هذه المقابلة مع الروائية وكاتبة السيناريو والمخرجة الصينية كسياولو جوو أجراها معها بويد تونكين، المحرر الثقافي بصحيفة «الإندبندنت» اللندنية بمناسبة صدور كتابها السابع، روايتها التي تحمل العنوان الغريب والدال «قاموس صيني إنجليزي مختصر للعشاق» عن دار شاتو اللندنية مؤخراً،

حيث ألقت الضوء على عالمها الإبداعي المتعدد الجوانب وما تحاول تقديمه في روايتها والوضعية الراهنة للثقافة الصينية ونظرة الغرب إليها والصعوبات التي يواجهها المبدع الصيني في بلاده وخارجها. وفيما يلي نص المقابلة. تشعر الروائية الصينية النشطة كسياولو جوو، التي استقرت في مبنى سكني تقليدي تابع للمجلس البلدي في شرقي لندن،

بالقلق حيال رقابة أدبية تعرضت لها أحدث روايتها، فقد نصحها محرر في إحدى دور النشر بحذف فصل مهم من روايتها «قاموس إنجليزي صيني مختصر للعشاق» هل هو محرر في بكين؟ لا، إنه في نيويورك. وهي تقول بانفعال محتدم يتقد غضباً: «لسوف يصبح الكتاب بعد هذا الحذف أقرب إلى أدب الفتيات الصغيرات، وأنا أكره هذا التعبير. إنني غاضبة وقلقة حقاً».

وجانب كبير من هذه الرواية، التي تعد الرواية الأولى التي تكتبها باللغة الإنجليزية، يخاطب ببراعة افتراضاتنا حول الهوة القائمة بين الثقافتين الصينية والغربية، لا لشيء إلا ليضع حداً لها. وهكذا فإن هذه المحاولة الرقابية الأميركية حيال روايتها لجعلها تناسب الليبرالية الأميركية وليس الشيوعية الصينية تبرهن على وجاهة ما تحاول الكاتبة طرحه،

فالمعارك بين القمع والتمرد لا تتواءم مع مع تمييزات الجغرافيا أو الايديولوجيا، وهذه الجولة يبدو أنها انتصرت فيها، حيث إن الفصل المعني في الرواية سيظل على ما هو عليه في الطبعة الأميركية من الكتاب. وإذا كان الفصل المراد حذفه يدور حول موضوع ثقيل العيار، هو الإجهاض،

فإن الحشمة بمعناها البسيط يمكن أن تطل برأسها في الشرق أو الغرب، فقد اعترض الناشر الأميركي للكتاب كذلك على جزء فيه تتسلل الراوية الساذجة إلى استعراضات التلصص في حي سوهو اللندني، وتستخدم فيه كلمات تناسب الساحة والأحداث التي تجري فيها.

ومن منظور المؤلفة، فإن الأمر: «فضيحة حقاً» حيث إنها تجد نفسها مضطرة للعراك على هذا النحو للحفاظ على تكامل نصوصها الروائية في مواجهة ناشرين ربما توقعوا نصوصاً أكثر التباساً وغموضاً. وهي تضيف: «قبل اللقاء معهم لابد أنهم يفكرون في أنني امرأة شرقية لطيفة وودودة. ولكنني أثقل عياراً وأكثر غضباً بكثير مما يتصور الناس. إنني أكثر فوضوية بكثير من الكتاب الكلاسيكيين، ولست كاتبة صينية فلاحة صغيرة».

وصف «لطيفة» ليس بالوصف المناسب لكسياولو جوو، ولكن وصف «حادة» يناسبها على وجه الدقة، وفيما الأفكار تنساب وتتدفق في الحوار معها، فإن، هذا الحوار يعطي إحساساً بالحيوية والتألق، تماماً كالثوب الحريري القرمزي الذي ترتديه.

تتابع رواية كسياولو جوو الجديدة، في صورة يوميات، وقائع عام من الحياة اللندنية لفتاة صينية تنتمي إلى عائلة من الفلاحين الذين تحولوا إلى صانعي أحذية، والتي يتم إرسالها إلى الغرب لتعلم اللغة الانجليزية. وهي يوميات تخلب اللب، وتثير الحيرة والتشوش، حيث تشكل رحلة مدهشة في أرجاء اللغة والحب أيضاً.

والراوية التي تدعى زوانج كسياو كياو أو «زد» على سبيل الاختصار تقع في حب نحات محبط في هاكني، يبدو في البداية جذاباً، ثم يصبح نكد المزاج بصورة متفاقمة، وينتقل بين الحالات المزاجية، ويتقلب في الوظائف، ويتقلب في أشكال الحب وارتباطاته أيضاً.

مع تعمق «زد» في الغرام، تتقلب انجليزية يومياتها، فمن عثرات المبتدئين بصورة مطلقة تنطلق موغلة نحو التعبيرات الشخصية المركبة، التي تذهل غريباً يطلع عليها مصادفة، وصولاً إلى هجوم بطولي على ثقافة قلب انجلترا وناسها.

تحفل هذه الحكاية العابرة للثقافات بالكوميديا المزدوجة وسوء الفهم اللفظي. والمسافة الشاسعة بين الحضارات تتبلور في هوة بين شخصين. وتقول المؤلفة رداً على سؤال في هذا الصدد: «ليست الرواية حقاً عن لقاء بين الشرق والغرب. فمثل هذه الروايات رديئة، لأنها تدور حول فكرة أو مفهوم، وأنت تفقد في غمارها المعنى الحقيقي».

هل يستمد كتاب يحدثنا بالكثير عن إمساك مؤلفته البارع بناصية لندن والحياة واللغة فيها جانباً من مادته كذلك من التجربة التي تنعكس في العلاقة المحورية؟ ترد المؤلفة الصينية على ذلك القول: «لست اعتقد أن الناس سيسألون توم ويتس: هل كل هذه الأغاني تعكس سيرة حياتك؟ ياله من سؤال غريب!

إننا جميعاً سواء، نحن معشر الكتاب والمؤلفين ومؤلفي الأغاني والموسيقيين. إننا يتعين علينا أن نكتب من صميم قلوبنا. ولكن من قبيل التخلف حقاً الاعتقاد بأن الرواية هي سيرة حياة مؤلفها». في معرض حديث كسياولو جوو عن الثقافة الصينية تقول إنها تجدها «فوضوية على نحو رائع»، لكنها تعرب عن أسفها لأنه حتى في الوقت الراهن «هناك رقابة ذاتية في داخل كل فنان.

وأنا انتمي إلى الكتلة القارية الصينية، وقد ربيت من أم رأسي إلى أخمص قدمي على الفكرة الشيوعية». وعلى الرغم من كل مواقفها الطليعية، فإنها تقول: «لست أرغب في الوقوع في مشكلة كبيرة. فإذا لم يكن بوسعي العودة إلى الصين، فإن ذلك سيكون فشلاً كبيراً في حياتي».

وهي تعود بالفعل إلى الصين كل صيف لإخراج أفلام، لكنها تجيء إلى لندن للقيام بالمونتاج للمادة المصورة. ويدور فيلمها الجديد «كيف حال سمكتك اليوم؟» حول كاتبة تلتقي إحدى شخصياتها وقد عرض في مهرجان صندانس في يوتاه بالولايات المتحدة.

ولكن ما الذي تطمح إليه كسياولو جوو حقاً؟

تقول المبدعة الصينية في معرض الإجابة عن هذا السؤال: «إننا نحن الصينيين قد اعتدنا على النضال للحصول على كل شيء. وإذا لم تكن هناك حاجة للنضال فإننا لن نعرف كيف نحيا. ليس هناك سلام، فالحياة صراع على الدوام. وأنا أومن بذلك. وقد يبدو هذا جنوناً، لكننا في الصين نتحدث على هذا النحو.

وقد صدم خطيبي للغاية لدى سماعه ذلك، ولكن هذه الفكرة قوية للغاية في أعماقي. وأنا أشعر بالاغتراب هنا على الصعيد الثقافي، وذلك يجعلني أحس بالغضب. أريد أن أكتب المزيد والمزيد، وأن أنشر الكثير، تحسباً لأولئك الذين لا يعرفون بوجود أدب صيني».إن كسياولو جوو، التي تمضي على نحو مرح إلى العراك الثقافي من هاكني إلى صندانس، تستحق عن جدارة إحداث فجوة كبيرة في سور الجهل ذاك الذي تمقته.

محطات في مسيرة جور

* ولدت الروائية والمخرجة السينمائية وكاتبة السيناريو كسياولو جوو في قرية صيادين في جنوب الصين في 1973. وحصلت على ماجستير في السينما من أكاديمية بكين للسينما، وتلقت منحة لدراسة السينما في لندن، حيث درست الأفلام الوثائقية في كلية السينما والتلفزيون الوطنية في لندن.

* أصدرت جوو سبعة كتب، أبرزها روايتها «قرية الأحجار» و«قاموس صيني ـ إنجليزي مختصر للعشاق».

* أخرجت عدة أفلام وكتبت سيناريوهات عدة، وهي تساهم بمقالات يومية وشهرية في عدد من المطبوعات في مختلف أرجاء العالم. وهي تقيم في بركشاير بانجلترا، وتعكف على انجاز رواية جديدة.