مؤلف هذا الكتاب هو الباحث المصري الدكتور سمير الجمال، من المهتمين بالحضارة المصرية القديمة على مدى عصورها المختلفة. له العديد من المساهمات في التاريخ المصري القديم مثل: موسوعة تاريخ الطب والصيدلة في العصر الفرعوني، والعصر اليوناني، والعصر الإسلامي (في ثلاثة كتب)، والطب الشعبي التقليدي، وتاريخ المصريين.

يقدم الكتاب في ثمانية فصول بانوراما شاملة لتاريخ الموسيقى المصرية القديمة من خلال استعراضه لبداياتها ومبادئها وأهم سماتها وآلاتها الموسيقية ومراحل تطورها، وكيف أن الشعوب المجاورة قد اقتبستها وأقامت عليها معظم فنونها.

كما يصحح الخطأ التاريخي القائل إن الإغريق القدماء هم أصل الموسيقى، حيث تزخر جدران معابد وقبور المصريين القدماء برسوم ونقوش لمختلف الآلات الموسيقية وكيفية تطورها، كذلك كافة أنواع الغناء وحركات الرقص التي ظهرت فيما بعد لدى الشعوب المجاورة.

وتوضح قبور ومعابد حكام الأسر المصرية القديمة مثل: مقبرة الملك «أمنحتب الثاني» (الأسرة الثالثة عشرة)، ومقبرة الملك «رمسيس الثاني» (الأسرة التاسعة عشرة)، والمقبرة الأشهر للملك «توت عنخ آمون» والتي عثر فيها على بقايا سليمة لآلات موسيقية تم تهريبها للخارج وتعرض في بعض متاحف أوروبا.

وقد استخدم المصري القديم خلال مراحل تطوره التاريخي وسائل وأدوات لمساعدته على الغناء والتضخيم الصوتي لملء الفراغات والمساحات المطلوبة، ومن تلك الآلات: آلات الطرق (المصفقات ـ الشخاليل ـ الطبول)، وآلات النفخ (الصفارات ـ الأبواق ـ النايات)، والآلات الوترية (الجنك ـ الهارب ـ القيثارة).

وشهدت الموسيقى المصرية تطورات كبيرة خلال عهد الأسرات، ففي الدولة القديمة (3200 ـ 200 ق.م) ظهرت موسيقى متقدمة إلى حد بعيد وتكونت الفرق الموسيقية المنظمة، وفي الدولة الوسطى (2000 ـ 1600ق.م) حدث تطور على مستوى الأدوات المصاحبة للغناء وتم استخدام بعض الآلات الوترية، وصارت للموسيقى قداسة خاصة في المعابد حيث الطقوس الدينية والشعائر التي تتطلب الجدية والخشوع.

وحظي الموسيقيون بمكانة عالية وتقدير من الملوك ومن الشعب. وفي الدولة الحديثة (1580 ـ 1080ق.م) توسعت حدود الدولة المصرية وامتدت لتشمل الجزيرة العربية وسواحل الشام والعراق وإيران وآسيا الوسطى كما احتلوا جزر كريت ومالطا، وبالتالي زاد احتكاك المصريين وفنونهم مع شعوب تلك المناطق وفنونها،

فتطورت الآلات الموسيقية ومعها تطور أسلوب ونوعية الغناء وبدأ يتميز بالسرعة والصخب والتعقيد. وتطور السلم الموسيقي الخماسي القديم إلى السلم السباعي الحديث وهو المستخدم حاليا على مستوى العالم بما فيه من أبعاد كاملة (تون) وأنصاف أبعاد (نصف تون)، إلا أنه كان من الصعب تحديد وترتيب تلك الأبعاد والدرجات بدقه نظراً لعدم المعرفة بعلم التدوين الموسيقي وقتها.

وقد أفاض المؤرخون في ذكر فضل الموسيقى المصرية على تطور الموسيقى وانتشارها عالمياً في تلك الحقبة. فأشار «هيرودوت» إلى أن الموسيقى والأغاني المصرية التي سمعها صارت فيما بعد ألحاناً شعبيةً في اليونان يرددونها في كل مكان، وذكر «أفلاطون» في مؤلفاته أن الشعب اليوناني عليه أن ينتقي من الموسيقى المصرية ما يشاء إن أراد الاطلاع على فنون الآخرين لما فيها من عناصر فنية وأخلاقية وتربوية على عكس موسيقى الشعوب الأخرى.

ويوضح الكتاب أن الموسيقى والغناء المسرحي في مصر القديمة كان يدور، وبشكل كبير، في إطار ديني ذو صبغة إرشادية، وكان المسرح المصري القديم أشبه بقداس ديني تقام فيه الشعائر بمصاحبة الفرق الفنية الغنائية المسرحية التي تشرح وتبين الحالة الدينية بشكل مبسط، مع المحافظة على قداسة المكان بهدوء الألحان ورصانة الآداء

ومن تلك المسرحيات: خلق الكون ـ التتويج ـ حورس وستخ ـ ومسرحية الآلام (ازيس واوزوريس) والتي عثر عليها في بردية الرامسيوم الدرامية. كما استخدمت الموسيقى والغناء والرقص للعلاج في مصر القديمة، وقد زخرت المعابد بالرسوم والنقوش التي توضح الطقوس الدينية العلاجية التي كان يمارسها كهنة المعابد لعلاج المرضى. وقد نقل اليهود من بني إسرائيل أناشيد الملك إخناتون الدينية وظهرت لديهم في مزامير النبي داوود التي كانوا يرتلونها لشفاء المرضى.

كما يستعرض الكاتب الموسيقى المصرية خلال العصر اليوناني ـ الروماني، حيث احتل الاسكندر المقدوني مصر في عام 332ق.م وتكونت الدولة البطلمية والتي بسط ملوكها رعايتهم لفن الموسيقى واحتفوا به كثيراً، بل ودرسوه بأنفسهم مما كان له أكبر الأثر في إقبال المصريين مرة أخرى على مزاولة الموسيقى بحماسة كبيرة.

وقد تناول مؤرخو تلك الفترة مثل: سترابون ـ ديودورس الصقلي ـ كليمنس الاسكندري ـ ديون كاسيوس ـ كلوديانيس، النهضة الموسيقية المصرية القديمة وتطور وتنوع آلاتها، بل وقواعد النظام الموسيقي بها. ويتحدث المؤلف عن الموسيقى العربية موضحاً أن أصولها ترجع إلى شبه الجزيرة العربية وخاصة منطقة اليمن والتي كانت في علاقات تجارية واسعة مع مصر الفرعونية وبلاد فارس وبلاد ما بين النهرين والهند.

وقد نهل العرب من شعوب الرومان والبيزنطيين والإغريق الملاصقين لحدودهم الشرقية والغربية والشمالية. وبالتدريج استقت الشعوب العربية موسيقاها من تلك الشعوب. وهكذا زخرت الموسيقى العربية بالكثير من المعالم المتضمنة لمصطلحات فنية وأسماء للمقامات والنغمات والآلات الموسيقية المشتقة من الفرس والإغريق.

وقد تطورت الموسيقى والغناء المصري خلال العصر الإسلامي فحدثت حالة من الانتشار بين مختلف طوائف الشعب ولم تعد حكراً على طبقة الكهنة كما كانت أيام مصر الفرعونية، وتم ابتكار طرق جديدة للتأليف والتلحين والدراسة والتطبيق في التركيبات الصوتية للألحان والمقامات والآلات، إلى جانب تعدد الأصوات والتوافق والتنافر بين مختلف الأصوات وغيرها،

ويرجع ذلك إلى تشجيع الخلفاء والملوك والسلاطين والولاة لكافة أنواع العلوم والفنون. ويستعرض الكتاب أنواع الآلات الموسيقية التي استخدمها المصريون في تلك الفترة وهي: الآلات الوترية (العود ـ الطنبور ـ الطنبور التركي ـ الكمنجة ـ القانون ـ الرباب ـ الكيصار)،

وآلات النفخ (المزمار المصري ـ العراقية ـ البوق ـ الناي المصري ـ الأرغول ـ الزمرة)، والآلات الإيقاعية (البندير ـ الطارق ـ الرق)، والطبول (طبل النقارية ـ النقرزان ـ الطبل الشامي ـ طبل المسحر ـ طبل المشيخ)، وآلات الصخب (الطبل التركي ـ الدربكة ـ الطبل البلدي).

ثم يتناول المؤلف الموسيقى المصرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث تأثرت الموسيقى المصرية بالألحان العربية التي وفدت مع الفاتحين العرب عام 641م. وخلال الحكم المملوكي والعثماني تميزت الموسيقى بالبساطة الشديدة وتكونت من بعض النغمات القليلة والتي كانت تصاحب كل سطر أو سطرين من الكلمات وبعدها تتكرر بشكل تلقائي طوال الأغنية.

وقد ازدهر التخت (كلمة فارسية تعني صدر المجلس) المصري حيث يجلس المطرب الأساسي ومن حوله وخلفه العازفين والمنشدين (الكورس). وكان التخت بمثابة المدرسة التي تعلم فيها العازفون والمطربون أسرار الموسيقى والغناء لصقل مواهبهم وتقوية أصواتهم. وقد تنوعت المؤلفات الموسيقية المخصصة للعزف على مختلف أنواع الآلات الموسيقية مثل: البشرف والذي يؤدى بمصاحبة كل آلات التخت وبه جمل لحنية عديدة،

ويعد بمثابة التمهيد للغناء أو لإعداد العازفين قبل الدخول في التقاسيم. والتحميلة وهي تقاسيم خاضعة لميزان وإيقاع لحني بسيط ومتكرر. والتقاسيم وتؤدى مرتجلة بواسطة آلة منفردة أو بمصاحبة آلة مساعدة تمثل خلفية مستمرة لها، وهي تمهد المستمعين لما بعدها من وصلات غنائية. والدولاب وهو قطعة موسيقية صغيرة يعزفها التخت وتسبق الغناء كمقدمة له.

كما تطورت المؤلفات الغنائية العربية وتغلغلت في النسيج الموسيقي المصري مثل: الموشح- الدور- القصيدة- الطقطوقة- الأغنية- الموال. وكان المصري يغني في كل المناسبات والأماكن والأزمنة بحيث لعبت الأغنية والموسيقى دوراً هاماً في حياته، وقد كونت هذه الأغاني على مر العصور ما يعرف ب» الفلكلور المصري».

محمد جمعة

*الكتاب:تاريخ الموسيقى المصرية أصولها وتطورها

*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2006

*الصفحات:341 صفحة من القطع المتوسط