عامر رشيد مبيض كاتب من سوريا ـ حلب، له الكتب التالية : مئة أوائل من حلب، 2004، عروق الذهب فيما كتب عن حلب 2005، بيمارستانات حلب 2006، حلب ذاكرة الأيام 2006، وحصل المؤلف على عدّة جوائز عن مجمل أعماله.
في كتابه الحالي «حلب ذاكرة الأيام» يدرس عامر رشيد مبيض حلب وقلعتها والجوامع التي فيها، يدرس مدارسها وأبوابها وحماماتها وخاناتها وأسواقها، ويبدأ بالقلعة فيعتبرها إحدى أهم القلاع في العالم وأكبرها مساحة وارتفاعاً، وهي محاطة بخندق يمكن غمره بالماء، إن حفر خندق القلعة، وبناء الجسر الحجري الكبير، ومدخل القلعة، بدأ عام 588 ه، وانتهى في عام 611 ه.
وبعد أن فصّل الملك الظاهر غازي سور حلب عن القلعة ووسع الخندق، بنى ثمانية أعمدة حجرية ترتفع عن قاع الخندق في عام 597 ه. أمر ببناء برجين ضخمين عاليين لا مثيل لهما، يصلان إلى مستوى الأسوار العلوية للقلعة. إن مدخل القلعة يعدّ اليوم منشأة كبيرة في البناء العسكري في القرون الوسطى،
ففيه باب ( الحيات ) وهو المدخل الرئيسي للقلعة، يشغل زاوية قائمة بالنسبة للدرج من أجل إضعاف الهجوم وتعريض الجيوش المقتحمة لشتى أساليب الدفاع الموضوعة في الأعلى، ويعلو باب الحيات قوس تزيني بديع، مزخرف بزوج من الثعابين المتداخلة تظهر أسنانها مهددة من يقتحم القلعة،
وعلى جانبي الممرات بنيت إيوانات ذات أقواس حجرية مرتفعة حتى السقف المقنطر بالحجارة، لها مصاطب حجرية مرتفعة عن الأرض، وهي أماكن مخصصة للجنود الذين يتناوبون على حراسة القلعة وممراتها. وبعد الخروج من ممرات القلعة، وعبر طريق حجري نصل إلى حمام نور الدين الزنكي،
يقابله بوابة تؤدي إلى القاعة البيزنطية، في الزاوية الشمالية الشرقية من القاعة البيزنطية يتم الصعود عبر درج نشاهد حفرة عميقة محفورة ضمن الصخر، في أحد جدرانها أنبوب فخاري كان فيما مضى صهريجاً للماء ثم تحوّل إلى سجن حقيقي ويسمّى اليوم «حبس الدم»، يليه إلى اليسار ( قاعة العرش )
وهي بناء كبير جداً مبلط بالرخام، وعلى كل جهة من جهاته مناظر تطل على المدينة، وله بوابّة كبيرة يمتد أمامها إيوان يستعمل في تأمين الخدمة أثناء الاجتماعات. إن ساحة قاعة العرش محاطة بجدران عالية، أحجار الجدران من الأعلى محززة مع ممشى مخصص آنذاك لحراسة القصر.
وإلى شمال القلعة على مقربة من السور يرتفع جامع صغير ببنائه الجميل وطرازه البسيط وباحته المستطيلة، هذا الجامع يسمّى الجامع الفوقاني. والجامع التحتاني يقال إن الملك العادل نور الدين زنكي جدد عمارته، كما هو مسجل في لوحة حجرية من أصل البناء، ومحرابه مسروق في الربع الأول من القرن العشرين.
وفي وسط باحة قصر الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر، حمام تفصل بينها وبين القصر باحة واسعة في وسطها نافورة ماء، ويشاهد فيها مصاطب حجرية للمستحمين مع أماكن للأحذية والقباقيب الخشبية، وهناك حائط على شكل غرفة خاصة للملابس.
يعود الجامع الأموي الكبير بحلب إلى زمن الصحابة ثم جدد في زمن سليمان بن عبد الملك، وقد حافظ على شكله المعماري عبر العصور. وهو ينافس جامع دمشق بما يحويه من الزخرفة والرخام والفسيفساء. وكان في حلب نجار ماهر جداً، وهو الذي صنع المنبر للجامع،
ولدى احتراق الجامع الأموي الكبير في حلب أعيد إنشاؤه بالكامل مع الحفاظ على شكله الأصلي. ثم صنع النجار نفسه وكان اسمه الاختريني منبراً آخر شبيهاً بالمنبر الأول حُمِل إلى بيت المقدس بعد تحريرها من الصليبيين. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان : إن مقام سيدنا يحيى عليه السلام موجود في الجامع الأموي».
يؤرخ الكاتب للجوامع الموجودة في مدينة حلب ويصفها جامعاً جامعاً، ويذكر الكتابات الموجودة عليها، ثم يصل إلى المدارس فيعدد منها المدرسة الحلاوية والمدرسة الشاذبختية والمدرسة الظاهرية ومدرسة الفردوس التي تسمى بالمدرسة الشافعية فيجري عليها ما أجراه على الجوامع من تأريخ وتوصيف وكتابات.
ثم يأخذنا إلى التكية المولوية «الملاخانة» التي بنيت عام 937 ه، ويظهر أن المتربعين فيها كانوا يستندون في أمر إقامتهم ومعاشهم إلى ما ينفق عليهم من الأوقاف المحبوسة عليها من قبل الوالي أو غيره من أهل الإحسان والبر.. وهي أقرب ما تكون إلى الفندق، على أنها مجانية وخاصة جماعة الصوفية،
ولكل تكية رئيس هو شيخها ومهمته الإشراف على الدراويش والعناية بأمرهم. وتعدّ قبلية المولوية أكبر مبنى في التكية وهي تضم ثلاثة عناصر : (المحراب والمنبر والسدة ). ومئذنة التكية المولوية فريدة في نوعها، وسمّيت بـ «الفانوس».
ونلاحظ وجود مساري حلزونية على القبة لتشكل مع قمّة قبّة المئذنة شكلاً يرمز إلى شيخ مولوي، وهو يدور بفتلته وثوبه الفضفاض منتفخاً كالقبة. كانت هذه الرمزية من أجمل رموز التكية على الإطلاق. ثم نصل إلى الأبواب فيأخذنا الكاتب إلى باب قنسرين الذي يقع في الجهة الجنوبية للمدينة،
وأصبح الباب حصناً كاملاً بحد ذاته مع مطاحن قمح وأفران للخبز وصهاريج ماء ومستودعات للأسلحة والحامية، وباب أنطاكية يذكرنا بدخول العرب المسلمين من هذا الباب فاتحين مدينة حلب صلحاً سنة 16 ه، وهو سليم وقوي، سمّي بذلك لكونه يخرج منه إلى جهة أنطاكية، وللباب برجان لرمي السهام.
وسمّي « باب الجنائن » بهذا الاسم لأنه يخرج الناس منه إلى البساتين والجنائن غربي حلب، ويعود «باب النصر»، وسمّي بباب اليهود حتى نهاية القرن الثاني عشر، لأنه ينفتح على الحي الذي يسكنه اليهود، وكانت مقابرهم تمتد أمامه، لكن الملك الظاهر استقبح وقوع الاسم عليه فسماه باب النصر،
أمّا «باب الحديد » فلا يزال من أهم أبواب حلب، وهو محافظ على شكله بشكل جيد. إن موقع باب الحديد في نقطة وصول القوافل من الشرق والفرات والعراق وبلاد فارس والشرق الأقصى قد أعطته أهمية كبرى ضمن النشاطات المتعلقة باستراحة القوافل المحملة بالبضائع القادمة من بعيد.
و «باب المقام» الذي شيد من قبل الملك الظاهر غازي، وهو الذي أطلق عليه هذه التسمية، لأنه كان بالإمكان الذهاب منه إلى مقام إبراهيم عليه السلام. ننتقل بعد ذلك إلى الحمامات، فيستوقفنا حمّام يبلغا الناصري الذي يقوم شاهداً على عظمة الحكام في العصرين الأيوبي والمملوكي،
فقد أتمّ ملك حلب الظاهر غازي بن صلاح الدين عمارة هذا الحمّام سنة 1211 م ثم خربه المغول حين استباح هولاكو المدينة، ثم جاء نائب حلب في العهد المملوكي فتمّ تجديده مرة ثانية، فبدا أكثر أناقة وجمالاً في النقوش والتزينات وتمتين البناء وتغذيته بالماء.
ويتكون الحمام من البراني والوسطاني والجواني، ويشرح المؤلف كل طرف منها، ويضيف إليها، حمّام النحاسين الذي بني عام 180 للهجرة، وحمام الست الذي عمرته عائشة بنت صالح العباس. ثم يتابع في وصف خان الشونة وخان النحاسيين وخان الجمرك وخان الوزير وينهي كتابه بـ «المطبخ العجمي والبيمارستان الأرغوني وأسواق حلب والتي منها سوق الصابون والذهب والفرايين والعبي والعطارين والنحاسيين والخراطين والعلبية والجوخ.
فيصل خرتش
*الكتاب:حلب ذاكرة الأيام
*الناشر:دار القلم العربي حلب 2007
*الصفحات: 184 صفحة القطع الكبير

