحرّة بصدد أن تغدو أسس ثقافتنا الجماعية، مع ما يترتب على هذا من تأرجح للروابط الاجتماعية والسياسية وللمكانة المركزية للعمل».
الوجه الآخر لتضاؤل دور «الثقافة الجماعية» هو تعاظم مكانة «ثقافة فردية» و«تشجّع على الحركة». أما التعبيرات التي تترجم مثل هذا الواقع الجديد فإنها تخض أسلوب حياة الأفراد نفسه حيث أصبح كل فرد يميل إلى «التغيير» والانتقال السريع من مشاهدة قناة تلفزيونية إلى أخرى، وتغيير موقع السكن، والسفر، بل و«الطلاق».
كذلك شكّل «الهاتف النقّال» و«الانترنيت» وسيلتين وفّرتهما الثورة التكنولوجية الحديثة من أجل «تسهيل الهرب» و«اختيار أشكال التحرك»، ويتم الحديث في هذا السياق عن «مرتحلين جددا» لا يجوبون الصحاري والفيافي هذه المرة وإنما هم رهط من المتعلمين والميسوري الحال الذين ينتقلون بين ربوع المنتجعات الصيفية أو الشتوية. المهم الانتقال ولو على «ظهر درّاجة». هنا يبرز «التفاوت» الطبقي.
وفي إطار التبدل الحاصل أصبحت «الصناعة السياحية» في مقدمة اهتمامات السلطات العامة في بلد مثل فرنسا الذي يزوره سنويا عدد من السائحين يفوق عدد سكانه. كذلك غدا وجود «المراكز السياحية» أو «الإمكانيات السياحية» أحد العوامل في تشجيع «الهجرة» الداخلية، وهكذا يصل عدد الذين ينقلون أماكن إقامتهم سنويا إلى منطقة الشاطئ اللازوردي - الكوت دازور- حوالي000, 80شخص.
وذلك في حركة «معاكسة» لظاهرة الهجرة من الأرياف إلى المدن التي ازدهرت قبل عقود. وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن الشباب هم الذين يتوافدون على المدن من أجل الدراسة أو العمل بينما أن المتقاعدين يتركونها للانتقال إلى منطقة «يحبونها». وهناك سنويا 000 50 شخص يغادرون باريس وضواحيها للعيش في أماكن أخرى.
وهذا ما يعتبره المؤلف «انتصارا لثقافة المشهد الطبيعي على ثقافة الأماكن المغلقة». كذلك يتم التأكيد في هذا الإطار على «انتفاء» التمييز بين المدن والأرياف، ذلك أن أرياف البلدان المعنية «المتقدمة» قد أصبحت تمتلك كل مؤهلات المدن ومرافقها وخدماتها تقريبا. وتدل إحصائية حديثة إلى أن 71 بالمئة من الفرنسيين يريدون العيش في الأرياف، «ليس بعيدا عن المدن» مع ذلك. المدن «عوّضت» من جهتها عن الراحلين عنها بـ «السائحين».
وفي المحصلة العامة أن زيادة «الوقت الحر» لدى البشر على قاعدة عاملين أساسيين هما الأمل بحياة أطول وتضاؤل عدد ساعات العمل ـ عددها رسميا في فرنسا اليوم 35 ساعة عمل فقط في الأسبوع ـ، لم تؤد إلى «نهاية العمل»، كما تقول آراء كثيرة يرفضها المؤلف، وإنما أدّت بالأحرى إلى «السيطرة» على جدولة الوقت المخصص للعمل ولـ «الحركة» التي يكيل المؤلف لها المديح في هذا الكتاب.
*الكتاب:في مديح الحركة دراسة حول أوقات الفراغ كرأسمال والعمل كقيمة
*الناشر: لوب ـ باريس 2006
*الصفحات: 205 صفحات من القطع المتوسط
Eloge de la mobilité essai sur le capital temps libre et la valeur travail
L'Aube- Paris 2006
p.205

