تعد هذه الرواية، في أحد أبعادها عملاً هجائياً ساخراً، إلى جوار كونها قصة حب بامتياز، وهي تروى قصة زوانج كسياو كياو، الشابة الصينية التي لصعوبة اسمها يعرفها من يحيطون بها اختصاراً بـ «الآنسة زد»، وهي تجيء إلى لندن في أول سفر لها خارج بلادها لتتعلم اللغة الانجليزية.

ويرجع جانب كبير من أصالة الرواية، التي تعد الأولى التي تكتبها مؤلفتها باللغة الانجليزية إلى استخدام المؤلفة المتعمد والمرح لإنجليزية المبتدئين في تعلم هذه اللغة بكل ما فيها من أعاجيب ومفارقات ومتناقضات، وهي تنقل لنا أحساس الراوية بالحيرة. ولكن ليس بالتهديد، ازاء الثقافة الانجليزية.

وجوهر الرواية هو قصة الحب التي تربط «زد» التي لا يتجاوز عمرها العشرين عاماً برجل انجليزي في الرابعة والأربعين، وهو فوضوي سابق، نباتي، مزدوج الميول الجنسية، يقيم في حي هاكني، ولا يحب الحديث عن مشاعره.

والمؤلفة أكثر براعة مما يبدو لنا للوهلة الأولى في المقاطع الاستهلالية من الرواية التي تكتب بالصيغ التي تلتقطها مبتدئة في تعلم اللغة الانجليزية، فنحن نفلح من خلال هذه الصيغ المتعثرة في الإلمام برؤية الراوية لغرابة الحياة الانجليزية.

وعجز الراوية عن التلاعب بمفهومي «أنا» و«ذاتي» يتيح لنا الولوج إلى الموضوع الذي سنصادفه طويلاً على امتداد الرواية، وهو المعاني المختلفة للذات في المجتمعين الانجليزي والصيني. والأمر لا يقتصر على هذا، فالراوية تصطدم بأمرين آخرين أساسيين في المجتمع الانجليزي، هما الدردشة والعادات، حيث لا تفهم لهما رأسا من ذيل في حياتها اليومية اللندنية.

هكذا، على سبيل المثال، فإنها في عودتها من إحدى نزهاتها التي تمضي فيها وحيدة في أرجاء لندن، تقول لها موظفة الاستقبال في الفندق الذي تقيم فيه إن الدنيا برد للغاية حقاً. هناك لا تملك الآنسة زد إلا التساؤل: «لماذا تقول لي هذا؟ إنني أعرف هذه المعلومة!».

وفي وقت آخر تثير الآنسة زد شعوراً بالصدمة بلا قصد، عندما تقول لإحداهن: «هل أنت أكثر امتلاء مني بقليل: «وتضيف إلى ذلك بمرح قائلة: «لست أعتقد أننا من سن واحدة، فأنت تبدين أكبر مني كثيراً». ولما كانت الآنسة زد تجد نفسها وحيدة بعد تلقي دروسها في اللغة الانجليزية، فإنها لا تجد ما تقوم به إلا التجول بلا هدف في الشوارع وارتياد دور العرض السينمائي.

هنا لابد لنا من أن نتذكر أن جوو التي نشأت في قرية صيادين في جنوبي الصين جاءت إلى بريطانيا في عام 2002 للالتحاق بالدراسة في كلية السينما الوطنية البريطانية، وتلك حقائق لابد أنها قد انعكست في اختيار بطلتها للأفلام.

الآنسة زد ستلتقي الرجل الذي سيصبح حبيبها في عرض لفيلم فيم فاسبندر: «الخوف يأكل الروح» في سينما لوميير في ساوث كينسنجتون. وهذا الرجل لن نعرف له اسماً أبداً، فالآنسة زد تدعوه دائماً بـ «أنت»، وهو ناشط سياسي سابق، ومن قراء صحيفة «غارديان»،

ويمضي على مهل في أواسط العمر مفعماً بخيبة الأمل، ويقيم في حي هاكني، وهو فنان أيضاً، نحات على وجه التحديد، وحديقة داره الخلفية مليئة بتماثيل آذان صلصالية عملاقة، وذلك على الرغم من أنه يكسب عيشه من القيام بعمليات توصيل في سيارة من النوع «الفان» لأثرياء يستبد بهم الشعور بالضجر.

والأمر الأكثر من هذا والذي يبدو مرعباً لابنة فلاحين صينيين أنه نباتي، وأول وجبة طعام يقدمها للآنسة زد تتألف بصفة أساسية من أوراق نباتية غير مطهوة. ولكن على الرغم من أطباق السلطة وهوة اللغة وفارق العمر والحقيقة القائلة إنهما ليس هناك شيء مشترك بينهما على الإطلاق، فإن الآنسة زد تمضي إلى فراشه، حيث تفقد عذريتها، وتقع في حبه بصورة فورية.

وبشكل ما، وخلافاً لما قد نتوقع، فإن جوو تجعل هذا الحب شيئاً قابلاً للتصديق، حتى مع تفاقم الخلافات بين هذا الثنائي العجيب. مع كل صفحة إضافية، فحبيب زد يؤمن بعيش اللحظة وتبين إلى أين تمضي الحياة وما إلى ذلك من تصورات فلسفية.وخواطر زد تدور عندما ترى رجلاً حول: «هل من الممكن أن يصبح زوجي؟». أما حبيبها فيبادر إلى الخروج مع أصدقائه. ولا تفهم هي ما الذي يعنيه مفهوم الصداقة والأصدقاء.

وحبيب زد يحب المجال المتاح له، أما هي فليست بحاجة إلى فهم ما تعنيه الخصوصية، وهو حين يمضي في رحلة، تقوم هي بهدوء بالغ بقلب كل مقتنياته رأساً على عقب. وعندما يعود إلى الدار يسألها: «هكذا فقد فحصت كل شرائطي المدمجة؟». فترد قائلة: «بالطبع .. وقرأت رسائلك ويومياتك أيضاً». ويبدو للقارئ أن من المستحيل ألا يجتذب المرء تقريرها لما حدث كأمر واقع.

ومع ازدياد تعقيد القصة وثراء مفردات زد، فإن السرد يكتسب بلاغة وطواعية ويزداد توتراً على نحو يجعله يوشك أن يكون مستعصياً على الفهم.ومن المحقق أن ذلك كله يجعل من الصعب ألا يتأثر القارئ بعمق بموهبة جوو التي لا موضع لتشكيك في تألقها.

وليس من قبيل الصدفة حقاً أن صحيفة «إندبندنت» اللندنية في تحقيق مطول لها عن المواهب الشابة التي تعد على موعد مع التألق والاعتراف بها في عام 2007 تبادر إلى القول: «الأمر لا يقتضي عرافاً كونفوشيا للتنبؤ بأن الكتاب من أصل آسيوي سيجتذبون اهتماماً كبيراً من صناعة الكتاب العالمية في السنوات المقبلة.

وكسياولو جوو، المولودة عام 1973، ليست جديدة على الساحة تماماً، فقد عملت في مجالي الرواية والسينما التي درستها في كلية بكين للسينما ثم في منحة دراسية بلندن. وروايتها (قاموس صيني ـ انجليزي مختصر للعشاق) لها جوهر أكثر صرامة وازعاجاً مما يوحي به سطحها لأول وهلة».

ولم تكن «الاندبندنت» هي وحدها التي التفتت إلى الأهمية الاستثنائية لرواية جوو، وإنما أفردت لها «صنداي تايمز» مساحة ضافية لعرضها، وهو الشيء نفسه الذي قامت به صحيفة «غارديان» في استثناء نادر من القاعدة القائلة إن الرواية الأولى المكتوبة باللغة الانجليزية نادراً ما تحظى باهتمام حقيقي أو حتى بتنويه ملحوظ من نقاد هذه الصحف.

بقي القول إن هذه الرواية التي كتبت في فصول قصيرة، كل منها هو تعريف بكلمة، لا تتردد في السخرية من انجلترا والصين معاً، تستمد عبقريتها من استكشافها لآفاق الإمكانيات اللانهائية لسوء الفهم والتفاهم بين الشرق والغرب وترسم صورة لعلاقات سيفهمها الجميع بغض النظر عن جنسياتهم.

يوميات ـ المدخل 522

«حان وقت عودتي إلى حيث أقيم، آن أوان وداعي لأبوي مرة أخرى. عيد عام صيني جديد قصير، التهمت ما فيه الكفاية من اللحم، ورأيت ما يكفي من الألعاب النارية، وتعين عليَّ أن أشد الرحال عائدة إلى أوروبا. لم تكن الأيام التي أمضيتها مع أبي المريض وأمي ذات النزوع لتوجيه الأوامر والتعليمات مثيرة للاهتمام. و(مضجرة) هي كلمة قاسية لم أرغب في استخدامها ولكن الحقيقة هي أنني أحسست بالضجر في كل ثانية أمضيتها في بيت أبوي، وساورني شعور بالكآبة.

لا تدفئة، لا تخلص من التراب، ودفق سيئ من الماء عندما تفتح الصنبور. وفي كل وجبة تعين علينا أكل أرز مما تبقى من الوجبة السابقة، تماماً كما كانت عليه الحال منذ 15 عاماً عندما رحلت عن الدار. وعلى الرغم من أنني لم أكترث كثيراً، إلا أن الشعور بكوني مراهقة بلا قلب عاودني بقوة، فأحسست بالاختناق. ثائرة بلا قضية. واصلت هذه العبارة القفز إلى ذهني».

*الكتاب:قاموس صيني ـ انجليزي مختصر للعشاق

*الناشر:شاتو ـ لندن 2007

*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط

AConcise Chinese - English Dictionary For Lovers

Chatto - Londan 2007

p.352