يحمل دونيس اوليفين شهادة التأهيل العليا «اغريغاسيون» في الآداب الحديثة، وهو خريج المدرسة العليا الفرنسية للإدارة ، التي تخرّج منها العديد من القيادات السياسية الفرنسية مثل جاك شيراك وليونيل جوسبان. عمل كموظف كبير في محكمة الحسابات
وكان نائباً لمدير شركة الخطوط الجوية الفرنسية ثم مديراً عاماً لمجموعة «قناة بلوس» التلفزيونية وهو رئيس ومدير عام مجموعة «فناك» منذ عام 2003. ومجموعة فناك هذه تملك سلسلة من المكتبات وتوزيع الآلات والإنتاج الموسيقي وتكنولوجيات الإعلام والإلكترونيات. سبق له وقدّم كتاباً تحت عنوان «العجز العام».
«الملكية هي السرقة» هي جملة شهيرة قالها الفيلسوف الفرنسي «برودون» منذ سنوات طويلة جداً، واليوم يرد عليه «دونيس اوليفين» بجملة مناقضة هي «المجّانية هي السرقة»، وذلك في كتاب يحمل هذا العنوان. «المجّانية» المقصودة هي تلك التي تخص نقل الموسيقى والأفلام السينمائية والكتب
وغيرها من المنتوجات الثقافية بواسطة شبكات الانترنيت ودون أي تقيّد ب«حقوق التأليف والنشر والتوزيع». النقطة التي ينطلق منها مؤلف هذا الكتاب تتمثل في قوله ان اختراع الانترنيت وفّر إمكانية كبيرة من أجل «استهلاك» المنتوجات الثقافية «مجانا» ودون أي مقابل.
لكن هل الثقافة «سلعة» مثل غيرها من السلع؟!
إجابة مؤلف هذا الكتاب تكمن في القول انها ليست «مجرّد سلعة» ولكنه يردف قائلا بأنها «ليست مجانية» بالمقابل، ولا ينبغي «نهبها» عبر مختلف أشكال «القرصنة». وهي «سلعة» بمعنى «تداولها» في إطار اقتصاد السوق في ميدان الثقافة.
هذا الاقتصاد الذي كان وراء تعميم الإنتاج الفكري والفني بمختلف تعبيراته إلى الجماهير الواسعة، بينما كان محصورا في الماضي ، من حيث «استهلاكه»، بطبقة النخبة. ويسمّي المؤلف عملية التعميم تلك ب«ديمقراطية» الاستفادة من الإبداع على أنها إحدى ثمرات ثورة المعلوماتية.
ويحدد مؤلف هذا الكتاب ثلاثة مصادر أساسية وراء شيوع فكرة مفادها أن «السوق عدو للثقافة». المصدر الأول يحدده بأنه «الأخلاق المسيحية» التي سادت خاصة في العصور الوسطى والتي تدين الربح بطريقة غير مادية. والمصدر الثاني يكمن في «نقد جمالي» برز في مطلع القرن التاسع عشر واعتبر أن فن الجماهير هو بالضرورة «فن خليع».
والمصدر الثالث يتمثل في «نقد اجتماعي» يقول ان ثقافة الجماهير التجارية تثير حالة من «الاغتراب». مثل هذا النقد يجد مرتكزا أنه لدى النظرية الماركسية. وفي مواجهة أولئك الذين يدعون إلى «مجّانية» استهلاك الثقافة باسم تساوي البشر في الحقوق بهذا الميدان، يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن «طغيان الميل إلى التسلية» لم يعد مقصورا على قطب دولي يستفيد منه «رأسماليا»، أي ما يعني أميركيا.
بل إنه يؤكد أن الأمر لا يتعلق ب«انتصار إمبريالية اليانكي ولا بانتصار الثقافة الأميركية». كذلك يؤكد أن التلفزة والإذاعة والصحافة المسماة أنها «مجانية» إنما هي غير ذلك بالفعل وليست مجانية وإنما بالأحرى «مدفوعة» من قبل الإعلانات.
وبالتالي يتعلق الأمر ب«سلعة» وإنما تغيّرت آليات التعامل بشأنها. ذلك أن هذه الوسائل الإعلامية المعنية لم تعد «تبيع» ما تحتويه من «إنتاج فكري» للمستهلكين وإنما أصبحت في الواقع «تبيع» هؤلاء المستهلكين للمعلنين. لكنها بنفس الوقت تتابع «شراء» أعمال المنتجين الفكريين من مؤلفين وصحافيين وفنانين وغيرهم.
مع ذلك يحدد المؤلف قوله في هذا السياق أن الأمر مختلف تماما فيما يخص عملية النقل - التسجيل- المجّاني للأعمال الموسيقية والسينمائية، ذلك أن المؤلفين والمنتجين لا يتلقون أية مبالغ لقاء عملهم. وفكرة أخرى يتم التركيز عليها في شروحات هذا الكتاب
وهي القول ان جميع الدراسات التي أجريت من قبل معاهد ومراكز مختصّة قد وصلت إلى تقديم البرهان على خطأ مقولة ان «مجانية الثقافة» تزيد من تنوع العرض، بل إنها بالعكس تؤدي إلى «إفقاره»، وان استخدام شبكات الانترنيت «بشكل عشوائي» بعيدا عن أي تنظيم إنما يعني في واقع الأمر «موت التنوع».
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن هناك خطورة كبيرة تكمن وراء «مجانية الثقافة» والتي تجد تعبيراتها اليوم في ميداني الموسيقى والسينما وغدا بالتأكيد على صعيد الكتب. ويؤكد أن المطلوب بإلحاح اليوم هو السيطرة على ثمرات «الثورة التكنولوجية» التي أتاحت في الأصل باللجوء إلى مثل هذه الممارسات.
والمطالبة بمثل تلك «السيطرة» تتأتّى في الواقع من المطالبة ب«سيطرة أوسع وأشمل» من قبل البشر على العلم. فإذا كان البشر يريدون في البداية السيطرة على الطبيعة بواسطة العلم، فإن السؤال المطروح عليهم اليوم هو بالأحرى كيفية السيطرة على العلم نفسه.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الإبداع في شتى مشاربه الفكرية والفنية كان يتم تمويله حتى القرن التاسع عشر من قبل الأثرياء وأصحاب النفوذ. ثم شهدت نهاية ذلك القرن «ثورة مزدوجة». فمن جهة ساهمت الاختراعات الجديدة من سينما وإذاعات وتقنيات تسجيل الموسيقى والأغاني وانتشار إنتاج الكتب المطبوعة بكميات كبيرة في جعل الثقافة «ديمقراطية» إذ عمّ انتشارها على جميع شرائح المجتمع تقريبا،
أي أصبحت «شعبية» بالمعنى الواسع للكلمة. وهذا ما أطلق عليه المؤلف تعبير «الثورة الديمقراطية». أما الثورة الأخرى فيحددها في «الثورة الاقتصادية» المتمثّلة في بروز «اقتصاد السوق» في عالم «السلع الثقافية» و«الثقافة».
ورافق هذا البروز الانتقال في آلية كسب المبدعين في مختلف الميادين لعيشهم، إذ أصبحوا يتقاضون «أجورا» أو «ثمنا» مقابل أعمالهم. مثل هذه «الاستقلالية»، إلى هذا الحد أو ذاك، ساهمت في زيادة عدد «المواهب» الذين يتم طرح إنتاجهم في السوق ودخول «مغامرة» الإنتاج الفكري أو الفني.
مشكلة «تمويل» المبدعين وتأمينهم لسبل عيشهم تمثل إحدى العقبات التي يضعها المؤلف أمام عملية «مجّانية» الإنتاج الثقافي. وهو يطرح السؤال التالي: كيف سيستطيع المبدعون كسب عيشهم «من فنّهم» إذا لم يتقاضوا مقابلا عنه؟! إنه لا يشكك بحتمية أنه سيكون هناك مبدعون.
لكنهم سوف يكونون «ضامري البطون». وهو يرفض بوضوح المبدأ الذي طرحه البعض بأن يدفع أولئك الذين يرغبون مثلا، نسخ الموسيقى كلها القديمة منها أو الحديثة مقابل مبلغ مالي محدود يتم دفعه شهريا «حوالي 6 يورو».
ذلك أن هذا يعني برأيه تشجيع التحول الكبير من شراء الموسيقى على «أقراص سيديروم» أو عبر الشبكات المدفوعة نحو «الاستهلاك المجّاني» مقابل مبلغ رمزي. لكن كيف يمكن التوفيق بين «مكافحة القرصنة» و«حرية استخدام الانترنيت؟».
ما يؤكده المؤلف هو ضرورة تشجيع إمكانية الوصول إلى جميع الإنتاج الموسيقي والسينمائي والفكري بشكل فوري وبأي مكان من العالم. فقط لا يمكن فعل ذلك «دون دفع أي مبلغ». مما يعني عدم إمكانية الدفع للمبدعين الذين سينبغي عليهم إذن العمل مجانا بينما «البشر يدفعون ثمن الخبز« وطابع البريد وفاتورة الكهرباء».
مع ذلك لا يرفض المؤلف فكرة ضرورة البحث في الأسعار المرتفعة لأقراص «سيديروم» الأغاني المسجلة في مؤسسات الإنتاج الموسيقي وحيث ان هذه الأسعار لا تأخذ باعتبارها القوة الشرائية للمستهلكين، لكن الحل لا يكون حسب رأيه عبر «القرصنة»، لاسيما وأنها تعني، فيما تعني، تعاظم أرباح شركات الخدمات الهاتفية والشركات العاملة في قطاع الخدمات بهذا الميدان.
وفي المحصلة يقدّم هذا الكتاب ملخّصا مكثفا للطريقة التي يرى بها مؤلفه ضرورة فهم تأثير الانترنيت على «الصناعات الثقافية». ويصل في النهاية إلى النتيجة التالية: «هناك أمور بسيطة تفصل بين الأفق المقلق لانترنيت مدمّر وبين أفق ويب واعد بإنجازات جديدة للديمقراطية والتنوع الثقافي».
*الكتاب:المجّانية هي السرقة: عندما تقتل القراصنة الثقافة
*الناشر: غراسيه ـ باريس 2007
*الصفحات: 131 صفحة من القطع المتوسط
La gratuité, c'est le vol : quand le piratage tue la culture
Grasset- Paris 2007
p.131

