«صريع الغواني» هو الشاعر «مسلم بن الوليد» وقد قيل أن الخليفة «هارون الرشيد» هو الذي لقبه بهذا اللقب. والقصة تقول إن «مسلم بن الوليد» انبرى ينشد «الرشيد» فيستحسن منه ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل، وأمر له بمال وأن يكون له مجلس خلوة.

وكان الخليفة وأصحابه يتناشدون قصيدة مسلم، وفيها بيته المشهور:

وما العيش إلا أن تروح مع الصبا

صريع حميا الكأس والأعين النجل

وقد نقلت كتب الأدب أن رجلاً سأل «مسلم بن الوليد» : لم سميت صريع الغواني؟ فأنشأ يقول:

إن ورد الخدود والأعين النجل

تركتني لدى الغواني صديقاً

فلهذا أدعى «صريع الغواني»

وسواء أصحت هذه الحكاية أم كانت من صنع الرواة، فهي هامة في بيان كثير من صفات الشاعر وحياته وخلقه وحاله آنذاك، وبيان حال الرشيد ومجالسه والدخول عليه، وانبساطه للشعر بعد الهم، وتقديره للشعراء والأدباء والعلماء،

فإنها «بغداد» حاضرة العالم الإسلامي، تضج بالأمراء والوزراء يقربون البعيد ويبعدون القريب، أقبل إليها الشاعر يدلو بدلوه، ويرسل بشعره لينال ويحظى ويشتهر، فيسير ذكره بعد أن كان مغموراً، ويثري بعد أن كان فقيراً.

ولد «مسلم بن الوليد» حوالي سنة 140 هجرية في مدينة الكوفة، ونشأ فيها وترعرع، يستمع إلى الشعر ويدوية، ثم ينشده ويتعلق به، وكانت والأعلام. وكان الشاعر في ظاهر الأمر لا ينقطع إلى فئة دون فئة ولا نكاد نقف له على تحيّز، فلم يكن شاعراً سياسياً أو حزبياً بالمعنى الذي نعرفه الآن، فلم ينتصر لحكم دون حكم، ولكنه كان يشيد بممدوحه وفعاله،

فيذكر ما كان له من أياد على الخلافة، فيصف الواقع ويرسم الحال. وكل ما في الأمر أن مسلم بن الوليد كان شاعراً يحب أن يعيش، وأن يعيش مكفي المؤونة، فإذا وجد ممدوحاً يكفيه أمره وبيته وأولاده، انصرف إليه يمدحه فينال من عطاياه.

وتروي الأخبار كيف أن الخليفة هارون الرشيد أغدق الشاعر أموالاً أدهشت النقاد والشعراء. وحال الشاعر مع الفضل بن يحيى البرمكي في العطايا والأموال لا يقل فيما نقلوا عن حاله مع الخليفة ومع ابن سهل فقد دخل صريع الغواني على الفضل بن يحيى وأنشده اللامية وفيها:

وردتُ رواق الفضل آمل فضله

فحط الثناء الجزل نائله الجزل

فطرب الفضل وأمر أن تعد الأبيات، فكانت ثمانين، فأمر له بثمانين ألف درهم.ولكن شعره الغزلي لا يقل جمالاً وروعة عن غزل الفحول قبله، بل لعله فتح في هذا الباب سبل التغزل وأبواب الهوى واسعة، وكانت المرأة في شعره شبيهة بغصن البان تتراخى وتتمايل، وهو واجد اللذة في الكأس والحب، يردد ذلك دائماً دونما خجل.

ولكن الشباب ما أن انقضى حتى لمسنا البكاء والنحيب عليه، فهالته شيبة في رأسه حتى كأنها إحدى المصائب، لذلك بكى هواه ونقش تمثالاً لوجه محبوبته في الترب، يسقيه من ذوب عينيه. ترك «صريع الغواني» قرابة ستة آلاف بيت من الشعر، وعاش في أواخر حياته حزيناً كما عاش الشعراء الرومانسيون في الغرب، يخاطب الصخر والحجر ويبثها آلامه إلى أن توفي غريباً نائياً في «جرجان» سنة 208 هجرية.

سيرته مختلفة عن سيرة كثير من الأطفال الذين تعلقوا بمجون الشعر. فقد كان الشعر النواسي يطوف أكثر الأرجاء، ولكن أذن الفتى مسلم بن الوليد انصرفت عن هذا اللون، وتعلّقت بشعر الفحول القدماء كالنابغة وزهير والأعشى وعمر بن أبي ربيعة وامرئ القيس والأخطل وجرير وغيرهم.

وهكذا ترعرع الشاب في وقار وهدوء، فعرف بالأناة والصبر والبعد عن المجتمعات، وقالوا: لقد انزوى عن الماجنين، فلم ينقل في كتب النوادر، شيء من القصص في خلاعته ومجونه في طفولته، أو تردده على الدور المشبوهة، ولم ينسب إلى جماعة «أبي نواس» أو بشار بن برد.