صاحب «الديوان الأكبر» هو الشيخ «محيي الدين بن عربي» الذي يقف على قمة الفكر في الحضارة الإسلامية، علماً وغزارة تأليف وشمول معارف. ولد الشيخ «محمد علي بن عربي» في مدينة «مرسية» في الأندلس لأسرة عريقة معروفة بالتقوى والعلم سنة 560 هجرية، وما أن بلغ الثامنة من عمره حتى قصد «اشبيلية» لدراسة الفقه والحديث الشريف وعلوم القرآن، فأقام بها قرابة ثلاثين سنة، ينهل فيها من مناهل الثقافة والعلم،

ثم إنه عقد العزم على مغادرة الأندلس والنزوح عنها إلى المشرق، فزار مصر ومكة المكرمة وبغداد وحلب والموصل وآسيا الصغرى، وكانت شهرته تسبقه إلى المكان الذي يحل فيه، ثم قرر الإقامة بدمشق، ولبث فيها بقية عمره حتى وافته المنية سنة 638 هجرية، فدفن بسفح جبل قاسيون، والحي الآن يعرف باسمه.

كان غزير الإنتاج، جم التأليف، كتب كما قال في إحدى رسائله مئتين وتسعة وثمانين كتاباً ورسالة، وقد وصفه «بروكلمان» بأنه من أخصب المؤلفين عقلاً، وأوسعهم خيالاً، وأشهر مؤلفاته الفتوحات المكيّة، فصوص الحكم. وتمثل كتبه مذهبه في وحدة الوجود، وعقائد الصوفية، وفلسفته الصوفية في رؤيته للحياة، ويترتب على قوله بوحدة الوجود: أن الله هو الأصل وأن العالم صدر عنه وفاض منه،

ذلك أنه أراد بإيجاد العالم أن يرى نفسه ويُظهر جماله، فخلقه ليكون بمنزلة المرآة تتجلى فيه رحمته وقدرته وعدالته. ولما كان الحب سبب الوجود، كان الوجود كلّه مشمولاً بالرحمة والغفران، ورأى أن الديانات على اختلافها، واحدة في جوهرها لأنها تدعو إلى الواحد الأحد.

أما كتابه «الديوان الأكبر» فإنه كتاب حوى موشحات الشيخ «ابن عربي» وفيه ست عشرة موشحة وزجل واحدة، وقارئ هذه الموشحات يعثر على الطابع الشخصي لهذا الفيلسوف في فنه، وبخاصة أنه كان الرائد الأول لها في المشرق والمغرب على السواء، حين وجهها وجهتها الصوفية ووشحها بالمعاني الرمزية،

وبذلك أدى خدمة كبيرة لجماهير الفقراء الذين يلحنونها وينشدونها في حلقاتهم الخاصة، ويتخذونها سبيلاً يصلهم بالعالم العلوي، بعد أن يتجردوا من أدران العالم الدنيوي، ويعرجوا بأرواحهم على السموات العلا ليتحدوا بالذات الإلهية، ومنها موشحة ذي الرأس:

اطوِ إلى المهيمن الطُّرقا عساك يوماً نحوها ترقى

غريزة الإنسان قد ذلَّت

عساكر الأحوال قد حلّت

أهلة الأسرار قد جلّت

وصيرت قلبي لها شرقاً وأضلعي لبدرنا أفقا

ومن المعروف أن الشيخ «محيي الدين بن عربي» قد ساعد على إدخال الموشحات إلى بلاد الشام، ونشرها بشكل واسع بين جماعة الصوفية. آلّف الشيخ «الديوان الأكبر» سنة 629 ه، وهو ثاني ديوان له وديوانه الأول «ترجمان الأشواق» وضعه في مكة المكرمة سنة 598 هجرية، بعد أن توثقت علاقته بأسرة «أبي خاشة» أمام مقام إبراهيم عليه السلام: وتعلّق بحب ابنته الحسناء نظام يصرح في موشحاته بوحدة الوجود،

وعن فنائه واتحاده في الذات الإلهية، وقد وفق في إبراز هذه المعاني في موشحاته أكثر منه في شعره. وقد تطرق في بعض الموشحات إلى الغزل الصوفي الرقيق الذي تستسيغه النفس الإنسانية، وتتعشق ما فيه من رمزية عجيبة وموسيقى مطربة، وعشق الجمال في مذهب المتصوفة مباح، إذ إنه قبس من نور الله،

وقد اتخذ الشاعر من حب «نظام» اتكاء له في عشقه الإلهي، واستوحى من جمالها الإنساني معاني الجمال الإلهي، لأنه يعتقد أنه فيض من جماله الخالد، وعشقه هذا الجمال، إنما هو النفحة القدسية التي تكشف أمام وجدانه أنوار الجمال الأبدي في الذات الإلهية الخالدة وهنا نلمس أن هذا النوع من موشحاته بعضه مبتكر في معانيه، وبعضه الأخر عارض به بعض الموشحات الأندلسية المشهورة التي حفظها أيام الصبا،

ومن النوع الأول:

متيّمٌ بالجمال قد شغفا

قد امتطى السّهد فيه والأسفا

حتى إذا ما انتهى له وقفا

يشكو الجوى والسّهاد والخبلا ودمعه فوق خده انهملا

أما النوع الثاني الذي عارض فيه، منه:

عندما لاح لعيني المتكا ذبت شوقاً للذي كان معي

وقد عارض فيها «ابن زهر» في موشحته: ( أيها الساقي إليك المشتكا )

إن كتاب الديوان الأكبر مأثرة فنية رفيعة ومدهشة.