يمكن تصنيف رواية «نصف حياة» للروائي ف.س نايبول الفائز بجائزة نوبل للآداب 2001 ضمن تلك الروايات التي تطرقت إلى قراءة العلاقة الإشكالية بين الشرق بروحانيته وسحره وطقوسه الغريبة من جهة، والغرب بماديته ووضوحه وبراغماتيته من جهة أخرى،

لكن هذه الثنائية التي لطالما قاربتها النصوص الروائية لا تشكل الهاجس الرئيس لهذه الرواية فهي رواية أمكنة، وشخصيات وحالات أقرب إلى «أدب الرحلات» تحاول رسم صورة لشخصية نهلت من ثقافات عدة، وتنتمي لأسرة جعلته يعيش مشاعر متضاربة تنزع نحو «قتل الأب»، و«حتى الحب الذي شعر به تجاه والدته كان مملوءاً بالألم».

ولد القاص والروائي ف.س. نايبول في 17 أغسطس 1932 في ترينيداد (الانتيل) في عائلة من المهاجرين الهنود تنتمي إلى طبقة رفيعة. انتقل في سن الثامنة عشرة إلى انجلترا حيث أتم دراسته في كوينز رويال كوليدج قبل أن يتخصص في الأدب الانجليزي في اوكسفورد. وهو يعيش حاليا في بريطانيا. وجاء في قرار الأكاديمية السويدية «أن أعماله ترغمنا على أن نلحظ التاريخ المضمر،

وإن مزج بين الفنون الأدبية المعروفة بأسلوب أتاح للقراء أن يروا تجسيدا لتاريخ المقهورين». بعد عدد من القصص القصيرة تلتها عام 1957 رواية أولى بعنوان «رجال من قش»، اصدر عام 1961 «منزل لبيسواس»، رواية عالج فيها بمزيج من السخرية والطرافة مأزق المهاجرين الهنود في الكاريبي العاجزين عن الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة وعن العودة إلى جذورهم.

ففي هذه الرواية نحن حيال بطل يحاول التخلص من إرث ماضيه الثقيل، ويبحث عن صوته الخاص وسط صخب الأمكنة التي عاش فيها والتي منحته «نصف حياة» في كل محطة، ومن هنا عنوان الرواية. إنه ويلي تشاندران صاحب الطموح والأحلام، المفعم بالحماس والانطلاق،

لكنه لا يستطيع أن يصوغ أمنية بعينها «فالحياة تنصب له شراكها القاسية»، ولا تترك له فسحة واعية لأن يسأل نفسه عما حققه، وإلام يهدف؟ الأقدار تقود خطوته، وهو مستسلم من دون تذمر للإصغاء إلى ما تمليه عليه نوائب الدهر ومباهج اللحظات العابرة.

رواية «نصف حياة»، تقدم سيرة ويلي تشاندران، فتسرد في القسم الأول طفولته حيث يقوم والده هنا بدور الراوي على إثر سؤال وجهه له الابن حول سبب اسمه الأوسط «سومرست» وهو كاسم الكاتب الإنجليزي «سومرست موم».

يفتح هذا السؤال شهية الوالد الذي راح يروي لابنه ويلي حكايات الطفولة وأيام الشقاء وشعوره بالاضطهاد «بسبب فراغ عالمنا وخنوع حياتنا». وذكّر الابن بما كتبه عنه سومرست موم بعد زيارة قام بها الأخير إلى بلادهم الهند،

وكيف أنه استجاب لنداء المهاتما، وأضرم النار في أشعار شيلي، وكيتس، وووردزورث مقاطعاً الثقافة الإنجليزية، ومقرراً أن يجعل من نفسه أضحية، وعزمه على الزواج من أدنى امرأة يمكنه العثور عليها، وهي «فتاة المنحة» التي ستصبح والدة ويلي.

وحين يروي الوالد كل ذلك يصف مشاعره آنذاك: «كنت مثل طفل يرى السماء معكوسة في بركة بعد المطر، وسمحت لقدمي أن تلمس البركة، راغباً أن أشعر بالخوف حيث أنا آمن، وعلى أثر تلك الملامسة ارتدت علي البركة فيضاناً كاسحاً يجرفني سيله الآن... ولم يعد العالم مكاناً عادياً مملاً.. بل مكاناً تجري فيه سيول سرية يمكنها في أي لحظة أن تجرف معها الغفل».

إن القناعات التي آمن بها الأب، وحياة التضحية التي عاشها لا تستهويان ويلي الذي يبحث عن مخرج من هذه المتاهة، فيرسله والده بمساعدة صديق له إلى لندن، وهنا تبدأ ملامح حياة أخرى بالتشكل، فنقرأ كلمات الراوي المجهول، بضمير الغائب، وهو يروي فصولاً من حياة ويلي في هذه المدينة التي شعر فيها بأنه «يسبح في الجهل وبدأ ويلي يدرك أنه حر في تقديم نفسه بالطريقة التي يرغب».

إن مدينة لندن التي قدم إليها ويلي في النصف الثاني من القرن العشرين لا تشبه مطلقاً تلك البلاد التي غادرها، فهو يجد هنا ثقافة مختلفة، وشخصيات جديدة، ويقيم علاقات صداقة مع زملاء في الكلية، ومحامين وناشرين ويتأقلم مع هذا المناخ الجديد المنفتح على أكثر من صعيد والذي يتيح له إقامة علاقة عاطفية ـ جنسية مع الفتيات هو القادم من بيئة تنظر إلى مثل هذه العلاقة على أنها خطيئة.

إن ما يؤرق ويلي في لندن هو السؤال الذي يلح عليه، إلى أين سيمضي بعد أن ينهي دراسته؟ وهنا تظهر في حياته الفتاة الأفريقية المنحدرة من أصول برتغالية آنا التي أعجبت بقصصه، فيقرر ويلي الذهاب معها إلى بلدها الأفريقي البعيد لتكون أفريقيا، هي المحطة الثالثة في حياته، والتي حين وصل إليها راعه بؤس المكان وغربته، وقسوته،

فقال: «لا أريد لهذا المنظر أن يصبح مألوفاً، يجب ألا أتصرف وكأنني سأمكث هنا»، لكنه مكث في هذا المكان مدة ثمانية عشر عاماً حيث يقوم ويلي بسرد هذه الحياة الأفريقية بضمير المتكلم لشقيقته ساروجيني في برلين حيث تزوجت من ألماني، في القسم الثالث والأخير من الرواية،

فهو يفتش الآن في ذاكرته ليلتقط شذرات من حكايات عاشها في ذلك البلد الأفريقي، بلد زوجته آنا، الذي كان يسودها المناخ الكولونيالي وتعيش فيه شخصيات غريبة، متمردة، تبحث عن أمجاد دفنت تحت رمال تلك البلاد التي خَبِرها ويلي طويلاً واستطاع أن يُعيد تفاصيل حياته في الأرياف والمزارع والحانات الليلية،

وأن يرصد حياة الأفارقة بعنفوانها ونزقها وقسوتها، من دون أن ينسى خصوصية المكان بنباتاته ومناخه ومفرداته التي شكلت له عالماً غاب فيه فترة طويلة ليقرر ترك زوجته في النهاية والبحث عن مكان يحتضن ويلي الفرد الذي تلاشت حياته في حيوات الآخرين.