«الناس الحمقى، هم من يسخرون من الغير ويخدعونهم ليشعروا بتفوقهم» جملة أوردها الروائي والباحث النفسي الأميركي، دانييل كيز على لسان بطل روايته الشهيرة «زهور إلى ألغيرنون» التي حققت له نجاحا واسعا لدى نشرها سواء على صعيد القراء أو النقاد.
التحق كيز الذي ولد في بروكلين نيويورك في 9 أغسطس 1927 ، بالخدمة البحرية الأميركية حينما كان في السابعة عشرة من عمره، ثم ترك البحر ليتابع دراسته الجامعية وحصل على البكالوريوس في علم النفس. بعد عمله كمساعد محرر لإحدى المجلات المختصة بأدب الخيال، انتقل إلى مهنة تصوير الأزياء
ومن ثم إلى التدريس في المدارس الحكومية ليتفرغ في المساء لمتابعة دراسته الجامعية للأدب الإنجليزي والأميركي إلى جانب تأليفه للقصص القصيرة في إجازته الأسبوعية. حينما حصل على الماجستير غادر نيويورك لتدريس الكتابة الإبداعية في عدد من الجامعات ليصبح بعدها بروفيسورا في جامعة أوهايو عام 1966.
وفي عام 1959 نشر قصته الطويلة بعنوان «زهور إلى ألغيرنون» وحاز على جائزة هوغو لأفضل قصة لعام 1960. وعندما أعاد كتابتها ونشرها كرواية حاز على جائزة نوبيلا القديرة لأدب الخيال العلمي عام 1966. علما بأن تلك الرواية حولت إلى فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني وعرضت على مسارح بلدان عديدة.
ونظراً لشغف كيز بمجاهل النفس البشرية، فقد كتب رواية أخرى بعنوان «اللمسة» ونشرت عام 1968، وتعالج الآثار النفسية الناتجة عن حادث أليم، كما تلاها برواية «سالي الخامسة» عام 1980 وهي العمل الأدبي الأول الذي يتناول موضوع ازدواجية الشخصية واضطراباتها ومن ثم رواية «موت مزدوج».
اتجه بعد ذلك لكتابة الأدب الواقعي، ونشر دراسة عن عقلية المجرم وقدمها في كتابين الأول بعنوان «فكر بيلي ميليغان» عام 1981 و«حروب ميليغان» عام 1986 ومن خلالهما تناول حياة المجرم بيلي ميليغان وهو أول من حصل على عفو على الرغم من جرائم القتل التي ارتكبها وذلك نظرا لشخصيته المضطربة.
كانت رغبة كيز في دراسة علم النفس بهدف فهم ما هي دوافع الناس. ومن خلال الأساتذة الذين تواصل معهم استلهم عدد من شخصيات روايته «زهور إلى ألغيرنون» وهما العالمان. أما شخصيته الرئيسية في العمل فقد استلهمها عام 1957 حينما كان مدرسا لذوي الاحتياجات الخاصة.
إذ قال له أحد طلابه في أحد الأيام: «أنا أعلم بأن هذا صف الأغبياء وأريد أن أسألك: هل أستطيع إذا بذلت جهدا مضاعفا وأصبحت ذكيا أن أنتقل في نهاية الفصل إلى صف الطلبة العاديين؟ أريد أن أكون ذكيا». وشارلي بطل روايته «زهور إلى ألغيرنون»، شاب ودود وهادئ في الثانية والثلاثين من عمره ويعاني من قصور عقلي، ويعمل كمنظف في أحد المخابز، ويعتبر الجميع أصدقاءه.
وعندما يتم ترشيحه من قبل مدرسته في القراءة أليس كينيان في مركز كلية بيكمان، ليكون موضع تجربة علمية لعالمين هما دكتور شتراوس والبروفيسور نومير، بهدف رفع معدل ذكائه، يبدأ شارلي بكتابة يومياته بحماس.وفي المختبر يتم إجراء العديد من الفحوصات الفيزيولوجية والسيكولوجية،
كما يتم اخضاعه للاختبارات التي يقوم بها فأر المختبر ألغيرنون الذي من خلاله أثبت العالمان نجاح تجربتهما. وهكذا يدخل شارلي غرفة العمليات وجلّ حلمه في الحياة أن يكون إنسانا طبيعيا كالآخرين. بعد العملية يعطي العالمان شارلي جهاز تعليمي كالتلفاز، وكان عليه أن يصغي له ليلا نهارا لتنشيط ذاكرته.
يكون تقدمه في البداية بطيئا، لكنه سرعان ما ينجح في التفوق على ألغيرنون، ويحصل على ترقية في عمله. ويتجلى من خلال كتابته ليومياته تجاوزه للأخطاء الإملائية السابقة بالإضافة إلى اتقانه للغة. وتبدأ اهتماماته في التنوع ما بين الفلسفة والسياسة والموسيقى إلى اللغات القديمة والرياضيات، وسرعان ما يصل إلى العبقرية.
ومن خلال حياته اليومية، يعي شارلي بأن الذكاء بمثابة سيف ذي حدين، كما يكتشف بأن من كان يعتبرهم أصدقاءه مجرد أفراد كان تواجده بينهم موضع سخريتهم الدائمة، كما يستعيد ذكريات طفولته سيما فيما يتعلق بقسوة والدته وسوء معاملتها له وشعورها بالعار منه.
وفي غمار عالمه الجديد، يقع في غرام مدرسته الشابة أليس، ويفاجأ بما يعتريه من حالات اضطراب وفزع كلما حاول التودد إليها. وخلال مراقبة حالته النفسية يصل د. شتراوس إلى نتيجة مفادها أن شارلي غير ناضج عاطفيا بعد.وفي إطار وحدته وكآبته حينما تفرق الجميع من حوله وهروبه من العالمين بعد اصطحابه لصديقه الأوحد الذي بقي له ألغيرنون، يقرر إعادة التواصل مع أسرته،
يزور في البداية والده المسالم الذي يلتقيه دون أن يفصح عن هويته، ثم يتجه لزيارة والدته التي تستقبله بخشونة وغضب تماما كما في الماضي، أما أخته نورما فتعرب له عن ندمها لسوء معاملتها له في الماضي وترجوه أن يبقى معهما ليساعدهما على مواجهة ظروف الحياة الصعبة.
وفي مرحلة تألقه الفكري هذه يحصل من ذات الجامعة على تمويل للقيام ببحثه الخاص المستند على دراسات تجربة العالمين. وتبدأ التراجيديا حينما يكتشف أخطاء العالمين ويدون في بحثه أن معدل الذكاء سينحدر مجددا بالتناسب طردا مع نسبة الجرعات التي تناولها هو وألغيرنون. وسرعان ما تتراجع حالة الفأر، وعندما يموت يبكيه شارلي بمرارة فقد كان صديقه الأوحد في الحياة.
كما يدرك شارلي أن خوفه من التودد إلى أليس، مرده الرعب الشديد الذي غرسته والدته في أعماقه من الجنس الآخر منذ طفولته. وبمساعدة جارته الفنانة يتحرر من مشكلته ويعود إلى أليس ليعيشا حالة الحب المتكاملة ويصارحها بالمصير الذي ينتظره.
وحينما تبدأ حالته بالتدهور يجبرها على الخروج من حياته، ليقضي أيامه الأخيرة وحيدا في المصح مفضلا الاحتفاظ بكرامته وكبريائه. وقبل دخوله كتب طلبه الأخير، «أرجو إن أتيحت لك الفرصة، أن تضع بعض الزهور على قبر ألغيرنون في الفناء الخلفي».
rmaleh57@hotmail.com

