صدّر الإعلام العربي إلى الشارع لهجات معينة طغت حتى كادت أن تتحول إلى لغة منطوقة، على المرء الإلمام بها لتتاح له فرصة النجاح الوظيفي أو التقدم المهني أو التواصل الاجتماعي، وحتى الفرز الطبقي !
ولقد تعرف العرب إلى لهجات بعضهم البعض بعدما سوقتها المحطات الفضائية وصدّرتها بامتياز إلى جميع دول المنطقة في حين أن الراديو العربي منذ «صوت العرب» في إذاعة القاهرة وحتى عهد قريب كانت لغته الفصحى، ولم يكن متاحا للمتبطلين والرغايين ساعات على الهواء يطلبون المشاركة في حل مسابقة من هو صاحب أغنية (بستك نو .. بستك نو)، كان المذيع صوتا رصينا وقورا تنم نبراته عن معنى، وكانت هذه الصيغة مشتركة بين جميع الإذاعات العربية.
منذ أربعينيات القرن الماضي تعرف العرب إلى اللهجة المصرية عبر السينما وصولا إلى الدراما التلفزيونية التي عرفت عصرها الذهبي في السبعينيات مع انتشار التلفزيون وتحوله إلى أبرز وسيلة إعلامية، وكانت اللهجة المصرية طريقا للشهرة، وعلى قاصدي مصر من الفنانين العرب أن ينجحوا من خلالها وليس من خلال شاميتهم أو عراقيتهم .. لذلك طغت تلك اللهجة وتحولت إلى موسوعة من الشيفرات يتواصل من خلالها الناس ليس في مصر وحسب ولكن في كل العالم العربي.
وإذا توزعت جغرافية اللهجات العربية اليوم على أربع مناطق كبرى فذلك مرده إلى الجغرافيا التي تحكم واقع الناس وتسهل التواصل بينهم فالمصرية والشامية والخليجية والمغاربية لهجات محلية ولكنها بدأت تتحول من موقعها التواصلي اليومي إلى شخصية وطنية لها دلالتها الاجتماعية والامتيازية، وزاد انتشار اللهجات تلك وعزز مواقعها الإعلام المرئي والمسموع، إذ إن تلك اللهجات لا أبجدية وقواعد لها،
فالحاضنة الأساسية هي اللغة العربية الأم، لذلك لا توجد مطبوعات باللهجات المحلية، ولكن محطات التلفزيون ومحطات الـ F.M أعطت بعداً لبعض اللهجات ليرطن بها المذيع طيلة ساعات دون كلل أو ملل، وأصبح امتياز إتقان اللهجة اللبنانية حافزا ومبررا لتكون مذيعا في محطة F.Mحيث يمكن لك أن تتحدث وتتحدث وتتحدث .. دون أن ينافسك أحد، وإذا كنت تريد التقاط أنفاسك سيساعدك أبو وديع بمعلقة «يا مريمو» بصوت مجروح من شدة الآه وطول السهر..
تصدير اللهجات يظل مقبولا في واقع التواصل والتعارف عربيا وكثيرا ما يكون له صداه خارج الوطن العربي ولكن داخله يصبح امتيازًا اجتماعيًا وأحيانا سياسياً، ويترتب عليه أن يكثر المرء من محكِيته الغارقة في محليتها، ويقلل من فصحاه لأنها ثقيلة على الأذن،
وعندما تخونه العبارة المناسبة يستعين بعبارة انجليزية لإيصال المعنى، عبارة انجليزية ليس من قاموس شكسبير، ولكن من قاموس «هاو ماتش».وعليه تتحقق المعادلة ليكون شخصا «رغاياً» في الإذاعة، رغاياً أي ثرثاراً، وهي ليست عامية إنها من الرغوة وهي زبد البحر على الشاطئ أو فائض الصابون عند غسل الأيدي.