مؤلفتا هذا الكتاب هما الباحثتان الانجليزيتان أنابيل موني وبيتسي ايفانس. والأولى أستاذة في جامعة كارديف بانجلترا والثانية مختصة بشؤون التربية والثقافة العامة وعلم النفس. وهما تقدمان في هذا الكتاب المنهجي الواضح تعريفا للعولمة ولمفاهيمها الأساسية.
تقول المؤلفتان ما معناه: لقد أصبحت العولمة الشغل الشاغل للمفكرين في عصرنا الراهن، وقد فرضت نفسها على الاهتمام منذ عشر سنوات أو أكثر قليلا. فقبل ذلك ما كنا نتحدث عن العولمة إلا نادرا. أما الآن فلم نعد نستطيع إحصاء الكتب التي تصدر عنها.
فما هي العولمة يا ترى؟ إنها تعني ترابط كل أجزاء العالم ببعضها البعض عن طريق وسائل الاتصال والمعلوماتية الحديثة: من فاكس، وهاتف نقال أو محمول، وانترنت، وايميل، وفضائيات تلفزيونية تجعلك تعيش الحدث في نفس اللحظة التي يحصل فيها، الخ.
إنها تعني أيضا زوال الحواجز بين الأمم والشعوب وانتقال البضائع والسلع والأفكار والتبادلات المادية والمعنوية بسرعة كبيرة وحرية كاملة بين البلدان والقارات.كما وتعني أيضا ارتباط اقتصادات العالم ببعضها البعض، وكذلك سياسات العالم.
فلم يعد أحد قادرا على إغلاق باب بيته عليه والقول بأنه لا علاقة له بالآخرين وأنه يستطيع أن يفعل داخل بيته أو بلده ما يشاء. هذا عصر مضى وانقضى. الآن أصبح مصير كل واحد مرتبطا بمصير الآخرين شاء أم أبى. وأصبح أي حدث كبير يحصل في أقصى الأرض شرقا يؤثر على أقصاها غربا.
بمعنى آخر لقد أصبحت البشرية تعيش في قارب واحد فإما أن يغرق الجميع معا وإما أن ينجوا كلهم معا. ثم تردف المؤلفتان قائلتين بما معناه: كان عالم الانثربولوجيا الكندي مارشال ماكلوهان قد اخترع مصطلح القرية الكونية للدلالة على أن الكرة الأرضية أصبحت بمثابة قرية كبيرة يتعايش فيها كل الناس على اختلاف أممهم وشعوبهم وأديانهم ولغاتهم وسحنات وجوههم.
هذا وقد أدت العولمة إلى تقليص المسافات أو حتى القضاء عليها تماما. فأنت تستطيع أن تتواصل في ثوان معدودات مع شخص يسكن في آخر الأرض بواسطة الايميل أو الانترنت أو الهاتف النقال. وهذا الشيء ما كان متوافرا للناس قبل عشر سنوات فقط.
وبالتالي فلم تعد هناك مسافات عازلة بين الناس في عصر التكنولوجيا الحديثة للمعلوماتية. يضاف إلى ذلك أن العولمة قلصت الزمن أيضا وليس فقط المسافات الشاسعة والمكان. ففي لمح البصر أستطيع أن أتواصل مع أي شخص موجود في الصين أو أستراليا أو أبعد نقطة في المعمورة. وبالتالي فالعولمة تعني تقليص الزمن والمسافات، أو حتى إلغاء الزمن والمسافات.
وهناك عدة جوانب للعولمة كالجانب الاقتصادي، والجانب السياسي، والجانب الثقافي، بل وحتى الجانب الديني. فالسلع كما قلنا أصبحت تنتشر في شتى أنحاء الأرض وبخاصة الديني. فالسلع كما قلنا أصبحت تنتشر في شتى أنحاء الأرض وبخاصة السلع الأميركية كالكوكا كولا مثلا، أو مطاعم الماكدونالد والهمبرغر، الخ.
وكذلك يطابق بعضهم بين العولمة والأمركة: أي سيطرة أميركا على العالم. فلا يوجد بلد إلا وفيه مطاعم ماكدونالد أو مشروبات بيبسي كولا أو كوكا كولا.وأما فيما يخص السياسة فقد كثرت المنظمات العالمية التي تتدخل في شؤون جميع البلدان بدون استثناء.
ولا نقصد بذلك فقط مجلس الأمن أو الأمم المتحدة وكل المنظمات المتفرعة عنها، وإنما نقصد أيضا المنظمات غير الحكومية بما فيها تلك التي تناهض العولمة الرأسمالية الجائرة. وبالتالي فقد أصبح العالم موحدا سياسيا بهذا المعنى، وأي مشكلة تنشب في منطقة ما أصبحت تعني كل مناطق العالم. فمثلا حل القضية الفلسطينية أصبح مسؤولية عالمية تتدخل فيها روسيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، بل وحتى الصين واليابان، الخ.
وقل الأمر ذاته عن مشكلة الإرهاب الأصولي فقد أصبح مشكلة عالمية تخص الجميع وليس فقط البلدان العربية أو الإسلامية أو بلدان أميركا الشمالية وأوروبا. وأما من الناحية الثقافية فقد أدت العولمة إلى انتشار الأفلام السينمائية والمسلسلات الأميركية في شتى أنحاء العالم دون استثناء.
يحصل ذلك إلى درجة أن الأوروبيين أصبحوا يخشون على صناعتهم السينمائية من الانقراض بسبب هجمة الفيلم الأميركي عليهم. وحتى موسيقى الجاز أصبحت عالمية، هذا ناهيك عن اللغة الانجليزية التي أصبحت لغة العولمة بامتياز.
ضمن هذا المعنى أيضا نلاحظ أن العولمة أميركية. ولكن لا ينبغي أن نقلل من أهمية البلدان الأخرى. فالسلع الأوروبية تغزو العالم أيضا، بل وحتى السلع الصينية أصبحت تنافس أوروبا وأميركا وتتفوق عليهما في بعض النواحي. نقول ذلك وبخاصة أنها أرخص سعرا بكثير نظرا لانخفاض أجور العمال هناك.
ومن الناحية الدينية لم يكن الناس يعرفون أديان بعضهم البعض قبل عصر العولمة لأنهم لم يكونوا يحتكون ببعضهم البعض كثيرا. أما الآن فأصحبت قادرا على أن تفتح التلفزيون على كل البرامج الدينية في العالم وتتعرف على الإسلام أو المسيحية، أو اليهودية، أو البوذية، أو الهندوسية، أو الكونفوشيوسية، الخ.
بل وأخذ بعضهم يدعو إلى تشكيل برلمان لأديان العالم أو لكبار ممثليها لكي يتحاوروا فيما بينهم انطلاقا من الشعار التالي: لا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان. وبالتالي فهناك عولمة سياسية، وعولمة اقتصادية، وعولمة دينية، وعولمة ثقافية، بل وحتى عولمة لغوية لأن الانجليزية أصبحت معروفة في معظم مناطق العالم.
وهناك مؤسسات اقتصادية عالمية: كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. ولكنها كلها تابعة لأميركا بشكل أو بآخر، ولذا يقولون بأن العولمة تعني الأمركة إلى حد كبير ولكن ليس بشكل كامل.فلا يمكن أن نستهين بوزن الدول الأخرى الصاعدة كالصين والهند وماليزيا واندونيسيا وكوريا، هذا ناهيك عن الاتحاد الأوروبي العملاق اقتصاديا، ولكنه لا يزال قزما من الناحية السياسية أو العسكرية بالقياس إلى أميركا.
ولكن السؤال المطروح هو التالي: هل ستؤدي العولمة إلى نمطية العالم والقضاء على خصوصية الشعوب والثقافات؟ البعض يخشى من ذلك. والكثيرون أصبحوا يحذرون من هيمنة ثقافة واحدة، هي الثقافة الأميركية، على العالم. ففي كل مكان أصبحنا نجد نفس المطارات،
ونفس البنايات العالية أو ناطحات السحاب، ونفس مطاعم الماكدونالد، ونفس موسيقى الجاز، ونفس أفلام الرعب والمسلسلات الأميركية وكذلك أفلام الكاوبوي، الخ. ولكن هذا الأمر ليس محتوما، صحيح أن الحواجز والحدود سوف تزول بين بلدان العالم، وصحيح أن التواصل أصبح سهلا وشبه يومي بين مختلف البلدان والقارات. ولكن ذلك لا يعني أن الثقافات الخصوصية سوف تمحى أو تزول.
فالخصوصية العربية باقية، وكذلك الخصوصية الفرنسية، أو الصينية، أو الهندية، أو اليابانية، أو الأميركية اللاتينية، أو الإفريقية، الخ. وبالتالي فالعالم سوف يصبح واحدا ومتعددا في آن معا. ومن عنا جمال العالم. فلو أصبح نمطيا، واحدا، متشابها في كل شيء لأصبح مملا لا يثير أي اهتمام. ولكن تنوعه في اللغات، والثقافات، والأديان، والطقوس، والأعياد، والفولكلور، الخ هو الذي يخلع عليه جماله، ومتعته، وتشويقه.
وبالتالي فالعالم في عصر العولمة لن يتحول إلى نسخة طبق الأصل عن أميركا. ولكن ينبغي الانتباه إلى أن العولمة حتى الآن لا تفيد فعلا إلا الدول الغنية القادرة على الاستفادة منها وبخاصة أميركا، والاتحاد الأوروبي، والصين، وبعض القوى الصاعدة الأخرى. أما دول الجنوب الفقيرة في إفريقيا السوداء، أو أميركا اللاتينية، أو آسيا، أو العالم العربي الإسلامي عموما، فلا تستفيد حتى الآن كثيرا من العولمة.
ولهذا السبب يقول الكثير من الخبراء بأن العولمة ظالمة وغير متوازنة، أو يقولون بأنها ذات وجه رأسمالي زائد عن الحد ولا يبالي بعذاب الفقراء والمحرومين. وبالتالي فنحن بحاجة إلى عولمة أخرى ذات وجه إنساني، أي عولمة عادلة يستفيد منها الجميع.
*الكتاب:المفاتيح الأساسية للعولمة
*الناشر: راوتليدج ـ نيويورك لندن 2007
*الصفحات :320 صفحة من القطع الكبير
Globalisation : the key concepts
Routledge- New York- London 2007
p.320

