يكشف محسن دلول في هذا الكتاب عن بعض مخزون ذاكرته المليء بالمعلومات والصور والمشاهد الغنية ليعطي القارئ عبر حوارات أجرتها معه على فترات متباعدة كل من مجلتي الشراع والوسط بين 4 فبراير 1997 و 17 مارس 1997، والوسط بين 4 ديسمبر 2000 و 5 فبراير 2001 زادا مهما من المعطيات عن قادة كبار لبنانيين وعرب وعن أحداث كثيرة وخطيرة بقي فهم البعض منها عصيا على العامة من الناس وعلى الكثير من المتابعين.

وعلى ذلك فالكتاب ليس سيرة ذاتية لرجل له باعه الطويل في السياسة اللبنانية بل فيه سير عدد من القيادات التاريخية وإضاءة مهمة على أحداث كثيرة كان الوزير والنائب والقيادي الاشتراكي السابق أحد أهم صناعها ومتابعا لأدق تفاصيلها انطلاقا من دوره كمفاوض لبق ووسيط محبب الأمر الذي ميزه بين أقرانه طيلة أكثر من ثلاثة عقود من الزمن بدءا من عشية الحرب الأهلية اللبنانية وما سبقها بسنوات.

من بين الخبايا التي يعرضها لنا دلول تلك المتعلقة بالطريقة التي تم بها إنهاء الحرب في لبنان إثر الغزو العراقي للكويت والطريقة التي تم بها إعداد الأجواء لتحقيق التوازنات التي تسمح باستقطاب عون بقبول تعيينه في الحكومة اللبنانية أو هزيمته وهو ما تم بموافقة أميركية وسورية وصمت إسرائيلي مع ممانعة فرنسية وشبه رفض عراقي. ومن حكيه تكتشف طبيعة السياسة الدولية التي لا تحكمها العاطفة.

ولعل ما شاهده دلول من أجواء تعكس هذه الطبيعة للعملية السياسية هو الذي يدفعه في الوقت ذاته إلى القول إن السياسة فيها الكثير من الموبقات.. في السياسة كذب وافتراء وظلم، تطلق التهمة على زميلك وتدوس عليه وتمشي ثم تتكشف براءته فتذهب وتهنئه.. فالسياسة كما تمارس لا أخلاقية!

وفي مزحة منه تكشف رؤيته بشأن طبيعة الأنظمة العربية نقرأ عرضا ما ذكره للرئيس الجزائري هواري بومدين من دعوة أخوانه القادة العرب إلى إجازة طويلة على الشاطئ الجزائري وأن يصطحب كل واحد معه وزير الداخلية ورئيس الأركان ومدير المخابرات وبعد وصولهم يعلن أن انتخابات ستجري في تلك البلدان.

ولدى سؤاله لبومدين عن اعتقاده بشأن كم عدد القادة القادرين على العودة إلى بلادهم؟ هز الأخير رأسه وقال هذا صحيح .. ليست هناك ديمقراطية للشعب، هناك ديمقراطية للنظام، ولهذا صار الشعب في غربة عن النظام.

وفي هذا السياق يحكي لنا دلول كيف أن أحد أسباب حرص العراق على منع مواطنيه من التصييف في لبنان، إلى جانب أسباب أخرى، هو العدوي وحسب صدام فالعراقي يذهب إلى لبنان ويرى الشتيمة التي يتعرض لها رئيس الجمهورية والخلافات بين القادة فيرجع مشتتاً والمحصلة أن العراق لا يريد .. تشويه أفكار شعبه!

ومن دلول نعلم أن كمال جنبلاط كان يكره بيار الجميل، وأن علاقة الكره انتقلت إلى وليد جنبلاط من جهة وبشير وأمين الجميل من جهة أخرى ويذكر لنا دلول في هذا الخصوص وقائع وأحداث ذات دلالة. ويعرض لنا فلسفة كمال جنبلاط السياسية مشيراً إلى أنه كان في الفترات التي مرض فيها كان يقول أن السياسة لعبة صبيان على شاطئ رمل

فالأفضل للفرد ان يهرب منها وقد كان لدى كمال حلم أن يترك السياسة وأن يؤسس بيت الحكمة في بيروت أو في دار المختارة وأن يجمع حوله كبار المتصوفين والمفكرين والعلمانيين وغيرهم وأن يكون هناك نقاش في مختلف الأمور وأن ينشر كتبا ودراسات وأبحاثا.

ومن الجوانب التي يذكرها بشأن وليد أنه كان يتعاطى السياسة قبل أن يصبح رئيسا للحزب وينفي أن يكون والده كمال جنبلاط أبعده. ومن النوادر التي يذكرها والعهدة على الراوي كما يقولون أن وليد كان له صداقات في ليبيا عديدة لكنه كان مشاكسا مع القذافي والآخرين.

وعلى ذلك فإنه خلال زيارة للرئيس الهراوي الى ليبيا سأله القذافي عن وليد وحمله سلاما إليه فأبلغ الهرواي السلام إلى وليد وقال له: الرجل يحبك ، فلماذا لا تذهب إليه؟ فأجاب «الله يخليك فخامة الرئيس اتصل به وقل له أنت تعرف رقم حسابه في جنيف، فليبادر أولا ثم نذهب». وليد عملي وصريح.

وفيما قد يراه البعض إمعانا من دلول في نظرية المؤامرة يرجع الحرب اللبنانية إلى رغبة أميركية في عدم نهوض لبنان والتي تعد أسبابها في رأيه اقتصادية وسط محاولات جهة أو أكثر وراثة دور لبنان. ويقرر أنه حتى الرئيس رفيق الحريري عاقبوه سنة 1998

لأنه مشى بإعادة إعمار البلد فهم لا يريدون للبلد أن ينهض يعني الأميركان لديهم النية، حتى أنه يقرر أن الحرب قامت في محاولة للحيلولة دون استقبال لبنان عوائد النفط العربي التي ازدهرت كثيرا عقب حرب 1973 واستثمارها على أراضيه.

ومن الجوانب التي تثير الدهشة ما يشير إليه دلول، وقد كان وزيرا للزراعة في فترة من الفترات في معرض حديثه عن حصار لبنان في السبعينيات إشارته إلى الحرب الدولية على المخدرات والتركيز على لبنان تحديدا الأمر الذي يؤدي به إلى أن يقرر: نحن انتهينا اقتصاديا بسبب تخلينا عن المخدرات!

أما عن الحريري والذي كان فاعلا أساسيا في لبنان على مدى العقدين الماضيين فيشير دلول إلى إعجاب كبير به رغم إشارته إلى سلبيات منه ويشير إلى أنه بين يومين وليلتين وعقب الخروج الإسرائيلي من لبنان نظف الحريري بيروت كلها مؤكدا على أنه كان لديه قضية ..

ليست قضية سلطة أو حكم فقد كان يشتغل وهو يعلم أن هذا البلد من الصعب أن يتحسن أو يتعافى وأفاد الناس وتحسس أوضاعهم ومن الشواهد التي يقدمها على ذلك يقول عما يعلم الشيخ رفيق الحريري 40 ألف طالب أو 45 ألف جامعي في الجامعات لا بد أن تحترمه وتؤيده. ويضيف لقد كان يمكن للحريري أن يمتلك أكبر حزب في لبنان يبدأ بهؤلاء الأربعين أو الخمس وأربعين ألفا.

ومن الجوانب التي يسردها لنا دلول تلك المتعلقة بالرئيس فرنجية وكيف أغاظ وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر في حديث بشأن القدس وتفنيد دعاوى اليهود بأحقيتهم فيها حيث راح فرنجية يذكر للوزير الأميركي كيف أن اليهود لم يكونوا طرفا في الحروب الصليبية،

فإذا كانت القدس لهم فكيف لم يشاركوا في هذه الحروب مضيفا: القدس فيها ثلاثة أديان واليهود لا يعترفون بالمسيحية دينا ولا بالإسلام وهناك مسيحيون يعترفون باليهود ولا يعترفون بالإسلام أما المسلمون فهم يعترفون باليهودية والمسيحية وهم أولى بأن يحافظوا على الأماكن المقدسة لأنهم يعترفون بهذه الأديان.

لقد كان الرد الأميركي على ذلك، حسب الكتاب، محاولة إذلال فرنجية لدى ذهابه إلى الأمم المتحدة وإلقاء خطابه الشهير باسم العرب حتى أنهم فتشوا حقيبته بالكلاب البوليسية ردا على ما اعتبروه تجاوزا لدور رسموه هم للبنان.

وفي عبارة تلخص مجمل الأزمة التي عاشها ويعيشها لبنان يشير دلول إلى أن البلد عاش تجربة اختطاف من مجموعة قوى، فكل واحد يخطفه لهدف .. فقد كان أبو عمار يقول للغرب أنا لا أترك حصتي في هذه المنطقة ـ حيث يتمركز في لبنان ـ حتى تعطيني إسرائيل حقوقي.

كما أن الشيخ بشير الجميل خطف منطقة وكان يقول للرئيس سركيس أنا لا أعطيك إياها حتى يترك الفلسطينيون هذا البلد، كما كان هناك صراع سوفييتي أميركي على لبنان وكان كل واحد يريد لبنان خاصة أن بيروت كانت منبرا إعلاميا ..

ومن الجوانب ذات الدلالة في هذا الشأن ما يشير اليه من أنه لدى حصول هجوم على الصحافة اللبنانية في أحد مؤتمرات القمة العربية وقف الرئيس شارل حلو مخاطبا القادة العرب قائلا: يا أصحاب الجلالة والسيادة أقفلوا صحفكم في لبنان فترتاحوا ونرتاح!

ومن شهاداته الداخلية وانطباعاته عن الشخصيات المحورية في لبنان يذكر لنا دلول أن بشير كان متعطش للسلطة وأمين متعطش للمال مشيراً إلى أن هذا الأخير إنما تم انتخابه لأنه لم يكن يوجد من ينافسه ولم يكن هناك سوى القليل من النواب فوجد أنه من المناسب أن يتعاطوا بإيجابية مع هذا الترشيح.

كما يكشف لنا دلول جانبا من طبيعة علاقات السياسيين المعقدة ومن ذلك أن موسى الصدر في أول لقاء جمعه مع كمال جنبلاط أعطى الأخير معلومات مفادها ان مجموعة من رجال الدين تحركهم المخابرات الإيرانية اجتمعوا في احد المراكز في الجنوب وعملوا كذا وكذا

وهو ما أعلن عنه كمال جنبلاط فيما بعد وقام عليه رجال الدين والعلماء ومن خلال ذلك يؤكد أن الصدر لم يكن حسبما حاول البعض الترويج له متعاونا مع المخابرات الإيرانية ـ السافاك ـ أو حتى المخابرات الأميركية .

ومن المفارقات التي يذكرها دلول أن دموع شمعون أوصلته إلى رئاسة الجمهورية.. وذلك وسط جهود البحث عن رئيس للدولة.. يقول دلول: عندما كان يجري القتال في فلسطين حوصرنا وبعدما تمكننا من الخروج رجعنا عن طريق الشام

وما أن وصلنا إلى فندق الشرق حتى رأى دلول على المدخل كميل شمعون الذي تربطه به صداقة قديمة فسأله عن الوضع فأجابه دلول بأنه سيئ للغاية ثم سأله عن حال الجيش المصري فقال له انه محاصر في الفالوجا فدمعت عينا شمعون فقال أديب الشيشكلي لشوكت شقير هذا الذي أريده رئيسا لجمهورية لبنان فاتصل به واستدعاه.

أما عن المخاوف جراء الانقسامات الطائفية والتي انتهت إلى الحرب فيقول دلول أنه كان هناك خشية من نشأة دولتين على غرار كوريا الشمالية والجنوبية. ويذكر في ذلك نقلا عن نبيه بري أنه عبر عن خشيته في مرحلة من المراحل من تخلي وليد جنبلاط وسعيه إلى أن يعمل دويلة في الجبل وقد عرض بري له معلومات كثيرة من هذا القبيل.

وعن رؤيته لعرفات في ضوء محورية دوره في تطورات لبنان يقول دلول أن عرفات كان يعرف الواقع العربي جيدا ويتقن التعامل معه وكان يعطي كل بلد عربي من بضاعته .. لقد كان مشروع عرفات إطالة الأزمة اللبنانية. يضيف: كنا نشعر بذلك

وتأكد لنا لاحقا، خذ مثلا تفقيس التنظيمات على رغم ان الأحزاب السياسية كانت متحالفة مع المقاومة وعندما غادر عرفات سقطت كل هذه التنظيمات .. لقد كانت لعرفات علاقة وثيقة بالمنطقة التي سميت شرقية مع آل الجميل وآل شمعون وكريم بقرادوني.

مصطفى عبد الرازق

*الكتاب: حوارات ساخنة .. من كمال جنبلاط إلى رفيق الحريري

*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2007

*الصفحات:397 صفحة من القطع المتوسط