كان غي سبيتل نائبا لرئيس وزراء بلجيكا ويعمل أستاذا في جامعة بروكسل الحرّة. وكان لفترة من الزمن رئيسا لاتحاد الأحزاب الاشتراكية الأوروبية إلى جانب عمله آنذاك كأستاذ للعلاقات الدولية في المعهد الأوروبي بمدينة بروج البلجيكية. سبق له وقدّم العديد من الكتب من بينها كتاب «الانتفاضة الإسلامية المثلثة» و«التوازن غير المحتمل» و«النزاعات الاجتماعية في أوروبا: إضرابات عشوائية وحركات احتجاج وبنى يتجدد شبابها».
المحور الرئيسي لاهتمام هذا المؤلف السياسي المخضرم هو التوازنات الاستراتيجية الدولية. وبعد أن كان قد أشار في كتاباته الأخيرة إلى نوع من «الفوضى الدولية» وليس «النظام الدولي»، يعود في هذا الكتاب الجديد عن «الصين-الولايات المتحدة» وإمكانية وقوع الحرب بينهما باعتبار أن إحداهما هي اليوم القوة العظمى الوحيدة، أي أميركا، بينما أن الثانية هي في طريقها لأن تكون كذلك، أي الصين.
وإذا كان المؤلف يصف الصين على أنها لا تزال في عداد بلدان العالم الثالث فإنه يشير إلى مسيرتها الصاعدة منذ وفاة ماوتسي تونغ عام 1976 حيث إنها تحتل اليوم المرتبة العالمية الاقتصادية الرابعة وتمتلك قدرة بشرية هائلة بعدد سكان يقارب ال1, 4 مليار نسمة.
وهذا يوفر لها بدأ عاملة «لا تنضب»، هذا فضلا عن أنها يد عاملة «طيعة» ورخيصة الأجر بالقياس إلى البلدان الصناعية الكبرى في العالم الغربي. وتستقبل الصين عددا كبيرا من المصانع الأجنبية التي نقلت نشاطاتها إليها في تخفّض من كلفة إنتاجها. كما أن الصين أثبتت قدرة هائلة في التحديث حسب إيقاع متسارع قلّ ما عرفته أية بلدان أخرى.
ويشير مؤلف الكتاب أنه إذا استطاعت الصين أن تحافظ على إيقاع النمو الاقتصادي الحالي الذي يقارب 10 بالمئة سنويا خلال العقدين الأخيرين فإنها سوف تتفوق على الولايات المتحدة الأميركية في أفق عام 2040. وهذا سيترتب عليه نتائج جيوستراتيجية مهمة،
لن تقتصر على الميدان الاقتصادي وإنما سوف تطالب الصين بدورها ك«قوة عظمى» في المساهمة بصياغة القرارات الحاسمة الخاصة بالعالم الذي نعيش فيه. الأمر الذي يعني فقدان الولايات المتحدة الأميركية ل«هيمنتها» الاستراتيجية الدولية. مثل هذا الأفق يسمح بطرح السؤال عن إمكانية المواجهة مستقبلا؟ ذلك أن المنافسة أمر واقع لا بد منه.
بكل الحالات يرى مؤلف هذا الكتاب أنه قد حان الوقت من أجل طرح الأسئلة بجديّة حيال الصين «البلاد القارّة» بمساحتها وعدد سكانها وقوتها الاقتصادية، وخاصة البلاد التي تفرض نفسها على رقعة الشطرنج العالمية يوما بعد يوم، وذلك دون اللجوء إلى أجهزة سرية هائلة مثلما هو حال أجهزة الاستخبارات الغربية عامة والأجهزة السرية الأميركية خاصة ممثلة بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية
ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، وأيضا دون أن يكون لديها جيش احتلال ودون أن تكون إمبراطورية استعمارية مثل القوى الأوروبية الرئيسية التي تضاءل موقعها في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية وبروز القوة الأميركية العظمى والاتحاد السوفييتي «السابق». وأيضا دون محاولات الضغط على المؤسسات الدولية، والمقصود أولا من بينها منظمة الأمم المتحدة.
وكان «غي سبيتل» قد كتب أنه «من المهم في المجتمع العالمي القائم تنظيم كوابح وقوى «تكون كوزن مقابل للقوة العظمى، القوة الأكثر ضمانا، إنما أيضاً القوى التي ستتطلب الوقت الأطول من أجل بناء نفسها تتمثل في الصين التي تبدو بالفعل أنها المجتمع الأكثر كفاءة من أجل موازنة الولايات المتحدة بعد أجل».
المسألة إذن ليست مسألة إمكانيات وقدرات وإنما هي بالأحرى مسألة وقت. لكن يبدو أن هذا الوقت سيكون «أقصر» مما يمكن أن يتصور الكثيرون فالصين تبدو قوة عالية في مسارعة ازدهار اقتصادها وبراعة كبيرة في طريقة إدارة مبادلاتها مع العالم.
هذا مع تأكيد حضورها «المالي» في العديد من الاستثمارات بالولايات المتحدة الأميركية نفسها. وفي محصلة هذا كله هي «بصدد أن تصبح القوة الاستراتيجية المعادلة للهيمنة الأميركية»، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
«إن غي سبيتل»، الذي خير السياسة الدولية في أرفع المناصب، يعود بقارئه إلى خمسة عقود مضت كي يحلل تطورها والمحطات الرئيسية التي عرفتها في ظل الحرب الباردة أولا التي حكمت العلاقات الدولية، بعد الحرب العالمية الثانية،
ثم في الفترة التي أعقبت انهيار جدار برلين عام 1989 ثم انهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق. ومن خلال دراسة السياق الاستراتيجي كله خلال الفترة المنصرمة يحاول الإجابة عن السؤال الجوهري: هل ستكون هناك حرب بين الصين والولايات المتحدة الأميركية؟ كما جاء في عنوان الكتاب.
أما النتيجة الأساسية التي يتوصل لها، فتعبّر عنها الجملة التالية التي كتبها وجاء فيها: «رغم استحالة استمرار الوضع الراهن، فإن الحرب لن تقع». لماذا؟ إن المؤلف يتبع في تحليلاته للثنائي الأميركي والصيني محورين أساسيين. المحور الأول «عسكري-سياسي» يمثله التوجه الأميركي في منطقة آسيا
والمحيط الهادئ الباسفيكي، والمحور الثاني هو «اقتصادي-سياسي» تبنّته الصين بالاعتماد على القدرات البشرية الهائلة مما سمح لها بتكديس الثروات الهائلة خلال فترة قصيرة من الزمن ومما دفعها من صف «دولة نامية» إلى دولة مرشحة للعب دور مركزي على الساحة الدولية.
ويؤكد المؤلف أن بروز الصين والولايات المتحدة على مقدمة المسرح الدولي بعد زوال الاتحاد السوفييتي والقوة «المتواضعة» للاتحاد الأوروبي. إنما كان بمثابة الإيذان بنهاية «عصر الايديولوجيات» والمواجهة بين معسكرين رأسمالي غربي واشتراكي شرقي.
ويصف المؤلف الحقبة الراهنة هذه بأنها تفرض بروز «لاعبين» جدد على الساحة الدولية، أي الولايات المتحدة والصين أولا والعولمة، وأيضا بروز «لاعب» جديد لا يزال دوره هامشيا ومهمّشا حتى الآن يتمثل في «بلدان الجنوب».
وإذا كانت بلدان الجنوب هذه قد جنت من العولمة «ثمارها المرّة» عامة حتى الآن إذ أنه لا يتم السماح لها بالدخول إلى «نادي» البلدان الكبرى ولا تستطيع المنافسة في إطار اقتصاد السوق، فإن الصين قد أثبتت، على العكس، أنها قادرة على توظيف «العولمة اللبرالية» لصالح اقتصادها.
ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة والصين تتباينان، بل وتختلفان إلى هذا الحد أو ذلك، في العديد من الصفات والميزات، لكنهما تمتلكان، كليهما، القدرة من خلال ما تتمتعان به من قوة وإمكانيات اقتصادية هائلة أن تؤمّنا «استقلالهما الذاتي»، الأمر الذي لا يتوفر بالنسبة للبلدان الأخرى، حتى الغنية منها،
فما بالك بالدول النامية أو الفقيرة؟ لكن أفق الاكتفاء لا يمثل العصب الأساسي في رسم السياسة الخارجية للقوتين العظميين الراهنة والقادمة سريعا، بل إن لكل منهما طموحاتها الدولية مما يزجهما مباشرة في عملية منافسة شرسة.
هذا لاسيما وأن الولايات المتحدة تمتلك ورقة رابحة كبيرة بالمقارنة مع الصين تتعلق بمصادر الطاقة التي تتوفر لديها، بينما أن الصين تبحث بدأب عن هذه المصادر في كل مكان تتواجد فيه في العالم. الصين تبحث إذن عن الطاقة والولايات المتحدة تبحث، دون أن تعلن ذلك بالطبع، عن حرمانها «إذا أمكن» من الوصول إلى مصادرها.
وما يؤكده المؤلف هو أن قادة الصين يراقبون بقدر كبير من الاهتمام والدقة السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية وللاتحاد الأوروبي أيضا. لكنهم يحرصون تماما على عدم إثارة أية مشكلة أو أي تحدٍ قد يؤدي إلى أية مواجهات «قبل الأوان».
الصينيون حددوا، كما تدل مؤشرات كثيرة، أولوياتهم التي بدأ على رأسها الاهتمام بالتنمية أساس، أمّا «السياسة» فتأتي في مرحلة لاحقة. إنها أولوية «برسم التأجيل» وليست ملغاة. كل ما في الأمر أن هناك طريقين مختلفين، بين أميركا والصين، فيما يتعلق بممارسة السياسة.
ويصف المؤلف المنهج الصيني أنه أكثر انسجاما مع الخطط المعلنة. الصينيون يقولون ويفعلون وينفذون مما يعطي لخطابهم قدرا كبيرا من المصداقية. وهكذا استطاعوا أن يؤمّنوا حضورا صينيا كبيرا في القارة الإفريقية على سبيل المثال.
أمّا الخطاب الأميركي، والغربي عامة، فإنه يتميز بوجود فرق كبير بين «الوعود المقدمة» وما يتم إنجازه في أرض الواقع. بل إن رفع شعارات الديمقراطية يكون في أغلب الأحيان مثل «مزاودة مرائية وقليلة الاحترام لتطلعات الآخرين وحقوقهم».
ورغم تأكيد المؤلف على وجود وتنافس حقيقي بين الولايات المتحدة والصين، فإنه يؤكد بالمقابل على وجود حدود لا يمكن لهذا التنافس بين العملاقين أن يتجاوزاها. ذلك أن التداخل بين اقتصاد البلدين كبير إلى درجة أن كلا منهما «لا بد منه» بالنسبة للآخر. وعبر دفع مثل هذا النهج في التحليل إلى نهايته يتوصل المؤلف إلى القول انه يرتسم في الأفق «سيناريو شريكين-متنافسين في إطار اقتصاد العالم».
وإذا كان من الواضح أن المؤلف يرى أنه من المفيد للعالم، ولأوروبا أيضا، وجود وزن مقابل للقوة الأميركية المهيمنة، وهذا ما يعبّر عنه بالقول صراحة: «ألاحظ فقط أن الولايات المتحدة الأميركية بوصفها قوة عظمى وحيدة في العالم تملي في أغلب الأوقات إرادتها على العالم وتبالغ في استخدام قوتها. ينبغي إذن اليوم وجود وزن مقابل للولايات المتحدة.
وما يدعو له المؤلف، معبرا بذلك عن قناعاته الشخصية، هو ضرورة المزج بين نزعة واقعية تأخذ باعتبارها موازين القوى على الأرض ونزعة مثالية ذات وجه إنساني، وذلك على أساس أن مثل هذا المزج «يؤدي دون شك إلى تعددية قطبية فعّالة» كما يقول في الخاتمة ثم يضيف: «العالم متعدد الأقطاب لم يقم بعد، ولكن التوازن أصبح ممكنا أكثر».
*الكتاب:الصين ـ الولايات المتحدة، الحرب في الأفق
*الناشر:لوك بير ـ بروكسل 2007
*الصفحات:290 صفحة من القطع المزدوج
Chine- USA, la guerre aura-t-elle lieu ?
Luc Pire- Bruxelles 2007
p. 290
