صاحب هذه المذكرات هو المثقف والمعلم العراقي غضبان الرومي الذي ينتمي إلى طائفة (الصابئة المندائيين) الصغيرة في العراق، وقد عاصر الحربين العالميتين الأولى والثانية، وشهد ثورة عام 1958 في العراق، فقد ولد منذ أن كان العراق مرتبطا بالحكم العثماني، ثم عاش مراحل وقوع العراق تحت الانتداب البريطاني، ومن ثم الحكم الملكي وحتى تشكيل الجمهورية العراقية.
فراح يسجل هذه المحطات المفصلية في تاريخ العراق، إلى جانب اهتمامه بتاريخ هذه الطائفة ومعتقداتها وطقوسها ودورها في الحركة السياسية والثقافية في العراق، ويعود تاريخ كتابة هذه المذكرات التي جاءت تحت عنوان «مذكرات مندائية» الصادرة عن دار المدى (دمشق ـ 2007) إلى مطلع الثمانينات،
وهي من الكتب النادرة التي تلقي ضوءا على تاريخ هذه الطائفة بقلم أحد أبنائها ذلك أن الكتب التي أصدرها مؤلفون آخرون حول هذه الطائفة، على قلتها، اتسمت بالتبسيط والجهل، وابتعدت عن الموضوعية. الكاتب غضبان الرومي، ورغم تركيزه على الجوانب الذاتية الشخصية وحديثه عن عائلته وأفراد أسرته،
إلا أن مذكراته تتسع وتتشابك لتكون ذاكرة وطن بكل خيباته، وانتصاراته، وهمومه، وأحلامه، وانقلاباته، فهذه المذكرات تتخطى الجانب الوجداني الذاتي لتكون توثيقا لمراحل، وأحداث، ووقائع شهدها العراق خلال القرن العشرين، وسجلا موضوعيا يؤرخ لحياة طائفة عانت لعقود طويلة من العزلة والانطواء والتجاهل.
نصف قرن من الأحداث، وأكثر، يسردها الرومي من خلال معاصرته لها، وهو لا يكلف نفسه عناء البحث عن لغة صافية وجزلة، وإنما يهتم، بالدرجة الأولى، بوصف الوقائع والأحداث التي عاصرها بعيدا عن أي حذلقة لغوية، بل هو يضمن الكتاب الكثير من المفردات الشعبية الرائجة،
وتلك التسميات الغارقة في محليتها حينما يتعلق الأمر بمواد البناء أو بالنبات أو الحيوان، وبالطقوس والمأكولات المحلية، وهو يركز على مدينة قلعة صالح التي تأسست في عام 1865 والتي تشكل أحد مراكز الطائفة الرئيسية حيث ولد الرومي وترعرع في أحضان أسرة مندائية معروفة،
ولم يقتصر تواجد المندائيين على هذه المدينة بل امتد إلى مناطق أخرى من جنوب العراق، فقد سكن الصابئة المندائيون، كذلك، العمارة، والمجر الكبير، والمجر الصغير، والجحلة، والحلفاية، والقورنة، والجبايش، والناصرية والبصرة...
وهو إذ يعود إلى قراءة تلك الصفحات المجهولة في تاريخ المندائيين الذين لم يحظوا بدراسات وأبحاث تتناول أوضاعهم وطبيعتهم وديانتهم، فإنما لا يفعل ذلك من باب التباهي والتفاخر، ولا يسعى إلى تمجيد طائفته بل هو يدون يومياته كشاهد عاصر الأحداث، وراح يختزنها في ذاكرته الخصبة التي تتدفق، الآن، بعد أن بلغ من العمر عتيا، فكانت الحصيلة هذه المذكرات.
يسجل غضبان في كتابه جانبا من الأحداث التي عصفت بالعراق بدءا من المرحلة العثمانية والملكية والانتداب البريطاني ويرصد طبيعة التدخلات الخارجية، ويكتب عن ثورة 14 تموز 1958 التي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم، وأنهت الملكية في العراق وصولا إلى انقلاب 8 شباط 1963م عندما تسلم البعثيون الحكم، ويسلط الضوء على تجربته وعمله في مجال التعليم،
ويستحضر الرومي ظروف العمل المضنية التي عمل خلالها الحزب الشيوعي العراقي والنقاشات الصاخبة التي كانت تدور بين الأصدقاء والرفاق.. كل ذلك في فصول مهمة، وأحداث متشابكة، وصفحات مليئة بالدروس والعبر يسردها الغضبان في قالب قصصي لا يفتقر إلى التوثيق، وهي تظهر في النهاية سيرة رجل تفاعل مع أحداث وطنه ولعب مع كثيرين مثله دورا في الأحداث، والمنعطفات الحاسمة.
وفي معرض حديثه عن الطائفة التي ينتمي إليها يقول الرومي «أنتمي إلى طائفة صغيرة تسمى الصابئة، وتسكن هذه الطائفة المنطقة الجنوبية من العراق ويسمون أنفسهم مندائي»، ويضيف «اشتقت كلمة الصابئة من (صبا) الآرامية وتعني من صُبّغ أو تعمّد، والكلمتان تعنيان التغيير في الدين والعبادة.
أما الكلمة الثانية التي يتسمى بها الصابئة فهي (مندائي)، وقد فسرها بعض العلماء بأنها تعني (العارف)، وكلمة المعرفة تعني، هنا، معرفة الله من خلال تأمل أو تنسك أو تصوف وتفكير عميق يقضي بان الكون يحتاج إلى خالق مدبّر».
ويرى الكاتب أن كلمة مندائي مشتقة من (مندا) أي الموحّد ومنها أخذت (مندي) أي محل العبادة أو التوحيد لدى هذه الطائفة. ويخلص الكاتب هنا إلى القول «إذا أخذنا بنظر الاعتبار أيا من هذين التفسيرين فالدين الصابئي، سواء كان من المعرفة أو من الموحّد، فهو يعني توحيد خالق لهذا الكون، خالق علوي يعجز الإنسان عن وصفه أو معرفة تكوينه وكنهه، لأن أي وصف تطلق عليه سيكون دونه، لأنه اكثر دقة وشمولا من ذلك الوصف».
ويوضح الرومي أن «فلسفة عقيدة الصابئة تنحصر في أن هناك خالقا للكون يدين المخلوق إليه بالطاعة واعمال الخير والتعبد، وان يقبل الفرد بالعدل الإلهي وان يسكت على ما يناله من خير وشر ويصبر عليهما، وان يبتعد عن أي عمل شرير وان لا يعاقب الشرير هو بنفسه بل يترك عقابه لله لأنه سبحانه وتعالى هو المسؤول عن العقوبة. وان الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل العقوبة فلا تكن أنت المنفذ والمعاقب للخاطئ».
ويعدد الرومي عدة عوامل أسهمت في احتفاظ هذه الطائفة الصغيرة بطقوسها وعباداتها عبر القرون، ومنها «انهم (أي إتباع هذه الطائفة) موحدون ولان الأديان السماوية اعتبرت كل موحد شريكا للآخر في توحيده، ولان الصابئي يأمر بالعدل والسلام وعدم إيذاء الآخرين، ولان الصابئة أصحاب مهن يدوية مختلفة كان المجاورون بحاجة إليها، وأخيرا لإخلاصهم وعدم إيذاء من يسيء إليهم، واجتماعهم سوية في أماكن معينة».
ويعترف الباحث بان تاريخ الصابئة يكتنفه الكثير من الغموض، فالمكتشفات الأثرية لا تحدد بالضبط حياتهم ومساكنهم الأولى، إلا أن التاريخ يقول إن «الصابئة من بقايا الآراميين الذين كانوا يسكنون اليمن وهاجروا إلى بلاد الشام، ومنها هاجر قسم منهم إلى جنوب العراق إلى ارض السومريين والبابليين، وسكنوا هناك،
وقد جاء منهم إبراهيم الخليل عليه السلام الملقب بابي الأنبياء، ولدى الصابئة كثير من الأساطير عن إبراهيم الخليل وانتسابه إليهم لولا حدوث بعض العوارض الدينية له في حياته وهجرته من بابل إلى حران». ويضيف بان التاريخ يذكر بان «الصابئة لاقوا أذى كبيرا من اليهود قبل المسيح بفترات طويلة،
ولدى مجيء الإسلام عام 13 هجرية وفتح المسلمين لأماكن سكنى الصابئة تقدم أحد رؤساء دينهم إلى القائد العربي وأعلمه بدينهم، ولما راجع بعض العلماء الذين يحفظون القرآن، وتبين له أن اسم الصابئة مذكور في القران في ثلاث سور هي البقرة والمائدة والحج، آمنهم هذا القائد وجعلهم من أهل الذمة،
والقرآن أوصى بمعاملة أهل الذمة معاملة حسنة، وعدم إيذائهم لأنهم من الموحدين»، وهكذا بقي الصابئة في مناطق سكناهم في العراق حتى هذه الأيام. ولأن الرومي كان يُسأل كثيراً عن ديانة الصابئة وتاريخ الصابئين، وكانت إجاباته عامة، وغير مبنية على حقائق علمية بسبب قلة معلوماته، بدأ يجمع الكتب المندائية ويتعلم لغتها.
وقام بتأليف كتيب نشره عام 1955 بعنوان «الصابئون في العراق» لاقى رواجاً كبيراً، ثم بناءً على طلب مسؤول حكومي كان يريد إبطال الشكوك حول العقيدة الصابئية وأصولها، قام بتأليف كتاب بالاشتراك مع مؤلف صابئي آخر هو نعيم بدوي تم جمع معلوماته من المصادر العربية والإنجليزية. لكن الكتاب اختفى بعد إلقاء القبض على بدوي بتهمة الشيوعية في الأيام الأولى للانقلاب البعثي عام 1963.
وإذ يحفل الكتاب بهذه الإشارات التاريخية فان الكاتب يركز، في مختلف الصفحات، على طبيعة هذه الطائفة وطقوسها وحياتها في بدايات القرن العشرين، ويبين ما لديها من نقاط قوة ونقاط ضعف، ويظهر مدى التخلف والفقر الذي عاشت فيه خلال العقود الأولى من القرن العشرين،
وفي ما يشبه عقد مقارنة بين تلك المرحلة والمراحل اللاحقة يكشف الكاتب عن التحولات العميقة التي طرأت على معظم أبناء الطائفة من حيث التحرر والسير بخطى واسعة نحو اقتحام الواقع، وتحقيق النجاحات في أكثر من ميدان، فمع مطلع الخمسينات من القرن الماضي ـ كما يشير المؤلف ـ بدأ وضع الصابئي بالتحسن من حيث المأكل والملبس والمسكن،
وبدأ قسم من الشباب والفتيات يتزوجون من الأديان الأخرى علما أن الدين يحرم ذلك حرمانا قاطعا، ولقد غير الكثير من الصابئة زيهم التقليدي ولبسوا الملابس الحديثة، وتخلى الكثير منهم عن الطقوس الدينية التقليدية، فقد ضعفت ظاهرة التعميد،
ولكن في موازاة هذا التخلي عن الالتزام بالطقوس والتقاليد الراسخة عبر العصور، التي اقتصرت على رجال الدين، برز الكثير من أبناء هذه الطائفة في مجالات العلم والأدب والفكر والسياسة...ويعدد الباحث أسماء الكثيرين منهم ممن لعبوا دورا هاما في تاريخ العراق السياسي والثقافي والفكري.
لا يشكل الكتاب مرافعة تاريخية يهدف من ورائها الكاتب الدفاع عن هذه الطائفة الصغيرة، بل هو يسعى إلى تقديم قراءة متوازنة وبسيطة لإبراز حقيقة هذه الطائفة والتحولات التي طرأت عليها، ودروها، إلى جانب الفئات والمذاهب والقوميات العراقية الأخرى،
في المحطات المفصلية التي مر بها العراق، ليقدم كتابا يخفف فيه كثيرا من الثقل الطائفي والديني مقتصرا على تدوين مشاهداته وتجاربه التي تعكس بالضرورة مشاهد من تاريخ العراق، ومن تاريخ هذه الطائفة التي تغني الموزاييك العراقي المتنوع.
إبراهيم حاج عبدي
*الكتاب:مذكرات مندائية
*الناشر:دار المدى ـ دمشق 2007
*الصفحات: 118 صفحة من القطع المتوسط
