مادلين فيريير أستاذة للتاريخ الحديث في «بيت المتوسط للعلوم الإنسانية» في مدينة «اكس اون بروفانس» بجنوب فرنسا. وقد أولت اهتمامها بشكل خاص بتاريخ الغذاءات، لها كتاب هام في هذا الموضوع تحت عنوان: «تاريخ أشكال الخوف الغذائية» الذي تمّت ترجمته إلى عدة لغات في مقدمتها اللغة الانجليزية.

هذا الكتاب الجديد «أغذية متواضعة» بأتي في الواقع مثل «تتمة» للكتاب السابق «تاريخ أشكال الخوف الغذائي» الذي كانت المؤلفة قد تحدثت عن تاريخ الغذاء منذ العصور الوسطى وحتى القرن العشرين. وشرحت أنه وفيما هو أبعد من الخوف من المجاعات والشح والقلق الذي عرفه الغرب من شبحها حتى فترات قريبة،

فإنه كانت هناك باستمرار الخشية من تناول الأطعمة الفاسدة أو ذات المصدر غير السليم. من هنا ترافق الجهد من أجل درء خطر المجاعات والشح الغذائي مع الرقابة الصارمة على الدورة الغذائية كلها منذ البداية وحتى النهاية.

وفي الحديث عن «الأغذية الشعبية» تؤكد المؤلفة أولا بعض الأسس التي تنطلق منها في البحث بتاريخية هذه الأغذية. الأساس الأول هو أن الأغذية التي يطلقون عليها اليوم في الغرب تسمية «أغذية بورجوازية» هي في الأصل تنتمي إلى «مطبخ الفقراء».

لكن أكبر المطاعم الفرنسية الشهيرة على الصعيد العالمي كله، تفتخر أنها تقدّم مثل هذه الأطعمة لأعلى الطبقات الأرستقراطية. وتعيد المؤلفة أصول العديد من هذه الأغذية إلى عصر النهضة في القرن السادس عشر. الأساس الثاني الذي تؤكد المؤلفة عليه هو أن «الأذواق» نفسها تختلف وتتطور وتتغير.

كما تتطور أيضا «الصنعة» ذلك أن بعض الطباخين ـ أشهر الطباخين الفرنسيين هم من الرجال، بل هناك استثناء واحد في باريس اليوم بوجود السيدة هيلين داروز في عداد قائمة أسياد كار الطبخ المعروفين. ويظهر التطور من خلال كون أن بعض الأطباق «الشعبية» قد اكتسبت «دقة» أكبر وأصبحت «اختصاصا» يتفاخر أصحابه له بينما أن بعض المأكولات الشعبية الأخرى قد «انقرضت» وغابت تماما عن قائمة «الأطباق» التي تقدمها المطاعم لزبائنها.

تجدر الإشارة إلى أن قاموس «روبير» الشهير للغة الفرنسية يعطي دلالة أقل شأنا من صفة «متواضعة» للأغذية التي تعنيها المؤلفة، ولكنها ربما الترجمة الأكثر «أدبا» للتعبير المستخدم. لكن من الواضح أن المؤلفة قد استخدمت هذه الصفة من موقع «ذوّاقة الطعام» كي تصف «متعة تذوّق الأطعمة في الفم» والتي يزيد معناها «الحسّي» من «كثافتها».

وأهم سمات هذه الأطعمة هي أنها شعبية. وتشير المؤلفة إلى أنه في ظل «النظام الفرنسي القديم»، أي السابق للثورة الفرنسية عام 1789. كانت الأغذية المعنية «تخص جميع الشعب بأوسع المعاني»، وبما في ذلك «الطبقات المتوسطة الصاعدة» آنذاك في المجتمع الفرنسي.

لا شك أنها طريقة «خاصة» لقراءة التاريخ، لاسيما وأن «العناصر» التي يمكن استخدامها في «إعادة تركيب» التاريخ تنتمي إلى ميادين مختلفة لها علاقة بالمواد الغذائية وعلم النبات وصناعة العقاقير الطبية ذات المصدر النباتي غالبا آنذاك. وهذه الميادين كلها تغوص المؤلفة فيها، بل ولا تكتفي بذلك إذ إنها تعتمد في أحيان كثيرة على النصوص والكتابات الأدبية.

هكذا يغدو كتاب «دونكيخوتة» لسرفانتس أحد مصادرها من خلال التوصيفات التي يحتويها حول الموائد التي حضرها البطل وصديقه ساخوبانزا. لقد بحثت المؤلفة في ميادين شتى إذن بحثا عن فكرة صغيرة ما تساعدها في عملها، وهذا ما عبّرت عنه بالقول أنها أحسّت نفسها مثل: «كلب بالقرب من مائدة أدبية غنيّة ويقوم بالتقاط النثرات المتطايرة قبل وقوعها على الأرض».

وإذا كانت المؤلفة قد اعتمدت كثيرا على الأدبيات السابقة، فإنها تؤكد بكل صراحة ووضوح أن موضوعها الحقيقي إنما هو أولئك «الأكلة» الذين لا يقرؤون الكتب وخاصة كتب الطبخ. وجمهور «الأكلة» هؤلاء الذين شكّلت «الأطعمة المتواضعة» عالم تغذيتهم لا يعرفون القراءة والكتابة في أغلب الأحيان،

ولا يعنيهم بكثير ما يسمى بـ «قانون المائدة» وأشكال السلوك التي حددتها من «لباقات» والتي توجد حتى الآن «مدارس» من أجل تعليمها ل«الجهلة» من «الرعاع». وتحدد المؤلفة في هذا السياق فترة أواسط القرن السابع عشر لبداية «آداب المائدة» في فرنسا.

هكذا يتعرّف القارئ على «معارف القدماء» في هذا الميدان. نقرأ: «حتى عام 1700، وحتى في قصور الملوك، كان هناك عدد أكبر من الأطعمة التي يتم أخذها باليد مما هو من الأطعمة التي يتم جلبها إلى الفم بواسطة السكين والشوكة».

ويتم التفريق في هذا الإطار بين «الذوق الشعبي» و«ذوق النخب» في فرنسا خلال القرن السابع عشر، وفي ظل النظام القديم عامة، ذلك أنه كان هناك خلاف كبير آنذاك بين الأطعمة المقدمة للسادة وتلك المقدمة للطبقات الشعبية، إذ لم يكن من الممكن مثلا، كما تشير المؤلفة، أن تأكل عامة الشعب «البازلاء» أو سمك «التوربو» أو الدجاج المربّى بطريقة خاصة ـ الشابون ـ، ذلك أن مثل هذه الأطعمة كانت مكرّسة حصرا لموائد الملوك.

هذا التمايز بين «الذوق الشعبي» و«ذوق النخب» يتوازى مع التمايز بين «الأطعمة الشعبية» و«الأطعمة المختارة». ثم إن بعض هذه الأطعمة بـ «فئتيها» قد تغيّر من معسكرا «صعودا» أو «هبوطا». فالطعام المصنوع مثلا من جوف الحيوانات ـ الكرش والمصارين ـ كان لفترة طويلة من بين أطعمة النخبة ثم ارتبط منذ عصر النهضة بالطبقات الشعبية.

والتفسير المحتمل الذي تقدمه المؤلفة هو أن تلك النخب التي كانت حتى عصر النهضة تقيم «تميّزها» على أساس الرائحة وليس النظر. لكن الأمر اختلف مع «رهافة» ذوق النخب التي كانت تزعجها «رؤية رأس العجل» مثلا على المائدة.

الطبقات الشعبية استمرت من جهتها بالتلذذ في التهام قلب الحيوانات وكليتها وأحشائها بشهية كبيرة. لكن الدورة تعود من جديد لصالح طبق - الكرش والمصارين- الذي شهد ترقّي مرتبة على صعيد المكانة «الاجتماعية»، كما يدل وجوده على قائمة أفخم المطاعم في كتب الدليل المعتمدة في هذا الميدان.

وتجد المؤلفة نوعا من «العودة أيضا إلى الماضي فيما يخص شيوع ظاهرة مطاعم الوجبات السريعة. ذلك أن يوم العمل في الماضي كان يتسم غالبا بوجود فترات استراحة منقطّعة غالبا حيث كان العاملون يأكلون فيها. بل وتؤكد المؤلفة أن النظام القديم، لما قبل الثورة، قد عرف وجود «عرض» كبير للمأكولات الجاهزة،

وأنه كانت هناك دورة لما تسميه ب«مطبخ الشوارع» حيث كان يتم تقديم الغذاء من «الطبقات العليا» في المجتمع إلى «الطبقات الدنيا». لكن مثل هذه الدورة توقفت في القرن التاسع عشر مع صعود الطبقة البورجوازية. ذلك أن بورجوازيي ذلك العصر بدأوا بممارسة عملية «إعادة تدوير» ما يتبقى من أطعمة لديهم.

ومن المأكولات الشعبية «المتواضعة» التي تقتفي المؤلفة تاريخ مسارها هناك الخبز. إنها تشير على وجود 000 55 طاحونة في فرنسا خلال القرن السابع عشر. ولكن لم تكن هذه المطاحن كلها تمتلك «أحجار طحن» جيدة من أجل تكسير جميع الحبوب.

ثم إنها كانت أحجارا كبيرة يصل وزنها إلى ما بين ألف وألفي كيلوغرام، وبالتالي لم يكن استبدالها عملية سهلة، هذا في حين أنها كانت تفقد مع مرور الزمن بعض ذراتها التي تختلط مع الحبوب المطحونة لتفسد متعة التذوق وتشكل خطرا على الأسنان.

وكانت فرنسا قد شهدت في القرن الثامن عشر ظهور «الطحين الأبيض» من القمح. وتشير المؤلفة إلى أن تناول الطحين الأبيض كان ذا دلالة اجتماعية وعلى الموقع في التراتبية، وخاصة على الاندماج في النسيج الاجتماعي للمدن. كان الطحين الأبيض طعاما لأهل المدن، والطحين «الأسمر الداكن» لأهل الأرياف.

الوجه الآخر لمثل هذا التمييز هو «تطور الذوق» وبالتالي التطور في ميدان «الطلب» و«العرض». وهنا تشرح المؤلفة كيف أن التطور لم يكن على صعيد نوعية الطحين فقط وإنما أيضا على صعيد التخمّر مع استخدام «خميرة البيرة» وعلى صعيد الشكل وصولا إلى الخبز المتطاول الشائع في فرنسا.

إن مؤلفة هذا الكتاب تحاول أن «تصحح» بعض الأخطاء الشائعة حول الأطعمة في تاريخ الغذاء بفرنسا. وهي تؤكد مثلا أن هنري الرابع لم يذكر أبدا أي شيء عن «الدجاجة المحمّرة» المرتبطة باسمه، وأن الروائي ستندال قد تحدّث في عمليه الذي يحمل عنوان «راسين وشكسبير» عن «دجاجة محمّرة» كان يأكلها هنري الرابع «كل يوم أحد».

وما تبرهن عليه المؤلفة أن مثل هذه «الوقائع» لم توجد تاريخيا و«لكن إذا كانت الأسطورة أجمل من الواقع، فلنحتفظ بالأسطورة»، كما تنقل عن الكاتب بول فاليري. كتاب عن «ثقافة المائدة» منذ جذورها الأولى. ورحلة من وجبة إلى أخرى للتعرف على مسار تطور «مائدة الفقير» التي تبرهن المؤلفة على أنها أكثر غنًى ومتعة مما يتم تصوره غالبا. باختصار كتاب عن تاريخ «المطبخ الوطني» الفرنسي.

*الكتاب:أغذية متواضعة «شعبية»

*الناشر: سويل ـ باريس 2007

*الصفحات:475 صفحة من القطع المتوسط

Nourritures canailles

Souil - Paris 2007

p. 475