كما هو متوقع انتهى «مؤتمر الناشر العربي» في بيروت الأسبوع مثلما كان المؤتمر السابق الذي عقد في بيروت أيضا قبل عامين الذي دعا إلى تخفيض الضرائب عن الكتاب ومتعلقات الطباعة، والنظر إلى مسألة الشحن باعتبارها عقبة في وجه انتشار الكتاب،
ومطالبة الوزارات الثقافية العربية بدعم الناشر، وتسهيل توزيع الكتاب بين الدول العربية، وجميع هذه المقترحات يمكن أن تتكرر في المؤتمرات المقبلة لأنها طموحات تشبه مسرحية شكسبير «حلم ليلة صيف» ليس لأنها أحلام فقط، بل لأنها قفز فوق الواقع وتجاوز للحقائق أمام الأعين.
الحقائق التي تحول دون وصول الكتاب إلى القارئ كثيرة أبرزها حكومي، وأقلها المنع السلطوي سواء أكان سياسيا أو دينيا أو غيرها من جهات الحجب والحجر على الفكر، حقائق كثيرة لا تحول دون وصول الكتاب فقط، لكنها تصل إلى ملاحقة المؤلفين والناشرين والقراء أحيانا..
لأنهم تداولوا كتابا في قائمة الممنوعات، وهي قائمة تزداد سنة بعد أخرى، وحقائق أن الكتاب العربي قبل أن يصل إلى القارئ يمر أولا على مبضع الختانين، ثم تزيده شرذمة الواقع الثقافي العربي ضياعا و بعدا.. وإهمالا.
مؤتمرات النشر، مثل مؤتمرات اتحاد الكتاب، أو اتحاد المؤلفين، أو مجالس الثقافة أو عواصم الثقافة إسلاميا وعربيا وشعبيا،هي مؤتمرات توصيات، مجرد فقرات على ورق مصقول تذهب من مؤتمر إلى مؤتمر دون أن ينفذها أحد،
وفي الوقت الذي تقر إدارة مؤتمر توصية بمؤازرة الكتاب وعدم منعه، هناك رقيب ما ينتمي إلى أحد أقبية القرون الوسطى يمنع كتابا أو يحجر على كاتب أو يفقعه تقريرا إلى جهة أمنية لتضعه على لائحة اهتماماتها الوطنية !
لقد غض المؤتمر المذكور الطرف عن قضية الحقوق الفكرية، ولم ينظر إلى الآلية التي تتبعها بعض دور النشر لطرح الكتاب في الأسواق، ولا بأس بهذه الفكرة التي طرحتها الزميلة غالية القباني المقيمة في لندن بعد حضورها لمؤتمر عن الترجمة و النشر في المملكة المتحدة
تقول عن عالم النشر العربي «نشر يختفي فيه المتخصصون ويبرز البائع والمشتري فقط، الكاتب يبيع نصه والناشر يشتريه، بثمن بخس على أكثر الاحتمالات يصل حد التبرع بالنص للناشر في مقابل أن يرى النور». إنه وضع مزر غض المؤتمر الطرف عنه فعين الرضا عن كل عيب كليلة.
في الدورة المقبلة لمؤتمر الناشر العربي ستتكرر اللازمة ذاتها وستذهب توصيات الدورة الحالية إلى السنة المقبلة، وكأن الهدف هو عقد المؤتمرات وليس تنفيذ القرارات، وإذا كنا نفخر قديما بكرم الأجداد ومروءتهم وشجاعتهم، فإننا نفخر الآن بأننا أمة وصاية، فنحن أوصياء ليس على الكتاب ولكن على مجمل الحياة لذلك نوصي.. ونوصي، ونكثر من الوصاية حتى نصاب بالتخمة.. فينتفض المؤتمر.